في يوم السبت، بعد العمليات في باريس، كنت في بيتي في القدس ووصلتني محادثات هاتفية كثيرة من اصدقاء إسرائيليين يسألون عن سلامة اصدقائي الفرنسيين وأبناء عائلتي. أحدهم هي إسرائيلية تبلغ 50 سنة قالت بمرارة: «قد يفهمون في أوروبا الآن، وبالذات الفرنسيين، معنى الحياة مع الإرهاب الدائم». أنا ايضا قمت بالاطمئنان على اصدقائي الفرنسيين وأحدهم باحث معروف في الأدب الفرنسي، وصف وضعا مررت فيه أكثر من مرة في إسرائيل حينما قلقت على أبنائي: ابنته خرجت للتسلية مع اصدقائها في أحد الاحياء التي هوجمت، وفقط بعد عشرين دقيقة صعبة نجح هو وزوجته في الوصول اليها. فقال: «يجب أن نبدأ بالتعود على العيش مثل الإسرائيليين».
في الـ 24 سنة الاخيرة عشت في مجتمع الإرهاب فيه هو جزء من الحياة اليومية، حيث أن العمل الامني هو أحد المجالات المزدهرة في العالم. لذلك سيسارع الإسرائيليون والاوروبيون إلى وضع خطوط تصل بين صراع إسرائيل ضد الإرهاب وبين صراع أوروبا ـ ويمكن أن يعتبروا إسرائيل الصغيرة رأس الحربة في الصراع العالمي المتزايد ضد الإرهاب (هذا الامر مكتوب حسب رأيي بين الاسطر في كتاب فولباك الاخير «الخنوع»). رغم أن الامر لا يُهيئنا لمشاهدة ناس يقتلون بشكل صدفي سواء في الشرق الاوسط أو في أوروبا، فان من الخطأ التعامل مع نوعي الإرهاب وكأنهما واحد ـ استخدام تلك الكلمة لوصف وضعين مختلفين لا يحول هذين الوضعين إلى متشابهين.
الإرهاب الفلسطيني هو سياسي وتحركه مصالح واهداف قومية. حيث أن هدفه الحاق الضرر بالتجمعات التجارية أو الحافلات، وهو يقدم مطالب واضحة لا يمكن الخطأ بفحواها: تحرير وطني وانهاء الاحتلال. يقول المحللون الإسرائيليون إن الإرهاب الفلسطيني سيتراجع ويختفي عندما يحصل الفلسطينيون على سيادة جغرافية واستقلال قومي. لكن الهجمات الإرهابية بالحجم الذي شاهدناه في الولايات المتحدة وفي باريس، مختلفة؛ لها طابع ثقافي، وهذا سبب أن دافيد كامرون تحدث عن «الشيطان»، تلك الكلمة التي تظهر في فترات متباعدة في القاموس السياسي. هذه الهجمة الإرهابية تزعزع فرنسا وكل دولة اوروبية اخرى، ليس فقط بسبب كبر الجريمة، بل ايضا بسبب أنها تلحق الضرر بالقيم والقناعات الاوروبية.
المواطن في الولايات المتحدة وأوروبا لا يشعر أنه يحارب القاعدة و»داعش» بشكل مباشر وملموس. بالنسبة ل»داعش» فان مواجهة الغرب هي المبدأ السامي، لكن بالنسبة للاوروبي العادي الذي يعيش بشكل جيد فان «داعش» ليس أكثر من موضوع اخباري.
لذلك فان اعمال «داعش» والقاعدة الإرهابية تبدو بدون سبب واضح وملموس. هذه الاعمال الإرهابية يتم النظر اليها كحروب مقدسة لا منطق لها، ضد الغرب وقيمه. الغرب لا يستطيع أن يفهم التلهف الديني غير الرحيم. وسبب ذلك هو أنه منذ القرن الثامن عشر لا يوجد لهذا التلهف الديني ما قد تعتبره أوروبا الجوهر الاساسي للانسانية ـ المصلحة الشخصية.
وأخيرا، إن هذه الهجمات موجهة ضد اولئك المواطنين كرمز للغرب وليس كأبناء أمة معينة. الهجوم على الفرنسيين مثل الهجوم على الأمريكيين لأنهما يرمزان إلى القيم التي تعتبر دنسة في نظر الاصوليين. موسيقى الروك في بات كلاون، لعبة كرة قدم تعكس علاقات السلام والتعاون بين فرنسا والمانيا، حرية التعبير في صحيفة تهكمية، لحظات استمتاع للاصدقاء في مطعم ـ كل ذلك ينتمي للقيم المقدسة للغرب: الاستمتاع، الاستهلاك، الفردية والحرية.
كيف يجب أن يكون رد فرنسا وحلفائها على هذه الهجمات؟ هل عليهم سلوك طريق إسرائيل؟ إسرائيل اتخذت قرارا واضحا يمكن أن نسميه «التوجه الامني». لأنها توجد في منطقة معادية رغم اتفاقي سلام مستقرين، ونظرا لأن الفلسطينيين ليسوا في نظرها خصوما سياسيين شرعيين ينافسون على منطقة جغرافية، وانما إرهابيين مطالبهم غير شرعية ـ فقد تحولت إسرائيل إلى سوبر أمنية.
التوجه الامني هو نظرية تستبدل فيها الحالة الأمنية الكبيرة المبادرات الدبلوماسية والسياسة الخارجية، الامر الذي يضر في نهاية المطاف بحقوق الانسان والقيم الديمقراطية. وبشكل مشابه، بعد عمليات 11 ايلول/سبتمبر كان الرد الأمريكي ذا صبغة امنية ايضا. واشتمل على دخول العراق وافغانستان وألحق ضررا كبيرا بحقوق الانسان والديمقراطية. على سبيل المثال التعذيب في غوانتنامو أو الالهام لاستخدام القوة العسكرية التي تعتبر أن لرئيس الولايات المتحدة صلاحيات أمنية واسعة تسمح له باستخدام «القوة المطلوبة والضرورية» في اطار محاربة الإرهاب.
كل هذا واضافة إلى التغيير الدراماتيكي في السياسة الخارجية للولايات المتحدة ـ أضعف في نهاية المطاف الدور الاخلاقي والسياسي في العالم وانشأ الواقع الذي يتعاطى معه العالم الآن.
هدف الإرهاب دائما هو زعزعة الانظمة التي يستهدفها. ويضع هدفا ليجعلهم يشكون في انفتاحهم وايمانهم بالحرية. التوجه الامني هو انتصار للإرهاب لأنه يزعزع الديمقراطية واحيانا يتسبب بصعود انظمة قمعية.
مقابل الرد الامني الإسرائيلي أو الأمريكي على الإرهاب، فان أوروبا، وبالذات فرنسا، عليها انتهاج طريق مختلفة ليست أمنية عسكرية. وبشكل أدق، إذا كان هناك رد عسكري على الهجوم فيجب أن ترافقه اعادة النظر في التحالفات الدولية وايضا السياسات الامنية. محظور أن تغلق فرنسا عيونها أمام الجهاديين المتطرفين فيها.
ولا شك أن عمليات الإرهاب في باريس لم يكن من الممكن أن تحدث بدون مساعدة عناصر محلية، مسلمين فرنسيين أصبحوا متطرفين، وهم ايضا يقومون بمحاربة فرنسا. يجب أن تجرب فرنسا أن تحارب اغترابهم بشكل مصمم أكثر. لكن الأهم هو فرصة ايجاد نظام عالمي مختلف: إن تهديد «داعش» والقاعدة ينشيء مصيرا مشتركا بين الروس والفرنسيين والأمريكيين. إذا حدث تحالف دولي جديد، يمكن هزيمة القوى المتطرفة للسنة والشيعة. هل ستستغل أوروبا هذه الفرصة أم أنها ستسير في الطريق الأكثر أمناً.
آفا إلوز
هآرتس 15/11/2015
صحف عبرية