عن الحياة والموت

حجم الخط
1

العملية في باريس ما كانت لتقع لو لم يحظَ المنفذون بالرعاية والمساعدة اللوجستية وغيرها من السكان المسلمين المحليين. وظاهرة المساعدة لمنفذي العمليات ستزداد فقط كلما زاد عدد السكان المسلمين في أوروبا. فجراء الولادة المتدنية والتقلص الطبيعي في عدد سكان أوروبا الاصليين، فان عدد السكان المسلمين سيزداد فيصبحون بعد سنوات غير طويلة عاملا سياسيا قويا مسنودا بتهديد امني داخلي. ونتيجة ذلك، فان عمليات من النوع الذي شهدته باريس ستقع مرة اخرى، إلا إذا قامت أوروبا بفعل ما.
لا اعتقد أن أوروبا ستطرد المسلمين او تقمع حقوقهم. صحيح أنه قد تبدأ عملية نمو وتعزز للاحزاب القومية المتطرفة التي ستتخذ لها هدفا قمع الاقلية الإسلامية المتعاظمة، ولكن الدولاب لن يدور إلى الوراء والإسلام في أوروبا سيتعاظمون، حتى لو توقفت الهجرة الإسلامية إلى أوروبا الان، بسبب التزايد الطبيعي القائم للسكان المسلمين.
يطرح السؤال: ما العمل لوقف الإرهاب في ضوء النمو في عدد السكان المسلمين؟ إذا استبعدنا امكانية الاعمال الوحشية وغير المناسبة بطرد المسلمين إلى خارج أوروبا أو قمعهم، فلا تتبقى سوى الامكانية السلبية ـ التعزيز بشكل استثنائي لعدد المقاتلين وحماية الأمن الداخلي في أوروبا والتطوير الشديد لوسائل الدفاع والاستخبارات. كل هذا لفترة انتقالية تستمر لسنوات طويلة، تتكيف فيها الاقلية الإسلامية مع القيم الديمقراطية الاوروبية ونمط الحياة في القارة.
اذا لم يحصل كل هذا، ستجتاز أوروبا ثورة مضرجة بالدماء، سيسيطر عليها الإسلام وسيهبط مستوى المعيشة. أوروبا توجد في الدقيقة الـ 90، وهي لا تزال في وضع النكران. ومع ذلك، يحتمل أن يشكل الحدث الاخير في باريس نداء صحوة. فاذا بدأت دول أوروبا بتعزيز قوتها في كل ما يتعلق بالحرب ضد الإرهاب، فانه ستقع ثورة في الميزانية. عدد المسلمين في أوروبا يقدر اليوم بنحو 50 مليون نسمة. فحسب التقدير الرسمي، في فرنسا وحدها عدد المسلمين هو نحو 6 مليون، وحسب تقدير غير رسمي العدد مضاعف تقريبا). من أجل وجود قوة ناجعة للامن الداخلي يجب تغيير الانظمة العامة. ينبغي اقامة قوة تعد ما لا يقل عن مليون مقاتل امن داخلي. واقامة مثل هذه القوة ستكلف عشرات مليارات اليوروهات. ومن اجل استخدام هذه القوة بنجاعة، ستضطر فرنسا إلى تغيير التشريعات كي تسمح باعتقالات ادارية عديدة وتعطي مرونة لقوات الامن. «في الحرب مثلما في الحرب»، أي ـ حياة اكثر وديمقراطية أقل.
بالمناسبة، توجد إسرائيل في مشكلة مشابهة و «انتفاضة السكاكين» اوضحت ذلك. هنا ايضا ينبغي تعزيز القوات العاملة حيال الإرهاب بعشرات الاضعاف، إذا كنا نريد الوصول إلى وضع آمن تماما، ولا يوجد ظل شك في انه ينبغي الوصول إلى ذلك، إذ أن حياة مواطني إسرائيل تسبق كل شيء. وبالتوازي، على إسرائيل أن تستعد لصراع عنيد مع إيران، ولهذا الغرض تتطلب ايضا مقدرات كثيرة. على إسرائيل ايضا ان تعتاد على تغيير انظمة الاولويات في الميزانية وتعظيم ميزانيات الامن، الداخلي والخارجي، إلى حجوم لم يشهد لها مثيل. فالظاهرة لن تتغير حتى بعد التسوية مع الفلسطينيين، إذا ما تحققت. إذ توجد حقيقة اساسية، مثل تلك التي في أوروبا، في أنه في منطقة صغيرة ـ عندنا بين البحر والنهر ـ يسكن وسيسكن شعبان يريدان ان يتعاظما وينميا، وان الكراهية بينهما تتلقى تعظيما في المدرسة وفي الشارع ولها ايضا بعد ديني. ان وجود إسرائيل الديمقراطية والقيمية ووجود أوروبا الكلاسيكية يستدعيان دفاعا سلبيا من أجل اجتياز الازمات المرتقبة. لا مفر من تعظيم القوات المقاتلة ضد الإرهاب وضد الامكانيات الإرهابية الكامنة، وتعزيز التشريع الذي يسمح لقوات الأمن بالعمل بنجاعة. للتعظيم الامني يوجد معان اقتصادية، قيمية، دستورية وغيرها، ويجب ان نستوعب ذلك، والا فان أوروبا سيسيطر عليها المسلمون وإسرائيل ستجد صعوبة في أن تعيش بشكل آمن وسوي العقل، ومستوى المعيشة فيهما سيهبط إلى درك اسفل غير مسبوق.

معارف 17/11/2015

عوديد تيرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية