القاهرة ـ «القدس العربي»: على مدى يومي 9 و10تشرين الثاني/نوفمبر، شهد مقر الجامعة العربية في القاهرة نقاشا حول حقوق الإنسان في السودان، حيث قدم السودان تقريره ضمن الدورة الثامنة وذلك إعمالا للمادة 48 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان ونوقش التقرير من قبل لجنة الميثاق بعد الاستماع لمنظمات المجتمع المدني السودانية.
وقدم وفد السودان برئاسة أحمد عباس الرزم، تقريرا تضمن شرحا للإطار السياسي والدستوري وجهود الدولة في تعزيز وحماية حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال إبراز النصوص القانونية والجوانب النظرية.
لكن نائب رئيس لجنة حقوق الإنسان العربية ومقرر تقرير جمهورية السودان، أبدى العديد من الملاحظات الشكلية على التقرير من بينها أنه احتوى على عبارات عامة في كثير من حالاته، بحيث لم تتمكن اللجنة من قراءة المؤشرات الأساسية لحقوق الإنسان المنصوص عليها في ميثاق الجامعة مثل عدد الشكاوى وتفصيلاتها وكيفية الفصل فيها.
وتساءلت لجنة حقوق الإنسان العربية عن ضوابط فرض حالة الطوارئ في السودان والإجراءات التي تضمن عدم المساس بالحقوق الأساسية، وكذلك مسألة توفير الإعانة العدلية «محامي» لمن لا يستطيعون تمويل هذه العملية وأكدت اللجنة وجود غموض في هذه الجزئية.
وقال النائب، مجيد زعلاني إن اللجنة لم تفهم ـ من خلال التقرير ـ مدى استقلالية محاكم مكافحة الإرهاب وكذلك الحبس الاحتياطي والتعويضات فيما يخص التعسف، مشيرا إلى ان الميثاق رتب منح تعوضات لضحايا الحبس غير القانوني لكن تقرير السودان لم يوضح هذه المسائل بشكل جيد. وقدم أعضاء لجنة حقوق الإنسان العربية العديد من التساؤلات المتعلقة بالجوانب النظرية «القوانين وبعض الحالات مثل أحداث ايلول/سبتمبر وحظر سفر الأشخاص وتمت الإجابة من أعضاء الوفد السوداني.
واستمعت اللجنة لممثلين لمنظمات المجتمع المدني في جلسة خاصة أوضحوا فيها العديد من الأشياء التي أغفلها التقرير الحكومي، وتناولت الجلسة إنتهاكات واضحة وملموسة لحقوق الإنسان في السودان منها إنتهاك الحريات الدينية والشخصية وحرية الصحافة والتعبير والفساد المالي والإداري والتضييق على المنظمات الطوعية والجمعيات الثقافية.
وأجمع كل المتحدثين على وجود دستور مثالي هو دستور عام 2005 لكنه مقيد بعبارة «وفقا للقانون»غير أن المستشار ياسر أحمد الحسن عضو الوفد السوداني قال إن هذه الوضعية موجودة في دول كثيرة ويحتاج الأمر فيها لتوعية قانونية تعيد للناس حقوقهم، ضاربا المثل ببعض المحاكمات التي ألغت فيها المحكمة الدستورية أحكاما صدرت من محاكم دنيا.
وأوضح أن الجدل كله يدور حول المادة (50) التي تتيح للأجهزة الأمنية القيام بإجراءات يراها البعض خارج نطاق سلطة هذه الإجهزة. وأضاف أن هنالك ممارسات فردية تخالف القانون، لكن الحكومة لا تمارس إنتهاكا ممنهجا، وأشار لضرورة توعية منفذي القوانين، سواء من أفراد الشرطة أو النيابات أو حتى المحامين، حتى تكتمل الدائرة.
وأعلن نائب رئيس لجنة حقوق الإنسان العربية ومقرر تقرير جمهورية السودان الإجراءات اللاحقة لمناقشة تقرير السودان والمتمثلة في دراسة مخرجات هذا النقاش، ووضع تساؤلات وملاحظات في فترة لا تتعدى 15يوما وإعادتها للسودان ليرد عليها خلال شهر، ومن ثم تجتمع اللجنة لتعيد قراءة الواقع وفقا للمعطيات الجديدة، ثم يصدر تقرير به ملاحظات ويقدم لمجلس الجامعة الذي يصدر توصياته الأخيرة، والتي تنشر على نطاق واسع ويكلف السودان بنشرها.
وأصدرت مجموعة من منظمات المجتمع المدني المُشاركة في التقارير الموازية لتقرير حكومة جمهورية السودان، بيانا أوضحت فيه موقفها من تقرير حكومة السودان مفندة كل ما جاء فيه. وضمت المجموعة التحالف العربي من أجل السودان ومجلس كنائس السودان الجديد والشبكة السودانية لحقوق الإنسان وشبكة حقوق لرصد الإنتهاكات، وتعهدت هذه المجموعة بالتعاون مع لجنة الميثاق ودعمها بكل التقارير التي تعكس حالة حقوق الإنسان في السودان بشكل دوري، وقالت المجموعة في بيان لها:»نتطلع أن تطور لجنة الميثاق من آليات المُتابعة والمراقبة، وان تُسهم بشكل فعّال وملموس في تحسين حالة حقوق الإنسان في السودان وبقية دول المنطقة العربية. وإعمالاً بتعزيز مبدأ الشفافية ونشر المعلومة فقد رأينا أهمية تمليك الحقائق للرأي العام ونقل بعض ما دار من مداولات، والتبريرات التي ساقها أعضاء وفد الحكومة السودانية حول دفاعهم عن الإنتهاكات الممارسة بالقانون».
وطالبت مجموعة منظمات المجتمع المدني التي شاركت في مداولات نقاش تقرير السودان، طالبت الحكومة السودانية بالعمل على تعزيز مبدأ النزاهة والشفافية بسن تشريعات تحمي الشهود والمبلغين في قضايا الفساد الذي إستشرى في أجهزة الدولة وأصبح ثقافة عامة في المجتمع السوداني.
وقالت إن الوفد السوداني قدم تقريراً يبرز ما سماه بالإنجازات لكنه يجافي الواقع، بينما تضاربت أقوال أعضائه في الرد على القضايا التي أثارها الخبراء في لجنة حقوق الإنسان «لجنة الميثاق» فتارة يبرر أعضاء الوفد حدوث الإنتهاكات بأن هنالك عقوبات دولية مفروضة على السودان، وأخرى أن السودان يعاني من حروب داخلية، ثم يؤكد أعضاء الوفد أن هنالك ثورة تشريعية مقبلة لإلغاء القوانين المتعارضة مع الدستور بجانب عملية إصلاح شاملة ستنتظم البلاد.
المنظمات التي شاركت في نقاش تقرير السودان طالبت بإلغاء القوانين التي تنتهك حقوق الإنسان وتحط من كرامته، وتخالف الدستور السوداني لسنة 2005 والمواثيق الدولية، والتي تتمثل في معظم ما جاء في القانون الجنائي لسنة 1991 إضافة لقانوني النظام العام والأمن الوطني، ووقف كل الممارسات القمعية وإستغلال السلطة، ومنع الإعتقال على أساس سياسي وعرقي وخطف وتعذيب النشطاء الحقوقيين والسياسيين والطلاب والشباب، وإتاحة الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير.
وشدد ممثلو هذه المنظمات على ضرورة وقف الإنتهاكات التي تحدث في مناطق النزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وتعقب الجناة وتقديمهم للعدالة وحماية الضحايا والمبلغين والشهود تحقيقاً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب.
صلاح الدين مصطفى