أعلن الأمريكييون مرارا أنهم يعتبرون القوات الكردية هي المؤهلة أكثر من غيرها كحليف بري يقاتل «تنظيم الدولة»، إن كانت وحدات حماية الشعب في سوريا، أو البيشــــمركة في العراق، وبالتعاون مع هاتين القوتين بدأت الولايات المتحدة حملة مكثفة لاضعاف خطوط الإمداد وقطع أواصر عاصمتي الدولة الإسلامية الموصل والرقة، وذلك باستهداف سلسلة مدن تقع على هذا الخط الاستراتيجي، وهي سنجار غرب الموصل، والهول على الحدود السورية العراقية، والشدادي على الطرف المقابل داخل الأراضي السورية، وهي معقل لعشائر عربية مؤيدة لتنظيم الدولة.
استعادة سنجار لا تشكل مفاجأة بالنسبة لطبيعة النزاع الأهلي المستند لديموغرافيا الطوائف في العراق وسوريا، حيث تتوزع خريطــة السيطرة والقوة، لكل قوة مسلحة تبعا للمكون السكاني، وبما أنها مركز للاكراد الإيزيديين فإنها انضمت للمدن الكردية الواقعة تحت سيطرة الأكراد، وسنجار تبدو وكأنها آخر امتدادات الجيب الكردي المتدلي في صحراء الجزيرة العربية جنوبا، حيث منطقة البعاج، العشائرية الصحراوية، التي ظلت معقلا أساسيا لـ«تنظيم الدولة» طوال سنوات، بدءا من احتلال العراق عام 2003.
وكذلك تحاذي سنجار شرقا مدينة خرج التي يسكنها التركمان السنة المتعصبون شرقا في تلعفر، والذين عرفوا باشتباكهم المتواصل مع التركمان الشيعة في تلعفر منذ بدء الاحتلال أيضا، وتلعفر ينتمي لها ثلاثة من كبار قيادات «تنظيم الدولة» ومساعدي البغدادي، وسيكون من الصعب على القوات الكردية مواصـــــلة التقــدم في مناطق تركمانية وقرى عربية عشائرية غائرة في صحراء الجزيرة.
هذه الجبهة الشمالية، تضاف إلى ثلاث جبهات رئيسية تهاجم فيهما الولايات المتحدة «تنظيم الدولة» لكن مع حلفاء آخرين، هما محور الرمادي الذي توجد فيه قوات من الجيش العراقي وبعض قطعات الميليشيات الشيعية ومجموعات قليلة من الصحوات السنية، ومحور بيجي الحويجة، وهو الذي تتولاه بشكل شبه كامل ميليشيات الحشد الشيعي، وقد حققت تقدما سابقا في هذا المحور، من استعادة تكريت ثم بيجي، والآن تنحصر المعارك شمال بيجي عند سلسلة جبال استراتيجية تطل على الطريق المؤدي للشرقاط، وأيضا للحويجة، وهي معقل مهم لـ»تنظيم الدولة» لما لها من ثقل عشائري سني مؤيد له، وهي ملاصقة لكردستان العراق وعلى اشتباك دائم مع القوات الكردية.
المحور الاساسي الثالث في سوريا، وهو محور المنطقة الآمنة التركية في ريف حلب الشمالي، وتقاتل فيه فصائل سنية صغيرة موالية للانظمة وتركيا والولايات المتحدة، ولم تحقق أي تقدم يذكر في الاشهر الفائتة، نظرا لمحدودية قدراتها العسكرية وتراجع الدعم الشعبي.
وبناء على مدى التقدم في هذه الجبهات الاربع، ستتحدد قدرة التنظيم الجهادي على الصمود، ولا يستبعد أن تحدث تراجعات في بعض المناطق، خاصة القريبة من محيط سكاني لا يغلب عليه العرب السنة، على أن يبقى عمق جزيرة الفرات الصحراوي بقراه في ريف الرقة ودير الزور وامتداده نحو الشدادي، ثم البعاج الاكثر تحصينا، ومدن الموصل والرقة والفلوجة الاكثر مطاولة.
وأمام تصاعد هذه الحملة المكثفة الامريكية الروسية الحكومية العراقية والسورية والكردية، فقد يضطر التنظيم بالنهاية للانكفاء مؤقتا نحو معاقل نائية، سبق أن لجأ لها في انكفائه الاول بالعراق، الذي تواصل لثلاثــــــة اعوام تقريبا من 2008، لكن اللافت أنه عاد أقوى من مرحلة انكفائه.. ويقول مؤيدون للتنظيم إن دعوة قياداتهم الدائمة لإضعاف القبضة الامنية على انصارهم في السعودية راجعة لكونهم يرون أن حدودها الشمالية الملاصقة للعراق وسوريا قد تشكل مددا بشريا ولوجستيا لهم يخفف عنهم الضغط .
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام