هنا أفغانستان… الرقة سابقاً (3)

حجم الخط
0

في تلك الزيارة للرقة رتبت لي المصادفات أكثر من موعد مع من كنت أعتقد أنهم أصدقاء، إلا أن مرآتهم لم تعد تعكس صورتي، هذا متن النص، في الهامش عناوين فرعية قادتني إلى أكثر من حقيقة، بعضها يتعلق بكينونتنا الاجتماعية التي كانت قبل عام 2011، وبعضها الآخر يلامس بواقعية الحال التي وصل إليها الناس، حيث لم تعد لهم مشكلة مع الموت، مشكلتهم مع الزمن الذي يفصلهم عنه، وكأنهم يعيشون حياة مؤقتة، إذ أن كل شيء مؤجل إلى أجل غير مسمى، فما يحدث في الرقة ليس فقط إهانة لإنسانية الإنسان، بل هو صفعة لكل الشرائع والقوانين والمواثيق التي تواضع عليها الناس، والذي زرع الذئب في قلب القطيع يعرف هذا تماماً.
في طريقي إلى البيت مررت بالقرب من بناء تكوّم على بعضه، فتوقفت ملياً قبل أن تسعفني الذاكرة وأعرف أنه مبنى «الأمن العسكري» سابقاً، وهذا ما حدث لي أمام أكثر من مشهد في أحياء الرقة، فالدمار الذي تعرضت له بعض الأحياء، أعاد تشكيل المكان بصورة مغايرة لصورته في الذاكرة، أما الموت فإنه قد خرج من حيّز الاستثناء، واحتفظ لزياراته بصفة المباغتة، لدرجة أصبحت سيرته، هي السيرة الوحيدة الملازمة لأحاديث الناس في ما بينهم، تتضخم حين يغيب، فيصبح أسطورة، وحين يباغتهم بحضوره، يعود إلى حجمه الطبيعي! كان موسم الحصاد وما دار حوله من أحاديث ما زال مثار اهتمام الناس، إذ أن تنظيم «داعش» بعد أن ألزم المزارعين بدفع الزكاة، ترك للناس خيارين في بيع نتاجهم من القمح، إما أن يتم البيع للتنظيم نفسه، بسعر / 55/ ل.س للكيلوغرام الواحد، أو أنهم يبيعون لتجار الحبوب بالرقة، بالسعر نفسه، أو بسعر قريب منه، ولا يسمح لهم ببيع انتاجهم خارج الرقة، علماً بأن سعر الكيلوغرام الواحد خارج الرقة بـ/ 75 / ل. س، وهذا يعني أن تجار الحبوب بالرقة على علاقة وثيقة بالتنظيم، أمّا حصة التنظيم من الزكاة، فقد التزم بها الناس لأن التنظيم، حين بدأ موسم الحصاد اجتمع بكل أصحاب الحصادات، وطلب منهم أن يقدموا له بيانات بالكميات التي يحصدونها، ويقال إنه اجتمع بالحمالين أيضاً، وبكل الأحوال الخوف من البطش كان الدافع الرئيس وراء التزام الناس بدفع ما يترتب عليهم إلى ديوان الزكاة. والزكاة ليست مقتصرة على الإنتاج الزراعي، إنها مفروضة على كل إنتاج إذا استكمل النصاب. فقد وضع التنظيم يده على كل مقدرات البلاد والعباد، وكلما ضعف أحد مصادر تمويله يفتح مصدراً جديدا، معتمداً على الشريعة الإسلامية التي يمكن لفقهائه أن يفتحوا في جدارها ما يشاؤون من الأبواب والنوافذ، فأي عنصر منهم يبدأ راتبه بمبلغ /50/ ألف ليرة سورية، وتتدرج بالارتفاع حسب موقع الشخص، والمسؤوليات المناطة به، تضاف إليها سلة غذائية شهرية، واسطوانتا غاز، وما يستطيع الحصول عليه من الغنائم. وفي هذه الأخيرة مربط الفرس، كما يقولون، إذ أن الغنائم باب احتمال مفتوح، وهو من الأبواب الواقعية طالما الحرب قائمة، وما كانت «داعش» باقية وتتمدد لولا الغنائم، والرقة إحدى الغنائم، ولم يكتف التنظيم بأن تكون الرقة غنيمته ليستقر فيها، أو ليأخذ منها الجزية والزكاة، بل إنه في كل يوم يبتكر طريقة جديدة للحصول على ما يريد، ليس آخرها الاستيلاء على بيوت الناس، وجعلها مساكن للمهاجرين منهم.
التشكيل الإداري والأمني للتنظيم: لا أحد يعرف تماماً التقسيمات الإدارية التي يقوم عليها تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق «داعش»، إلا أن وجوده بالرقة جعل الناس ترى بعضاً من هذه التشكيلات الإدارية والأمنية، والتي هي:
الشرطة الإسلامية: ومهامه مرتبطة بعامة الناس.
الشرطة العسكرية: ومهامه مرتبطة بعناصر «داعش» أولاً.
المحكمة الشرعية: وهي بمثابة محكمة، للكتاب والسنة والمتوارث من الاجتهاد القول الفصل في حل القضايا التي تعرض عليها.
الحسبة: وهو بمثابة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ديوان الزكاة: وهو الجهاز أو الإدارة المسؤولة عن تحصيل الضرائب.
ديوان التعليم: وهو بمثابة وزارة التربية، وقد أغلقت مدارس الرقة ومعاهدها وجامعتها، وكليات جامعة الفرات بقرار منه، ريثما يقوم التنظيم بطبع مناهج جديدة.
ديوان المخابز: وهو الجهة الإدارية المسؤولة عن مراقبة المخابز، وتزويدها بحاجتها من الطحين، وقد تم رفع سعر الخبز عدة مرات، إلى أن وصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى /110/ ل.س.
ديوان الصحة: وهو الجهاز الإداري المسؤول عن المشفى الوطني الذي أعيد تأهيله، وعن مراقبة الأطباء في المحافظة، وهو المسؤول عن الاستيلاء على بيوت الأطباء الذين يغادرون المحافظة، وعلى عياداتهم أيضاً، وكل طبيب يتغيب أكثر من /15/ يوما يطلب منه التنظيم، إثبات حضور دائم، وإلا فإنهم يستولون على بيته وعيادته.
ديوان الزراعة: وهو الإدارة المسؤولة عن الشؤون الزراعية في المحافظة.
النقطة / 11/، وهي من أشهر المقرات الأمنية، ومقرها في الملعب البلدي، وهي بمثابة فرع مخابرات من الدرجة الأولى. الذاهب إليها مفقود، والعائد منها مولود.
تلك هي فروعهم الإدارية والأمنية المعروفة في محافظة الرقة، والرقة التي كان اسمها أقرب إلى الماء، لم تعد تهتم لفارق التوقيت بين المفهوم ومدلوله، ولا بين الاسم والمسمى، فكلاهما عليها، تلك هي حال المدن المثقلة بواقعيتها، تتخاطفها الأحلام .
في مدخل العمارة التقيت بجاري وصديقي م. س فتعانقنا طويلاً، وعاد برفقتي إلى البيت، جلسنا في تلك الغرفة التي كانت تلم شملنا في الشتاءات السابقة على عام 2011، شعرت وكأنه يريدني أن أسأله أي سؤال، ليرمي أوجاعه بين يدي، كان وهو يتحدث كمن يلملم بقايا وطن، كنت أراقب ارتجاف أصابعه وهو يتحدث، كانت كخيوط اللهب في مواقد الشتاء، تذهب بعيدا في سردها للذكريات، حاولت أن آخذ الحزن من وجهه فلم أستطع، كان قد تمكن منه، فغادرني بعد أن فضفض لي بكل ما يرغب بأن أعرفه منه وعنه، وتركني على هامش نص أحزانه أراجع ذاكرتي .. وقد استوقفني تحليله للأسباب التي جعلت تنظيم الدولة «داعش» يجبر الأكراد على مغادرة الرقة، حيث يرى أن تلك الخطوة اتخذت لمنح الأكراد في الشمال السوري ذريعة أخرى ليقوموا بما قاموا به من قتل وتهجيرممنهج في تل أبيض وريفها، وعموم الشمال السوري، على أيدي قوات «حزب الاتحاد الديمقراطي» وقوات «أسايش»، وهي قوة الشرطة التابعة «للإدارة الذاتية»، وقد حدث ذلك في منطقة سلوك والتركمان وكثير من القرى التي تقع بين الرقة وتل أبيض، وإن ذلك حدث بمعرفة قوات التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، من حيث أن «حزب الاتحاد الديمقراطي» وقوات «أسايش» هي حليف رسمي لقوات التحالف في مقاتلة «داعش».
في الصباح رأيت في وجوه الناس توجساً، فعرفت بتلك الحادثة التي وقعت بين أحد الأنصار من عناصر «داعش»، وأحد المهاجرين، حيث قام العنصر المهاجر وهو آذري، بالزواج من ابنة عم أحد الانصار وهو «رقاوي»، ويقال إنها قبل أن يتزوجها الآذري كانت متزوجة من «الرقاوي» وحين سمع بزواجها من الآذري، قام بإطلاق النار على الآذري، فقتله وأربعة آخرين في أحد المكاتب الأمنية التابعة لتنظيم الدولة «داعش». علماً بأن عدد الزيجات التي تمت بين عناصر «داعش» وخاصة المهاجرين منهم، لا تتجاوز /100/ حالة زواج، وأغلبها قائمة على طمع الأهل بالمغريات المادية التي يقدمها المهاجرون، وقد سمعت الكثير من الأحاديث حول تلك الزيجات، وعن المغريات التي لا يستطيع أبناء المنطقة تقديمها لزوجاتهم، والتي تفوق ما تواضع عليه الناس في محافظة الرقة، إلا أنني لم أستطع توثيق حالة بعينها.

شاعر سوري

إبراهيم الزيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية