في الأمثال العربية «التمني رأس مال المفلسين» اللهم لا تجعلنا منهم.
وثمة بيت شعر مشهور:
ما كل ما يتمنى المرء يُدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ
وأعتقد أن الذي يُدرك أمنيته محظوظ، وإلا فالأماني «سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا». ولكن يمكن استعماله مجازا للتعبير عن شدة الشوق والتعلق، حتى كأن المتكلم ليخال ما يتعلق به أو يشتاق إليه مما لا يمكن أن يتحقق، كما لو كتبت لأخيك المسافر بعيدا: أتمنى لو أراك اليوم.
التمني والأمنية والأماني والأمنيات والـمُنى.. وما إليها، كلها من الجذر اللغوي (م. ن. ى). وتتجمع تحته معان اعتبرها اللغويون متباعدة جدا. واعتبر اللغويون (المنيّة) بمعنى الموت، من هذا الجذر، وذهبوا إلى أن (المَنا) بفتح الميم والنون تعني القدَر. ومن هنا انطلقوا إلى القول: بأن التمني هو الأمل يقدّره المرء ويتطلع إليه، وهذا غير صحيح. ولقد تحدثنا عن الأمل في حلقة سابقة، وسنزيد شيئا آخر هنا. ثم يقولون إن (مُنْيَة) الناقة، بسكون النون، الأيام التي تبين كونها لاقحا أم حاملا. فكيف هذا وأنت تقول لصاحبك: مُنيتي أن أراك؟ أو أمنيتي أن أراك؟ (بدون تشديد الياء الوسطية فيهما). ربما يلتقي الاستعمالان في معنى الترقب، ترقب حدوث الشيء.
ومن استعمالات العرب الفصحاء لهذا الجذر وما يُشتق منه نصل إلى نتيجة أن معنى المُنى والأماني والتمني يقترب من معنى الأمل ولكن يختلف عنه اختلافا بيّنا.
التمني هو التطلّع نحو شيء (قد) يحدث في مستقبل بعيد وليس قريبا، وغالبا ما يريد به المتكلم التعبير عن استبعاد حدوثه أو اليأس من حدوثه، ولذا جاءت المقولة التي ذكرناها «التمني رأس مال المفلسين». فالمفلس أي الذي لديه فلسان أو ثلاثة فهو فقير مدقع، ليس له من وسيلة لتحقيق ما يريد، فيجعله (أمنية) بعيدة عن التحقق. والطالب الكسول الذي لا يدرس ولا يؤدي فروض مدرسته ليس لديه أمل في النجاح ولكنه (يتمنى) ذلك. فالنجاح عنده (أمنية) لا (أمل) فيه.
ذلك أن الأمل والتأمل التطلع إلى شيء يحدث في مستقبل قريب، وأن المتكلم يتوقع حدوثه حقا، أو احتمالا راجحا. وكثيرا ما عبر الشعراء عن يأسهم مما يريدون بالتمني، واستعملوا من أدوات (التمنّي) ما استعملوا، كقول شاعر يئس من نجدة قومه له فلجأ إلى الأداة (ليت) قائلا:
فليت لي بهمُ قوما إذا ركبوا
شنّوا الإغارة أحدانا وفرسانا
حيث كانوا آنذاك يحاربون وهم راجلون أو على ظهور الجياد. وهؤلاء هم (الفرسان) مأخوذ من (الفرَس) ولكن قومه لا يفعلون ذلك فهو يهجوهم يائسا منهم. ولو كان يرجح نجدتهم له لما تمنّى بل كان (سَيأمل) ذلك منهم. ومثله قال آخر يخاطب امرأته التي تلومه على كرمه، ولكنه يستعمل (لعلّ) لا (ليت):
أريني جوادا مات هُزلا لعلّني
أرى ما ترين، أو بخيلا مخلّدا
فهو يدري أنه لم يمت كريم بسبب الهزال نتيجة كرمه، ولم يخلد بخيل بكنز أمواله.
اللهم أبعد عنا مثل هذه المرأة القاطعة لسبيل المعروف. وكثر في الناس مثل ذلك الكريم إنك على كل شيء قدير!
والاستعمال الشائع لفعل التمنّي أن يأتي بعده (أنْ) فتقول لصاحبك: (أتمنّى أن أراك). ولا أقول إن هذا الاستعمال خطأ، ولكني أقول: إنه يناقض معنى التمني وينقله إلى معنى (الأمل) فكأنك تقول: (آملُ أن أراك). والذي أقترحه عليك أن تقول (آمل لو أراك) إذا كنت تستبعد رؤيته، ليتلاءم ذلك مع المعنى الأصيل للتمنّي.
جعل الله أمنيتك أملا.. وأمانيك آمالا..
باحث أكاديمي عراقي ـ لندن
هادي حسن حمودي