تأملات في الحالة التركية

المتابع لردود الأفعال على نتائج الانتخابات التركية وفيضان الفرح والتبريكات التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الشباب العربي من المحيط إلى الخليج، يدرك أن شيئاً ما جديداً قد قدمته هذه التجربة. شيء لم نعتد عليه ولم نجربه في معظم بلادنا.
حالة الفرح والابتهاج هذه لم تقتصر، كما في أي انتخابات مماثلة، على مواطني البلاد، ولا على أنصار مشروع الحزب الفائز، بل انتقلت لتشمل كل الإسلاميين في المنطقة من الذين يرون في تركيا وزعيمها وجهاً مشرقاً ومشرفاً لهم، قبل أن تشمل الكثير من أصحاب التوجهات والخلفيات المختلفة. بالمقابل فإن الحالة التركية مقلقة بكل تأكيد لأعداء الحكم الرشيد. يمتد ذلك القلق ليشمل أطرافاً كثيرة علمها التاريخ أن من يذوق طعم الحرية لا يمكنه أن يعود أبداً إلى الوراء، فيرضى بتسلط طاغية أو بحكم عبيد. أن من يذوق ذلك الطعم الآسر للحرية سيفعل بالتأكيد كل ما بوسعه أن يساعده على التشبث بها حتى وإن كلفه ذلك حياته. هذا هو السر في استماتة دول الربيع العربي، بعد تجربة الحرية والمساواة أمام القانون، في الدفاع عن حقوقهم وصراعهم مع قوى الدولة العميقة التي تحاول بدورها وبكل قوتها أن تعود من جديد وأن تعيدهم إلى ظل الديكتاتور.
الأتراك أيضاً رغم خلفياتهم وتنوعاتهم يبدون مستميتين في الحفاظ على ديمقراطيتهم وبنائهم المؤسساتي، الذي كلفهم الكثير من الجد والأوقات العصيبة قبل أن يتحول إلى تجربة ينظر الملايين إليها بشغف. للحرية التركية طعم حقيقي ومختلف عن طعمها في بلاد الغرب، الذي يقدم مصلحته على كل قيمة وفكرة. تركيا رغم أنها دولة ضمن منظومة الدول التي لا تستطيع أن تنفرد بقرارها عما يسمى بالمجتمع الدولي إلا أنها من الناحية السياسية بناء تميز بمواقفه المبدئية في قضايا الحرية والديمقراطية، وهي مواقف لا يمكن تطويقها بسهولة أو ابتزازها على طريقة التلويح بجزرة اقتصادية هنا أو تجارية هناك. مواقف غالية الثمن وتكسب تركيا يوماً بعد يوم الكثير من الأعداء. كل ما فات يفسر أيضاً عداء تلك الأنظمة السوداء لتركيا. ذلك العداء الذي يختزل في عداء حزب العدالة، أو في شخص أردوغان الذي يتم تصويره وكأنه المسؤول الوحيد عـــن كل الاجتهادات والمواقف الإقليمية لتركيا. الحقيقة هي أن ذلك العداء في غالبه ليس عداء للحزب الحاكم ولا لشخص الرئيس التركي، بقدر ما هو عداء للتجــــربة التركية نفسها.
إن تصوير العدالة والتنمية مجرد خلية من خلايا الإخوان تفسير دعائي وتحريضي تنقصه الموضوعية، فأنا أرى أن موقف تركيا من الحالة المصرية على سبيل المثال، هو وقوف مع شرعية رئيس منتخب بغض النظر عن انتمائه، كما أنه وقوف مع مجموعة مورس عليها قدر كبير من الاضطهاد وأعمال التمييز والاقصاء، أكثر من كونه مجرد وقوف مع مجموعة متشاركة الأفكار. هنا لا أعتقد أن الموقف كان سيختلف كثيراً لو كانت الفئة المستهدفة هي الشيوعيين أو العلمانيين أو غيرهم.
الحرية هي القيمة التي لولاها لما نهضت البلاد ولما خلقت ثورة حقيقية حركت الطاقات الكامنة داخل الشعب، الذي تماهت قيادته معه فاشتركت معه في عملية البناء، ولم تكتف بإجباره من على البعد على العمل والعطاء. الحرية بالإضافة إلى تشجيع الإبداع والابتكار والتذكير بماض لا يمكن تناسيه ولا تجاهله، هو ما صنع تركيا الحالية، التي يصعب على الكثيرين فهمها، وهم يجدون أنها ليست إسلامية وليست علمانية على الطريقة العربية التي تنتج حرباً بين المتدينين وغيرهم تضيع الكثير من الوقت والجهد في مساجلات وعراك في غير معترك.
ولأن التحرر معدٍ فإن كل ما يخص تركيا لن يظل أبداً شأناً خاصاً، مثلها في ذلك مثل الثورة الفرنسية التي تآمرت عليها الملكيات حتى حاصرتها من الداخل والخارج، ومثلها أيضاً مثل التآمر على كل حركات التحرر إبان الاستعمار، حيث كانت كل ثورة ناجحة في أي قطر من الأقطار القريبة أو البعيدة خطراً يهدد المستعمرين في أنحاء الشرق والغرب.
بحسب النظرة التي تملكها ما سميتها بالأنظمة السوداء، التي تخلط بين أمن الحاكم وأمن بلاده القومي فإن كل نجاح تركي، بل كل نجاح لخيار شعبي، هو هزيمة ضمنية وتهديد جاد للأمن القومي يجب التصدي له بكل السبل، سواء كان محاولة للتدخل السياسي أو العسكري أو على الأقل التحريض والتحريش لخلق فتن داخلية بين مكونات الشعب الواحد. هذا هو التفسير الوحيد لذلك العداء غير المبرر وتلك الحساسية التي ينظر بها لأردوغان في أوساط بعض النخب الليبرالية العربية (لكن المنتمية لأنظمة القمع في الوقت ذاته) ولا أشك في أن تركيا كانت ستكون أقرب لتلك الأنظمة لو كانت دولة ضعيفة بلا انتخابات وبلا رأي مستقل في قضايا المنطقة.
هنالك خاطرة أخرى أحببت أن أقف عندها وهي المتعلقة بردود الأفعال الأوروبية على نتائج الانتخابات، حيث لم يستطع سياسيون بارزون يفترض فيهم الإيمان بقواعد اللعبة الديمقراطية إخفاء صدمتهم إثر إعلان النتائج التي بدت مفاجئة وغير متوقعة. التصريح الأكثر غضباً كان تصريح نائبة رئيس البرلمان الألماني كلاوديا روت التي اعتبرت فيه أن هذه النتيجة «يوم أسود في تاريخ تركيا» وأن أردوغان سيواصل سياسته الهادفة لما سمته «إملاء الشروط» على أوروبا. التصريحات الأوروبية المماثلة كثيرة وكلها لا ترغب في أن يكون حزب العدالة والتنمية بالتحديد على رأس السلطة في بلاده، وهي تأتي خاصة من جهة الألمان الذين يرون أن تركيا لا تفعل ما يكفي من أجل منع تدفق اللاجئين إلى العالم الأول (تركيا بدورها تتهم أوروبا بأنها لم تفعل ما يكفي لإنهاء معاناة اللاجئين بشكل جذري عن طريق التدخل الجاد لإنهاء أسباب خروجهم من ديارهم).
كما بالنسبة لدول الجوار فإن تركيا قمعية يحكمها ديكتاتور لا يتردد في قبول اشتراطات الغرب والشرق، أو منقلب لا يتورع عن قتل مواطنيه من أجل التمسك بالسلطة، تركيا هذه ستكون أقرب بالتأكيد لأوروبا، حيث أن الرئيس الذي يبحث عن شرعنة سلطته يتميز بكونه مستعداً لفعل كل شيء في سبيل تسويق نفسه عضواً في النادي الدولي، بخلاف ذلك الذي لا يرى في نفسه إلا ممثلاً لشعبه لا يجب أن يتصرف إلا بما تمليه عليه مصلحة بلاده وسيادتها.
بهذا يمكن فهم التناقض الأوروبي في مسألة الديمقراطية، فهم يقومون بالترويج لهذه القيمة أحياناً لمحاصرة أحد الأنظمة باتهامات تتعلق بالحريات وحقوق الإنسان، لكنهم في الوقت ذاته يعلمون أن الأنظمة المعبرة بشكل حقيقي عن تطلعات شعوبها ستكون في الغالب أنظمة مستقلة لا تدور في فلك المصلحة الغربية، بل ربما ترتد الديمقراطية، إن دعموها بشكل جاد، عليهم. هكذا تتشارك الأنظمة السوداء الإقليمية مع الأنظمة البيضاء الغربية ذات القلق من الحالة التركية.
الدروس التي يمكن تعلمها من الحالة التركية كثيرة منها أن علاج المشكلات الناتجة عن الديمقراطية، كالحكومات العاجزة أو الائتلافات ذات الأداء غير المرضي، ليس قلب الطاولة وتدمير كل شيء، بل التمسك مجدداً بالديمقراطية والرجوع المسؤول لرأي الجمهور الذي يملك وحده حق القرار الأخير. ومن هذه الدروس أيضاً أن المؤامرات موجودة دائماً ولا يمكن إنكارها، لكنها مؤامرات لا تنجح إلا في حالة الاستعداد لتقبلها، عبر مجتمعات متشرذمة ضعيفة أو متشاكسة، أما في حالة المجتمعات القوية والمتفقة باتجاهاتها المختلفة على المصلحة الوطنية، فإن كل مؤامرات العالم لن تجدي نفعاً.
تركيا انتصرت بالتأكيد في هذه الجولة، لكن أمامها تحديات جدية كثيرة من أجل استكمال بنائها عن طريق دستور أكثر حرية ونظام سياسي أكثر مرونة، وهو ما يتطلب قدراً من «التصالح السياسي» بين حزب الأغلبية وكل من حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطية الكردي، من أجل تجاوز نقاط الخلاف، وهو أمر لابد منه حتى تتفرغ البلاد لمواجهة التحديات الأمنية التي برزت مؤخراً من جهة التنظيمات المتطرفة والمشبوهة، التي تنشط حالياً في مناطق متفرقة بدعم ورعاية من أعداء تركيا في الداخل والخارج. كل هذا يجب أن يسير بتوازٍ مع سياسة اقتصادية متوازنة تعرف كيف تستفيد من الموارد ومن علاقاتها الخارجية بشكل براغماتي، لكن متصالح بأكبر قدر ممكن مع المواقف المبدئية التي على رأسها الموقف من الأزمة السورية.
التحديات كبيرة لكن كما قال الشاعر العربي: على قدر أهل العزم تأتي العزائم..!

٭ كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية