واشنطن ـ «القدس العربي»: طلب رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي من الرئيس الأمريكي باراك أوباما 50 مليار دولار من المساعدات العسكرية أثناء جلستهما في البيت الأبيض قبل أيام، ولوضع هذا المبلغ المذهل في المنظور الصحيح، هذا يمثل ما يقارب نصف جميع المساعدات الأمريكية الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل خلال الـ 60 سنة الماضية، وزيادة أكثر من الثلثين على الرقم القياسي الذي منحته إدارة الرئيس السابق جورج بوش لإسرائيل من الأسلحة من عام 2009 إلى عام 2018.
هذا يعني ان المواطن الأمريكي العادي، دافع الضرائب، سيقدم لكل رجل أو امرأة أو طفل في إسرائيل ما قيمته 600 دولار من الأسلحة من عام 2019 إلى عام 2028 وستشمل الإعانات المالية السنوية أكثر من 1.3 مليار دولار لصناعة الأسلحة الإسرائيلية بموجب اعفاء دولة الاحتلال في القانون الأمريكي الذي يسمح لإسرائيل بانفاق ما يصل إلى ربع اعتمادات المساعدات العسكرية على الشركات المحلية الخاصة.
الولايات المتحدة تقوم حاليا بتغطية 20 في المئة من الميزانية العسكرية الإسرائيلية من خلال المخصصات السنوية التي تصل إلى 3.1 مليار من الأسلحة ولكن طلب نتنياهو سيجعل الولايات المتحدة مسؤولة عن تمويل ثلث الميزانية العسكرية الحالية برمتها والتي تصل إلى 15 مليار دولار.
وللمفارقة، قام نتنياهو بكل ما وسعه لوضع المسمار الأخير في نعش هدف سياسة الولايات المتحدة بالتوصل إلى حل سياسي يقوم على قرار حل الدولتين، إذ اصطاد طريقه لفوز انتخابي من خلال شجب المشاركة الديمقراطية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل وعزز الاستيطان غير الشرعي في الأراضي الفلسطينية في الضغفة الغربية والقدس المحتلة وأعلن انه لن يسمح بتأسيس دولة فلسطينية خارجة عن مراقبته وأكد ان إسرائيل ستحتفظ بالسيطرة على جميع الأراضي الفلسطينية في المستقبل المنظور، ولكي لا ننسى، تآمر نتنياهو مع رئيس مجلس النواب السابق جون بوينر للتحايل على البيت الأبيض عبر دعوته للكونغرس لإلقاء خطاب لغرض صريح يهدف إلى تقويض الانجاز الكبير للسياسة الخارجية لإدارة أوباما وهو الاتفاق النووي الإيراني.
ما هي الكلمة الوحيدة التي تلخص المطالب الإسرائيلية المسرفة في ضوء عرقلة نتنياهو لسياسة الولايات المتحدة وإهانة أوباما؟ يجيب على ذلك المحلل الأمريكي جوش روبنر بالقول انها «الوقاحة» بكل ما تحمله من معنى.
يضيف روبنر المدير السياسي للحملة الأمريكية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ومؤلف كتاب سيصدر قريبا تحت عنوان مبدئي هو «إسرائيل: ديمقراطية أو فصل عنصري» ان الجانب الأكثر إثارة للحنق من طلب نتنياهو هو انه سيورط الولايات المتحدة أكثر بعمق بالتواطؤ مع القمع الإسرائيلي للفلسطينيين، فإسرائيل لم تعد تتجاوب قطعيا مع المقترحات الملحة بضرورة الالتزام باقامة دولة فلسطينية، والشعب الفلسطيني ما يزال تحت الاحتلال العسكري إلى أجل غير مسمى، وسياسة الفصل العنصري الوحشية لا يمكن انكارها.
وهكذا فان القيام بتعهد أمريكي لإسرائيل بتقديم 50 مليار دولار من الأسلحة الإضافية على مدى العقد المقبل سيعني ان الولايات المتحدة تقوم باخماد الحريق بصب البنزين، وهي بذلك لا يمكن ان تواصل الإدعاء بانها ملتزمة بتعزيز السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين وإقامة دولة فلسطينية عبر دعم إسرائيل بأسنان إضافية «أسلحة» لسحق الفلسطينيين.
الكونغرس بدوره واصل رؤية قصيرة النظر تميل بيأس إلى جانب واحد حول الموجة الأخيرة من الصدام بين إسرائيل والفلسطيينين، إذ وافق مجلس النواب، يوم الاثنين الماضي، بأغلبية 293 صوتا على إلقاء اللوم على الفلسطينيين وتوجيه تهمة التحريض ضدهم كعامل حاسم في إندلاع أعمال العنف بينما تم إعفاء إسرائيل من التحريض الجسدي واللفظي، هذا القرار الاختزالي خلط بين الأسباب والأعراض وتجاهل العنف الهيكلي لسياسات إسرائيل ضد الفلسطينيين، كما وقع أكثر من 367 من المشرعيين رسالة إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس تتهمه مباشرة باشعال الوضع الحالي من خلال «الخطاب البغيض والقاتل» وقدم السناتور ريشارد بلومنتال مشروع قانون الثلاثاء الماضي، ينتقد على نحو مماثل عباس على خطواته المسؤولة عن تدهور العلاقات الإسرائيلية ـ الفلسطينية.
لا يمكن الحفاظ على الوضع الراهن لفترة طويلة كما يقول عدد نادر من المحللين الأمريكيين فهيمنة إسرائيل على فلسطين التاريخية ستؤدي إلى حالة دموية من التفكك، أما أوباما الذي تعهد بعد نجاح نتنياهو بالانتخابات بإعادة تقييم العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية فهو يسير باتجاه تحقيق مطلب إسرائيل بزيادة المساعدات إلى 50 مليار دولار، وعلى الأغلب فهو لن يستجيب للدعوة العادلة بوضع حد للتواطؤ الأمريكي في القمع الإسرائيلي للفلسطينيين.
وبمناسبة الأفكار السخيفة والمطالب الوقحة التي عرضها نتنياهو على أوباما طالب عدد من المحللين الأمريكيين من بينهم سام بحور وجيفري لويس ونوميكا زيون الرئيس الأمريكي بالاعتراف فورا بالدولة الفلسطينية امتدادا للعملية التي قام بها الرئيس السابق جورج بوش وقالوا ان المطلوب هو فعل واحد على وجه السرعة يجب ان يقدم للرئيس الأمريكي المقبل يتمثل في وضع إسرائيل وفلسطين على قدم المساواة من حيث الاعتراف الرسمي.
وقارن المحللون تصريحات نتنياهو الخادعة أثناء اجتماعه الأخير مع أوباما بالتسمك بحل الدولتين رغم تعهده قبل 8 أشهر فقط بعدم السماح بظهور دولة فلسطينية كانها فصل من رواية 1984 لجورج رويل، وقالوا ان الحاجة الملحة لإتخاذ مثل هذه الخطوة السياسية المهمة قد ظهرت من قبل المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون قبل أيام حينما كتب في «فوروارد» مقالا جاء فيه ان الرئيس الأمريكي ترومان انتظر فقط 11 دقيقة للإعتراف بإسرائيل في عام 1948. ومنذ ذلك الوقت نظر الشعب الأمريكي لها على انها أكثر من بلد بل حلم، وبالمثل فان الشعب الفلسطيني ما زال ينتظر منذ 48 سنة من الولايات المتحدة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وكذا فان الحلم بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيلي تحول إلى كابوس مع نتائج مميتة.
طلب فلسطين بالحصول على العضوية الدائمة في الأمم المتحدة لا يزال ينتظر تصويت مجلس الأمن حيث تقف الولايات المتحدة مع عدد قليل من الدول بتهديدات استخدام حق النقض مما يعني وصول الشعب الفلسطيني إلى مرحلة اليأس نظرا لان القوة العظمى تثرثر كثيرا لسنوات طويلة للتوصل إلى حل للصراع على أساس الدولتين ولكنها ترفض الاعتراف بفلسطين، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بعمل سياسي لا معنى له في هذه المرحلة المتأخرة من عهد إدارة أوباما والصراع ناهيك انه سيتم وضع القرار المتوقع للأمم المتحدة ضد المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية على رف الملفات مع العشرات من القرارات المماثلة.
هذه الدعوة النادرة في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية تطالب باستراتيجية جديدة من الولايات المتحدة تعوض عن الاخفاقات الدبلوماسية الماضية، فخطوة الاعتراف بدولة فلسطين كما أكد هؤلاء هي الحلقة المفقودة للحصول على مفاوضات تسير في المسار الصحيح واعطاء الشعب الفلسطيني أملا في المستقبل ناهيك عن انقاذ حل الدولتين من الانهيار التام وهي أيضا ستكون أول خطوة ملموسة لفتح الطريق أمام دينامية جديدة بلا نهاية مجهولة للعبة مما يتيح لأصحاب المصلحة بالتركيز على بناء الدولة بدلا من اللغو الايديولوجي.
وإذا عدنا قليلا لاجتماع أوباما ونتنياهو فاننا نجد بوضوح محاولة من الرجلين للظهور وكأنهما بالفعل «يطيقان» بعضهما البعض حيث جاء اللقاء بعد أكثر من عام من التوترات المستمرة، تحدث أوباما ونتنياهو بابتسامات عريضة وتصافحا أكثر من مرة وشكرا بعضهما البعض كانهما في حفل مديح، وبرزت اللهجة التصالحية بتناقض صارخ مع الحقد السابق، وفي نهاية المطاف، تم القاء اللوم على «العنف الفلسطيني» وحصل نتنياهو على معظم مطالبه مقابل عدم المساس بالإنجاز التاريخي لأوباما في عقد الاتفاق النووي مع إيران، وشاهد العالم احتفالا سياسيا دنيئا آخر في واشنطن بلا حرج.
رائد صالحة