محاولات مسلحة في نينوى لطرد تنظيم «الدولة»… فهل ستوقف هجرة المسيحيين؟

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: تساءل جوليان بيكويت مراسل موقع «المونتير» لشؤون الكونغرس قائلا: «هل يمكن للكونغرس المساعدة على حماية مسيحيي الشرق الأوسط من الزوال»؟ وتساءل، في عنوان تقريره الذي نشره الموقع: «هل سيعمل الكونغرس على تعبيد الطريق أمام منطقة مسيحية آمنة في العراق؟».
وجاء في التقرير أن الناشطين المسيحيين يقومون بمقامرة غير معروفة النتائج في محاولة منهم لوقف الرحيل الدائم لمسيحيي الشرق بسبب محاولات «تنظيم الدولة ـ داعش» استهدافهم وملاحقتهم.
وهم يقومون بحملة لوبي تقنع الولايات المتحدة بأن ما يعانونه في العراق وسوريا ما هو إلا عملية «إبادة جماعية». ويحاولون الضغط باتجاه إقامة منطقة مسيحية آمنة في العراق. ونقل عن لؤي ميخائيل، مسؤول لجنة العلاقات الخارجية في المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، قوله: «شكلنا لجنة لوبي لجمع المال والاستعانة بدبلوماسي محترم من أجل إشراك دول في الموضوع».
وأضاف أن ما يقوم المجلس بعمله في الوقت الحالي هو الدفع في اتجاه صدور قرار حول الإبادة الجماعية إما من مجلس الشيوخ أو النواب الأمريكيين.
وحالة صدر القرار الأمريكي في هذا الإتجاه فسيكون باستطاعتهم التحدث للناس وإخبارهم بأن «المسيحيين وغيرهم من الأقليات يواجهون خطر الإبادة الجماعية».
وقد اعترف الكونغرس بهذا. وهو ما يعني أنها (الأقليات) تواجه جرائم ضد الإنسانية وقد حان الوقت لعمل شيء من أجلها».
ونقل التقرير عن جيف فورتينبري، النائب الجمهوري عن نبراسكا، قوله إن «الهدف هو رفع مستوى الوعي العالمي حول المشكلة، وفتح باب لمناقشة المشكلة وملامحها الإقتصادية والأمنية والسياسية». ومن الأفكار المطروحة محاور آمنة تضمن الأمن للأقليات الدينية في مناطق معينة». وحصل مشروع القرارالذي قدم قبل شهرين على 146 صوتا.

دعم في الكونغرس

ويحظى القرار بدعم رئيس مجلس النواب السابق جون بوهنر، النائب الجمهوري عن ولاية أوهايو، بينما يقوم النائب الجمهوري عن كاليفورنيا، إد رويس، وعضو لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس بمراجعة مشروع القرار.
ورغم أنه لا يقدم خطة واضحة لمساعدة المسيحيين وبقية الأقليات، إلا أنه يدعو الكونغرس والأمم المتحدة لوصف ما يتعرضون له من ذبح بـ»الإبادة». ويدعو «العالم للاتفاق على خطوات من أجل منع حدوث جرائم جديدة» وملاحقة الجناة الذين يرتكبون الجرائم، خاصة عمليات تهجير المسيحيين من سهول نينوى، الذي يعتبر معقل المسيحية التاريخي في العراق. وهذا يعني بالنسبة لميخائيل طرد «تنظيم الدولة» من 80% من مناطق سهل نينوى التي لا يزال يسيطر عليها.
ويطالب ميخائيل بتدريب المسيحيين والأكراد وتقديم السلاح لهم أو «تحرير سهل نينوى نيابة عنا». ويقول ميخائيل إنه بدون منطقة آمنة وبدون توفير حماية دولية لنينوى «فلن يبقى مسيحي واحد في العراق».

البابا يحذر

وتأتي جهود المسيحيين في الوقت الذي تتراجع أعداد المسيحيين في العراق من 1.5 مليون قبل الغزو الأنكلو- أمريكي للعراق عام 2003 إلى أقل من نصف المليون نسمة.
وكانت لجنة لحقوق الإنسان، التابعة للأمم المتحدة، قد توصلت في آذار/مارس هذا العام إلى أن جرائم «تنظيم الدولة» ضد المسيحيين وبقية الأقليات في العراق «قد تصل إلى حد الإبادة».
واستخدم البابا فرانسيس كلمة «الإبادة» أثناء رحلته في 10 تموز/يوليو إلى بوليفيا. وقال في كلمته: «نشعر اليوم بالرعب ونحن نرى إخواننا وأخواتنا في الشرق الأوسط وهم يعذبون ويقهرون ويقتلون بسبب كلمة السيد المسيح». وأضاف «في هذه الحرب العالمية الثالثة التي نعيشها هناك عنصر إبادة ويجب أن يتوقف».
ويشير التقرير إلى أن الحملة من أجل حماية المسيحيين وإقامة مناطق آمنة لهم تدعمه منظمات مثل «ديماند فور أكشن» (الدعوة للتحرك) و»إن ديفنس أوف كريستيان» (الدفاع عن المسيحيين) واللتان تعملان مع تحالف من الكنائس المسيحية في الشرق الأوسط.
ويقول التقرير إن الدعوة لإقامة مناطق آمنة للمسيحيين في نينوى، التي يعيش فيها تاريخيا الآشوريون، تعود إلى خمسة أعوام ولكنها بدأت تلقى دعما قويا في الوقت الذي بدأت كنائس مسيحية مختلفة بالعمل معا لمواجهة تهديد «تنظيم الدولة».
وعبرت كريستينا أولني، من منظمة الدفاع عن المسيحيين، من ظهور وسائل تستطيع من خلالها هذه المجتمعات الدينية الحصول على دعم دولي وفي العراق مثلا.
وأضافت أن مؤسستها تعمل على الاتصال مع مؤسسات في المنطقة وخاصة في العراق والإتفاق على خطة.
وفي مؤتمرها الأول استطاعت المنظمة جمع كل قادة الكنائس الدينية في العراق، إما شخصيا أو بالإنابة. وهي أول مرة يجتمع فيها البطاركة والأساقفة في مجمع واحد منذ القرن الـ15 الميلادي.

اعتراض

وكان النائب الآشوري في البرلمان العراقي، يونادام كنا، قد شجب الدعوات المطالبة بمنطقة مسيحية آمنة. وقال إن من يتقدمون بهذه المطالب هم أشخاص من خارج العراق «ونحن الذين نبذل جهدا كبيرا في داخل البرلمان من يؤمن بالمباديء التي نص عليها الدستور، ونؤكد على أهمية العيش كجزء من وطن واحدة يعيش فيه كل العراقيين بمختلف أجناسهم». واعتبر الدعوات لإنشاء منطقة مستقلة «عنصرية» في طابعها ولا تعمل إلا على عزل المسيحيين عن البقية، بينما حذر محافظ كركوك، نجم الدين كريم من تحول المنطقة إلى «هدف كبير» ضد المسيحيين.
وقال إنهم يغادرون المنطقة وإن هناك مشكلة تواجه إنشاء منطقة آمنة لكون المناطق التي يعيشون فيها مختلطة.
ويعلق ميخائيل على تصريحات كنا بأنها لا تشجع ولكنها تشير لضرورة الحماية الدولية. وعنى ميخائيل بالمنطقة الخاصة تلك التي يحصل فيها المسيحيون على برلمانهم وحصة من الميزانية العراقية وشرطة مسيحية توفر الحماية للمنطقة ولكنها لا تعني انفصالا عن العراق «فنحن لا نسعى للإستقلال».
وترى آنا إيشو، النائبة الديمقراطية عن كاليفورنيا والداعمة لمشروع القرار، أن مشكلة المنطقة الآمنة متنازع عليها ويريد أكراد العراق ضمها لكردستان أو منطقة الحكم الذاتي التي يديرونها.
ولهذا ترى أن «العملية معقدة». وتقول إيشو، وهي من أصل آشوري: «هذه ليست أرضنا ويجب أن نتعامل مع الحكومة السيادية مهما كان حالها، والأمر مثل من يأتي إلى بلدنا ويقول أخلق الولاية رقم 51».
وتشير تصريحات إيشو إلى تردد الحكومة الأمريكية في التدخل في الموضوع. ورغم تمرير الكونغرس عددا من القرارات منذ عام 2008 دعت فيها وزارة الخارجية العمل على مساعدة الأقليات الدينية والعرقية في العراق، إلا أن تقرير مكتب المحاسبة الحكومي الصادر عام 2012 وجد أنه تم تجاهلها.

تشكيلات مسلحة

وهو ما دفع بعض المسيحيين في شمال العراق للوقوف والدفاع عن أنفسهم، كما تقول صحيفة «كريستيان ساينس مونتيور». ففي تقرير أعدته كريستين تشيك من بلدة باكوفا وصفت فيه مركز فصيل مسيحي مسلح يتحصن أفراده في بيت محاط بأكياس الرمل ومدفع رشاش من الخارج وفي الداخل صورة لمريم العذراء والسيد المسيح.
واسم هذا الفصيل هو «دويخ نوشا» وهو يقاتل في القرية التي تقع على الحدود مع المناطق التي يسيطر عليها «تنظيم الدولة». وتتحدث الصحافية هنا عن تقدم «تنظيم الدولة» السريع في منطقة نينوى العام الماضي وسيطرته على مناطق منها، وهو ما أجبر الآلاف من المسيحيين على الفرار من مناطقهم، وقرر بعضهم القتال دفاعا عن أراضيهم.
وتنقل عن قائد الفصيل سمير نوا أورها، الذي عمل سابقا جنديا في القوات الخاصة في الجيش العراقي، قوله إن حمل السلاح «لم يكن قرارا صعبا وذلك للدفاع عن أهله وأراضيه».
ويقول: «قلبي هنا وهنا أريد القتال». وأضاف: «يقدم الناس من الخارج الحماية لنا ولا يمكننا الوقوف موقف المتفرج، وعلينا المشاركة معهم وتحمل المسؤولية».
ويعني بالناس هنا قوات البيشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان والتي تشارك في مواجهة «تنظيم الدولة» في شمال العراق. وهذا مع أن البيشمركة تراجعت من عدد من القرى المسيحية ورفضت تقديم الحماية لها من تقدم «تنظيم الدولة».
وتقول إن المسيحيين قرروا حمل السلاح لأنهم يريدون حماية أرضهم ولأن الكثيرين منهم لا يثقون بالأكراد.
ووصل المسلحون المسيحيون إلى قناعة بأنه لم يعد بإمكانهم الحصول على أمن أو أمان في بلادهم خاصة بعد هروب الألاف من أبناء المنطقة.
ويقول ماركوس، أحد مقاتلي «دويخ نوشا»: «لو حضرت بعد 15 عاما إلى هنا فلن تعثري على مسيحي واحد».
وتتساءل عن السبب الذي يدفع المقاتلين المسيحيين لحمل السلاح في وقت يهرب فيه أبناء جلدتهم، ويجيب ماركوس: «من أجل أحفادنا الذين سيسألونا يوما: لماذا هربتم؟ لماذا لم تقاتلوا؟ وسنقول لهم: لقد قاتلنا».
وتقول الصحافية إن الآشوريين المسيحيين نظموا أنفسهم من خلال أربعة فصائل مسلحة تعمل منها ثلاثة في شمال الموصل، ويعتبر «دويخ نوشا» أصغرها. ويقول أورها إن عدد مقاتلي وحدته هم 50 ويعملون على فترتين.
وتقوم كل وحدة بحراسة قرية باكوفا، التي تمت استعادتها من «تنظيم الدولة» العام الماضي. ويعمل المقاتلون إلى جانب المقاتلين الأكراد. ولاحظت الصحافية في قاعدتهم العسكرية الصغيرة رشاشا وذخيرة وصورا للسيد المسيح وبندقية أتوماتيكية.
ويقول المقاتلون، الذين يحملون الكلاشنيكوف، انهم اشتروها من مالهم الخاص. ومن المفترض حصول كل مقاتل على راتب شهري قدره 1500 دولار أمريكي من الحزب السياسي الذي أنشأ الوحدة العسكرية هذه، وهو «الحزب الآشوري الوطني». إلا أن ماركوس يقول إنه لم يتلق راتبه منذ أربعة أشهر. وهو يرتدي بنطالا عسكريا وقميصا أسود مكتوبا عليه «هنا لأقاتل».

قوات سهل نينوى

وهناك «قوات سهل نينوى»، التي تتخذ من قرية تل أسقف مقرها وشكلها حزبان سياسيان آشوريان. ولكنها قريبة من الحزب الحاكم في كردستان وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني.
ويقول قائد الوحدة، وهو صفا خمرو، إن عدد عناصرها 350 مقاتلا ممن تلقوا تدريبات على يد البيشمركة ويتعاونون بشكل وثيق مع القوات الكردية. وبعيدا عدة أميال عن هذين الفصيلين، هناك فصيل ثالث يتخذ من بلدة الشرفية مقرا له، واسمه «وحدات حماية سهل نينوى» ولديه 570 مقاتلا تلقوا تدريبات، حسب القيادي المحلي وهو فؤاد مسعود جورجيس، مع أن 20 مقاتلا يعملون في كل مرة.
ورفضت وحدات الحماية هذه أن تخضع لتأثير قوات البيشمركة. ولهذا لا يسمح الأكراد لعناصرها بالمشاركة في القتال. لكن الأكراد سمحوا لهم ببناء قاعدة لهم قريبا منهم، ويقول جورجيس إن العلاقة تحسنت مع البيشمركة في الآونة الأخيرة.
وتحاول وحدات حماية سهل نينوى الحصول على سلاح وتمويل من الحكومة في بغداد بناء على القانون المقترح لإنشاء قوات حرس وطني لمواجهة «تنظيم الدولة». وبدون هذه المساعدة فليس لدى الوحدات هذه ما تفعله، ولكن أفرادها سيقومون بحماية القرى المسيحية حالة انسحبت قوات البيشركمة منها.

لماذا يقاتلون

ويقول جورجيس: «سنظل هنا، وسيقوم المسيحيون بحماية المسيحيين لا العرب أو الأكراد، بل المسيحيون».
ولا تتلقى عناصر وحدات حماية سهل نينوى مرتبات. ويقول جون إيشو إن زوجته هاجرت إلى أستراليا لكنه اختار البقاء، مضيفا إن كل الناس يهربون لبلدان أخرى «ولهذا بقينا حتى نظهر لهم أنه كان يجب عليهم البقاء». ولكنهم لن يعودوا بدون حماية أو جهة يثقون بها. ويقول خمرو من قوات سهل نينوى ان عودة المهجرين لن تتم بدون طرد «تنظيم الدولة» وإعادة الخدمات وإعمار القرى المدمرة، مع أن الكثيرين من المهجرين لم يعودوا يشعرون بالأمان في العراق ابدا.

في سوريا

وفي سوريا أيضا نظم بعض المسيحيين أنفسهم في ميليشيات للدفاع عن مناطقهم ضد «تنظيم الدولة».
ويضم التحالف، الذي تدعمه الولايات المتحدة والذي تقول إنه يهدف للزحف نحو الرقة عاصمة ما يطلق عليها الخلافة الإسلامية، عددا من الميليشيات المسيحية.
وتطلق الولايات المتحدة على هذا التحالف اسم «القوى الديمقراطية السورية» مع أن صحيفة «نيويورك تايمز» قالت الأسبوع الماضي إنه تحالف موجود بالإسم فقط ولا قيادة له ولا مقر أو علم ومعظمه من الأكراد أو قوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني. وجرى الحديث عن ميليشيا للمسيحيين قالت بعض التقارير إنها تقاتل على أكثر من جبهة واسمها «سوتورو» وتعني باللغة السريانية «الحماية والدفاع» وهي قوات حماية للسريان والآشوريين السوريين.
وفي مقابلة موقع «المونيتور» مع أحد مسؤوليها، وهو أحيقار عيسى، قال إن الميليشيا جاءت بسبب عمليات التهجير التي يتعرض لها المسيحيون الذين نقص عددهم من 250 ألفا قبل الإنتفاضة السورية في عام 2011 إلى نحو ألف مسيحي. ويقول إن معظم الذين تركوا مناطقهم هاجروا بشكل نهائي خاصة إلى السويد والدول الإسكندنافية الأخرى.
واختارت أقلية من المسيحيين النزوح لمناطق أكثر أمانا داخل سوريا. وقال عيسى إن حمل المسيحيين السلاح بدأ تدريجيا في سوريا خاصة في منطقة الجزيرة.
ووجد المسيحيون أنفسهم مجبرون على حمل السلاح بشكل علني مع ظهور «تنظيم الدولة» وتوسعه في الرقة ودير الزور والحسكة والقامشلي.
وقرر الذين بقوا في مناطقهم قتال التنظيم هذا. واستطاع المقاتلون المسيحيون الحصول على السلاح بسهولة من المناطق التي غابت عنها الحكومة في دمشق ومن التهريب عبر الحدود مع العراق. وزاد عدد المقاتلين وأصبحوا بالمئات.
وزعم عيسى أن مقاتليه هم من منعوا التكفيريين من احتلال منطقة الخابور في محافظة الحسكة والسيطرة عليها بشكل كامل. وهي منطقة تمتد على مساحة 1200 كيلومتر مربع وفيها 30 قرية مسيحية من سريان وآشور.
ويقول أيضا ان قوات الحماية المسيحية هي من حررت الحسكة وأجبرت مقاتلي «تنظيم الدولة» على التراجع منها في حزيران/يونيو.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية