«مريمات» حسين المحروس

النساء لا يحتجن إلى أسمائهن، بهذه العبارة الإشكالية يفتتح حسين مرهون نصه «مريم – سيرة الخضاب والنسوة اللواتي ضاعت أسماؤهن»، كلهن يفقدن أسماءهن ما عدا المريمات، حتى عندما تموت امرأة في الحي وتُحمل في النعش يستعجل به عبر أقصر الطرق، وحين يستفسر عابر عن الميت يقال له (امرأة) وكفى.
وهذا القدر التهميشي هو من صميم كلاسيكيات الثقافة العربية، فالمرأة العربية من الوجهة الثقافية والاجتماعية لا تعني إلا الاستلحاق برجل، وليس لها وجود مستقل، فهي كائن بغيره لا بذاته، وهويتها لا تكتسبها إلا كونها زوجة أو بنتا أو أما لرجل.
الاسم مريم له من القداسة في المجتمعات الخليجية ما يبرره، بسبب الإرث النسطوري، إذ لا زالت طقوس «مائدة مريم» تقام إلى اليوم، إلى جانب إقامة مراسم ذكرى وفاتها يوم الخامس والعشرين من صفر، حيث يتم توزيع الخبز المحلّى والبقل، إلا أن حسين المحروس لم يجنح إلى فكرنة الاسم المنزرع بعمق في الوجدان الشعبي والمعاش اليومي، ربما لأنه أراد التوثيق والتسجيل، كما خطط لأن يكون كتابه مستودعاً للعادات والتقاليد والموروثات السلوكية واللغوية للقرى المندثرة أو تكاد، من خلال المدارات المريمية التي تحفّ بجدته (مريم)، حيث تختزن النساء مجمل المكوّن الثقافي المادي واللامادي، وهو الأمر الذي يفسر ما آل إليه الكتاب كقاموس اجتماعي لغوي.
وهكذا بدت الأماكن في بيت جدته القديم مسماة بأسماء النساء، أربع (بَرسْتجات) تحمل أسماء جدته، وأمه، وعمته الأرملة، وزوجة عمّه القلاف، لكل امرأة (بَرسْتج)، أي حجرة مصنوعة من سعف النخيل، كل جدار فيها يسمونه (رادّة)، وهي مصنوعة من سعف النخل المعقود بالحبال، ولكل عائلة (عريش) تتدلى منه (مِلاّلة) كالثريا وهي حافظة للطعام من القطط، وكل ما يدب على الأرض، وفي شمال البيت مغتسل فيه صنبور ماء واحد مكشوف على السماء، بدون كهرباء ولا خزائن للطعام، وهذا هو حال البيت القروي المتقشف، الذي يتوحد في لون سعف النخيل الجاف بجرائده المنخورة، البيت الذي يشبهه بصورة فوتوغرافية عتيقة، حيث تُضاء في الليل، قبل أذان المغرب (البرستجات) بأربع (فنرات) وتُطفأ تلك القناديل التي تعمل بالكيروسين بعد العشاء ليصبح البيت كهفاً من الظلام المحروس بالنخيل الباسقات.
داخل تلك (البرستجات) قليل من الحاجيات وكثير من الحياة، كل شيء حي في البيت يمكن أن يُسمع حتى الكائنات قصيرة الحياة، الحشرات والجمادات أيضاً، الديكة والدجاج في آخر رمق من نشاط اليوم، وفي الشتاء يمكن سماع صوت أمواج البحر القريب من البيت مع أصوات النوارس، وعندما تجتمع النساء في (البرستج) ويَعْتِمن يتسلل صوت حركة الماء في (القدو)، على إيقاع سرد (الخرّافات)، وحين تمر (الحجّامة) ببيت جدته، وهي امرأة من غجر فارس (الشرشن) مقنّعة بقناع أسود (بطّولة) عندها يزدهر لون البيت بما تحمله من بضائع تهم النساء في الخياطة والتزيين.
في بيت جدته القروي لا حاجة لصندوق مجوهرات فرأسمالها يتكون من خاتم العرس واثنين من «مضاعد» الذهب، عليهما نقش يسمى (شدّ الوردة) لا تنزعهما إلا مع هلال محرم الحرام، حيث تلفهما في قماش أسود حتى مطلع ربيع الأول، أما الخاتم الذي تسميه (مينة) فلم يفارق أصبع يدها، وكلما هزلت وتحركت (المينة) صارت تلف باطنها بخيط أخضر لتملأ المسافة، وهكذا كان المحروس يتأمل الحياة من خلال ما تؤديه نساء القرية، يسرد حكاية آمنة بنت حسن والدة جدته، وهي تقصد البستان القريب في الصباح حافية القدمين، تحمل على رأسها علبة من القصدير تسمى (بيب)، تحملها بموهبة واتزان وتمكّن باتجاه نبع الماء، الماء الذي له طعم ورائحة ولون.
تملأ (البيب) بالماء من عين الماء وهي تتمتم بالدعاء (سلام الله على صاحب الماء، سلام الله على قمر بني هاشم)، تغسل وجهها وتضع (البيب) على رأسها باتجاه المساجد لتملأ أحواضها الفخارية (جحال)، تمشي بالماء الذي يغمر سواد ملابسها وهي مغطاة، أو كما تقول أمه «غطّت جدتي آمنة بنت حسن وجهها حتى نسيناه»، وما أن تصل إلى البيت حتى ينقض الطفل عيسى بن مريم ليخرج رزقه من درب الماء: لوز، بِسر، كنار، وما خفي من كنوز الأرض المخبأة في صدرها، ولأنها تسير إلى الماء ببصيرتها لا ببصرها نعتتها مريم بنت يوسف (عموتي) بالمرأة البصيرة (الهدّية)، أي التي تهتدي بقلبها لا بعينها، وهذا حال المرأة التي تحمل الماء، حيث يقال (المرأة تمطّر)، فيما يوصف الرجل الذي يحمل الماء للبيت في (الكندري) بالـ (السقّاي).
البيت في الصباح الباكر يشتعل برائحة الخبز، حيث تجلس امرأة بجوار النخلة الوحيدة قبالة صفيحة دائرية الشكل من الحديد الصلب يسمونها (تاوة)، منصوبة على ثلاث أثافي من الحجر، إلى جانب قدر من العجين أعدته وقت السحر، وما يكفي من سعف النخيل اليابس (أطرافه) الواحد منها يقال لها (طرف)، تجلس بمشمرها حافية القدمين لتعد الخبز، الذي تطمئن إلى استوائه بمقتضى لونه البني المذهب ورائحته التي تعادل رائحة الحياة في الصباح، وقد يكون من حظ الطفل الصغير الذي يبكر بالصحو (حنّاوة) مصنوعة مما تبقى من العجين، وهذا هو الدور المنوط بالمرأة، فهي لا تعد الموائد وحسب، بل ترسم الخطوط العريضة لبهجة الحياة وروحانيتها، وتدبر كل طقوسها، فإذا ما أصيب أحد بشرٍ أو كاد صنعت النساء (العذزة) أو أعدت (النفعة) المكونة من البيض والسكر والدهن الخالدي لترشها على عتبة البيت الذي أصيب فيه الشخص دفعاً للضرر.
وكما تعطر النساء الأيام بالخبز وإعداد طعام الإفطار (الريوق) في الصباحات، يجملن الحياة بالخياطة، بتطريز مزهرية بخيوط (السيجة) على المساند والفرش بأدوات خياطة بسيطة مجلوبة من دكان (البزّار) لتوضع في قفة بسيطة، كما يهيئن غرفة العرس التي يسمونها (فرشة) بالمرايا والأقمشة الموشاة بخيوط الزري الذهبي (سناحات)، حيث يتم تثبيتها على الجدران مصحوبة بالصلوات على النبي محمد وآله، والدعوات للزوجين بالسعادة، فيما يُغطى سقف الغرفة بأقمشة حمراء (بنديرة) يثبت في وسطها طبق تتوسطه رمانة، في الوقت الذي تجول فيه مريم أم عيسى بمخضبتها وإبرة (النيشان) لضبط خط سير الحناء (الحنة) على يد العروس بمثلثات وخطوط متوازية ومتقاطعة، وتدمغ الصغيرات بوشم ضئيل (نونو).
بصبر وأناة وذاكرة استعادية رشيقة يرتد حسين المحروس إلى تلك الطقوس ليتأمل عرش السرير (الكِلّة) ويصغي إلى (الجلوات) التي تصاحب الزفاف (الدزة)، يستعيد سيرة النساء الهوامات (حوّام ) التواقات إلى الخروج من (العشيش) للاحتفال بالحياة، النساء المغمسة شفاههن في (الديرم) بطعمه الحار ورائحته الضعيفة ووحدة لونه البني المحمّر.
تلك هي بعض مشاهد الحكاية التي أراد أن يرويها مستعيداً قصة جده لأمه صانع السفن (القلاف) الذي دخل في صمت طويل على إيقاع كركرة ماء (النارجيلة) وسعلاته المختنقة، أو قصة الشيخ الذي كان يتوسد (الحصير) بجوار البيت إلى جانب دلة قهوته وتمراته إلى أن مات، وكأنه لا يرثي مكاناً أو زماناً وحسب، بل يلوّح تلويحة وداع لنظام ثقافي كامل بعاداته وتقاليدة وقيمه المادية واللامادية التي صنعتها المريمات.

كاتب سعودي

محمد العباس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية