تصريحات عمدة لندن بوريس جونسون

حجم الخط
2

زيارة عمدة لندن بوريس جونسون لإسرائيل أثارت ردود فعل غاضبة من الجانب الفلسطيني الذي ألغى الكثير من المقابلات المحددة سلفا مع جونسون و دان تصريحاته الاستفزازية. لا غرابة بأن يعتبر عمدة لندن إسرائيل الواحة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة و أن ينتقد القلة من الذين يطالبون بمقاطعة السلع التجارية و الأكاديميين الإسرائيليين. لطالما ذكرنا على صفحات هذه الصحيفة الغراء أن إسرائيل تعتبر في نظر المجتمعات الغربية جزيرة للديمقراطية و الاستقرار و الحريات وسط محيط هائج من الاضطهاد و الاستبداد يحاصرها و يهدد باغراقها في دوامة العنف، و لطالما استحضرت معاناة اليهود خلال الهولوكوست و قورنت بأي محاولة عربية أو غربية جادة لمحاصرة إسرائيل دبلوماسيا بهدف ثنيها عن ممارساتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني.
المشكلة هي أن الإخفاق في ايصال الحقائق إلى الغرب ليست له صلة بذكاء إسرائيل و تفوقها العلمي و التكنولوجي و الاستخباراتي بقدر ما هو اخفاق و عجز عربي فلسطيني عن طرح الرؤية الفلسطينية للصراع العربي الإسرائيلي من وجهة النظر العربية و الفلسطينية بشكل يتقبلها المواطن الغربي و قبل هذا و ذاك صانع القرار الغربي. فقط خلال هذا الأسبوع نشرت صحيفة «لوس أنجيلس تايمز» مقالا لكاتب يهودي و يدعى دانيال بولسار اعتبر فيه أن أغلبية الفلسطينيين تعتبر عمليات الطعن و صدم السيارات التي تستهدف بنظره أبرياء مدنيين يهودا و إسرائيليين و ما هي إلا امتدادا لعمليات انتحارية و اطلاق صواريخ استهدفت إسرائيليين خلال العقد و نصف الماضيين، مبررة أخلاقيا و شرعية و تستحق الدعم و هذا يقف في حد ذاته عقبة في وجه حل سلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. طبعا ما يجري تداوله هو أن عمليات الطعن تستلهم و تتغذى من البيئة الفكرية و الثقافية و الاجتماعية للشعب الفلسطيني، الحاضنة للتحشيد و خطابات الكراهية ضد اليهود ليس لشيء الا لأنهم يهود و لا يحق لهم العيش في فلسطين التي تواجدوا فيها و في القدس بالتحديد من آلاف السنين و ربما قبل التواجد العربي الإسلامي هناك. و لم أر لحد اللحظة ردا من مسؤول عربي أو فلسطيني يدحض هذه الاتهامات الملفقة و يطرح الواقع الحقيقي لما يجري حاليا على أرض فلسطين من وجهة النظر الفلسطينية. باختصار غياب التمثيل الفلسطيني و الحوار مع وسائل الاعلام الغربية أتاح للجانب الإسرائيلي طرح رؤية خاطئة عن الصراع و تصوير الفلسطينيين كارهابيين يهدفون القضاء على دولة إسرائيل و جزءا من حركة اسلامية عالمية تهدف بشكل عام للقضاء على الكفار يهودا و نصارى، جزء من ما يسمى الدولة الاسلامية و القاعدة التي يدعي الغرب بمحاربتها و اجتثاث جذورها، و التي تهدف اقامة خلافة اسلامية على أنقاض دولة اليهود.
طبعا من يتابع هذه المقالات و تصريح عمدة لندن التي أعلن علانية أنها تعبر عن الموقف الرسمي و العلني لحكومة المحافظين البريطانية، يلاحظ أنها لم تتطرق بتاتا لكلمة احتلال، الاحتلال الذي يعد السبب الجذري لصراع الشرق الأوسط.
المواطن الغربي مثقل بأعباء الحياة اليومية و الأسرية و هموم العمل و لا يسمع باجتماعات أبو مازن بمجلس حقوق الانسان و لا بالصليب الأحمر الدولي و لا يقرأ خطاباته في الأمم المتحدة و لا يعرف لا مجلس حقوق الانسان و لا منظمة الصحة الدولية و لا عن الطلبات الفلسطينية بالانضمام لمحكمة الجنايات الدولية و المنظمات الدولية و لا يسمع و يعرف لا المفوضية الأوروبية للعلاقات الخارجية و لا بالأمير زيد بن رعد المفوض الأممي لحقوق الانسان، فهو مثقل بهموم أخرى، تماما كالمواطن العربي الذي أثقلته هموم البطالة و العلاج و الأسرة و العمل و الحياة المعيشية اليومية في ظلال حروب دينية عرقية طائفية، أعطت لإسرائيل كل ما تبتغيه من المبررات لاستكمال مشاريعها التوسعية الاستيطانية الاستعمارية و توسيع أعمالها العدوانية من اعدامات ميدانية و هدم منازل و اعتقال و حصار و تشييد الجدران و الخناق على الحريات المدنية و الاقتصادية و الاجتماعية و الدينية لأبناء الشعب الفلسطيني و احراق عائلات بأكملها أحياء و اعتقال أطفال و معاملتهم بسادية و انتهاج سياسات التمييز العنصري و انتهاك كل القانون الدولي و القانون الدولي الانساني و حقوق الانسان في القدس و المناطق الفلسطينية المحتلة.
أيضا عندما يذكر مقاطعة إسرائيل لارتكابها جرائم ضد الانسانية، ما هو الجواب لأصدقاء إسرائيل الكثر ممن يستحضرون ما يجري من جرائم ضد الانسانية في سوريا و ليبيا و العراق و مصر و اليمن و ما يجري من اضطهاد للأقليات العرقية و الدينية في دول عديدة كبورما و التيبت و الصين و روسيا و حتى عن الملايين الذين ذهبوا ضحايا لسياسات أمريكا و بريطانيا في العراق و أفغانستان و دول أخرى، فلماذا إسرائيل و اليهود فقط.
فلسطين في الوضع الراهن لا تختلف عن أحياء وارسو التي حاصرها النازيون و مقاومة الفلسطينيين لا تختلف عن ما تسمى المقاومة اليهودية للقضاء على النازية، فحق المقاومة حق أقرته و أيدته الشرائع السماوية و الأرضية و المواثيق و القوانين الدولية. هذا الكلام يجب ايصاله للمواطن الغربي الذي يمكن أن يحدث تغيير و لو بسيط في السياسة الغربية (إسرائيل تربطها اتفاقيات بالمليارات مع الاتحاد الأوروبي و أغلب المحلات الكبرى يملكها تجار و رجال أعمال كبار يهود موالون لإسرائيل. قد يدعي هؤلاء محاباة العرب و لكن حقيقتهم وواقعهم مخالف). الحديث عن جرائم إسرائيل في الصحف العربية لا يؤخر و لا يقدم فالعربي يكفيه الذي فيه.

د. منجد فريد القطب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية