لا نريد ليمن ما بعد الثورة والانتفاضة اليمنية الشبابية، أن يذهب عكس المسار المحدد له، ويتجه غير الاتجاه الذي أراده شباب ثورة التغيير وشهداؤها، الذين قدموا دماءهم الزكية رخيصة في سبيل دولة يمنية مدنية خالية من الفساد المالي والإداري، والحكومي منه على وجه الخصوص، وهذا ما حذر منه الرئيس اليمني المشير عبد ربه منصور هادي في اجتماع له مع وزراء حكومة الدكتور محمد سالم باسندوة قبل أيام، وحثهم على العمل الوطني والتوقف عن العمل بمعايير حزبية وشخصية.
استجواب وزير الكهرباء اليمني الدكتور صالح سميع، يوم السادس من أيار/مايو الجاري، في البرلمان اليمني خطوة جيدة على طريق الشفافية ومكافحة الفساد في بلدٍ مثل اليمن، الذي يعد من بين 15دولة الأكثر فساداً، وبين 30دولة الأكثر فشلاً وفقراً، تعد احدى ثمار ثورة الشباب اليمنية والربيع اليمني عام 2011، ذلك الاستجواب حول قضايا فساد ونهب للمال العام في وزارة السيد سميع، تم بطلب قدمه النائب عبد الكريم جدبان، وتضمن 14 محوراً تتعلق بجملة من قضايا فساد كبيرة، منها عقود شراء الطاقة الكهربائية في عدد من المحافظات، التي وقعت من قبل وزير الكهرباء اليمني الدكتور صالح سميع، بستمئة وستة وتسعين مليون دولار في أيلول/ سبتمبر الماضي، وما ذكره تقرير لجنة الخدمات بالبرلمان اليمني، في عريضة الاستجواب الصادرة في 11كانون الأول/ديسمبر2012، وجود قضايا فساد ومخالفات قانونية كبيرة تعرض المؤسسة العامة للكهرباء للانهيار، ذلك المبلغ يتوزع في اتجاهين، الأول 12 مليون دولار للطاقة و 3مليارات و600 الف ريال قيمة ديزل شهرياً لمدة عامين، وكذلك شراء 200 ميجاوات من باخرة غربية على البحر بقرابة 19 مليار ريال سنوياً، تلك الصفقة أو الصفقات ذات الأرقام المخيفة والمرعبة في الوقت نفسه، ليست غامضة أو تحمل الكثير من الغموض وعلامات الاستفهام في طياتها فحسب، بل متضاربة المعلومات في الوقت ذاته، فقد خرج علينا معالي وزير الكهرباء اليمني الدكتور صالح سُميع بمؤتمر صحافي أواخر شهر سبتمبر الماضي بالقول ان عقود شراء الطاقة التي وقع عليها هي لمدة 6 أشهر، بينما ذكرت مصادر صحافية أنها لمدة عامين.. نكتب هذا الكلام والمرارة في حلوقنا، وفضلنا كصحافيين يمنيين أن نتريث ولا نتسرع في الكتابة عن هذه الصفقة الكهربائية الكثيرة الغموض والالتباس، وحتى لا نتهم بإفساد عملية الوفاق، وحتى يهدأ غبارها الإعلامي وتطفو بوضوح على السطح للشارع اليمني بعد مرور قرابة عام على توقيع الوزير سميع عليها.
فاستجواب وزير حول قضايا فساد في البرلمان اليمني كانت من سابع المستحيلات، ومن الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها في عهد الرئيس السابق علي صالح، وما كان يحدث هو التضحية بنائب الوزير ككبش فداء.. أو فض قضايا الفساد المرفوعة للبرلمان، بتدخلٍ شخصي من الرئيس صالح، وتقيد ضد مجهول، إلا أن تلك الخطوة على جرأتها تعد غير كافية، من دون تفعيل أجهزة القضاء والمحاسبة، فاعتراف وزير الكهرباء اليمني صالح سميع بوجود فساد في وزارته ذلك من الفضيلة، ولكنه غير كافٍ، فإما أن يقدم السيد سميع المتسببين في الفساد ويحددهم بالأسماء، حتى تتم محاسبتهم ومحاكمتهم قضائياً، وتسببهم في تراجع منظومة الطاقة في اليمن، والاستمرار في تمديد عقود شراء الطاقة الكهربائية، المجحفة والمكلفة مالياً التي فتحت ثغراتٍ للفساد، وعدم الإيفاء بتدشين ثلاث محطات توليد كهربائية غازية، في كل من مأرب وذمار والحسوة في عدن، ووعد الوزير سميع الشعب اليمني، والاعلامي الزميل محمد العامري الذي التقاه على قناة السعيدة، قبل أكثر من نصف العام، أنه إذا أتى منتصف العام الحالي 2013، ولم ينجز تلك المحطات، فسوف يعتذر للشعب اليمني عن ذلك، ويعترف بفشل وزارته ويقدم استقالته فوراً ويذهب إلى بيته، ولم يتبق سوى أسابيع لمنتصف العام، ولم نر أي مؤشرات توحي بتنفيذ وعود الدكتور صالح سميع ومحطات التوليد الغازية، التي أماتتها عقود شراء الطاقة بالديزل قبل أن تولد. نعود لنقول نصيحتنا للدكتور سميع بتقديم استقالته والحفاظ على ماء وجهه، أفضل من أن يقال بقرار رئاسي بعد أن ينتفض جميع أبناء الشعب اليمني ضده، بعد أن تبخرت كل وعوده بشمس صنعاء وأمطارها الغزيزة هذه الأيام.
كان بمتناول وزارة الكهرباء اليمنية بقيادة سميع بذلك المبلغ المهول إنشاء محطة غازية تغطي 200 ميجاوات، مثلما ذكر أحد التقارير البرلمانية في البرلمان اليمني.
سمعنا وقرأنا في شهر آذار/مارس من العام الماضي 2012، عن تعويضات لقبائل مأرب بــ 916 مليون ريال، قرابة (أربعه ملايين دولار)، بمقترح من لجنة حكومية، في تقرير رفعته عقب نزولها الميداني، لمعالجة المشاكل المؤدية إلى تفجير أنابيب النفط.. وفي المقابل نتساءل كمواطنين يمنيين، قبل أن نكون صحافيين، ونقول هل نحتاج إلى لجنة مماثلة وملايين الدولارات لمعالجة مشكلة الاعتداءات التخريبية المتكررة لأبراج الكهرباء، بالرصاص الحي، وخبطات الحديد، في محافظة مأرب نفسها؟ ومن حقنا كيمنيين في الوقت نفسه أن نضع أيدينا على قلوبنا ونسأل وزير الكهرباء السيد سميع وحكومة باسندوة، إلى متى تبقى الكهرباء في اليمن.. تحت رحمة القبائل اليمنية، وقبائل مأرب على وجه التحديد؟
ونحن نعيش الظلام في اليوم من ثلاث إلى ست ساعات على التوالي، في العاصمة صنعاء وعدد من محافظات البلاد، ومقبلونَ على صيف ساخن، بسبب انقطاع التيار الكهربائي، إثر استهداف خطوط نقل الكهرباء في منطقة الدماشقة آل شبوان، أو في وادي عبيدة، أو صرواح والعرقين وقائمة مناطق الاعتداءات، وعقود شراء الطاقة تتمدد وتطول، بمحافظة مأرب واستهداف (الدائرتين الأولى والثانية) هما الأبرز، وخروج محطة مأرب الغازية عن الخدمة مراراً وتكراراً، في زمن احتفلت وتحتفل به دول العالم المتحضر بعدم انقطاع الكهرباء منذ أعوام حتى لساعة واحدة.
متى نرى، كشعب يمني صُدِعت رؤوسنا إعلامياً ووعوداً بتحقيق هذا المشروع، وزير الكهرباء يضع حجر الأساس إيذاناً ببدء تنفيذه؟ هذانِ التساؤلان نضعهما على طاولة مكتب وزير الكهرباء الدكتور سميع، الذي نحترمه ونجله، ورجاؤنا أن يجيب عليهما، وهو يعرف مدى حياديتنا، وعدم انحيازنا لحزبٍ بعينه، حتى لا يحشرنا ضمن خانة المكايدات الحزبية المستمرة منذ تشكيل حكومة الوفاق الوطني في بداية العام الماضي. نختم بكلمات الصحافية الأمريكية سارة وولف، التي قالت لي في العام 2008، حينما كانت تعمل في صنعاء في صحيفة ‘يمن تايمز’ الناطقة بالإنكليزية، إن هنالك شيئين لفتا نظرها في اليمن، لم تر لهما نظير في معظم بلدان العالم، الأول هو طيبة وبساطة الشعب اليمني، والثاني هو انقطاع الكهرباء لساعات طويلة في اليوم، بصورة تثير الاشمئزاز، وتبعث على البكاء، وقالت هنالك أطفال خُدج وناقصو نمو ويعانون من ضمور في الدماغ، ومصابون بالحمى القلاعية، وبالغون بحاجة إلى غسيل كلوي، ومعظمهم بحاجة إلى أكسجين وكهرباء، ولا تعرف كيف سيكون مصيرهم جراء تلك الانقطاعات الكهربائية المستمرة في اليمن؟ وإذا أرادت اليمن كهرباء وطاقة حقيقية، فعليها التخلص من الفساد أولاً وسيكون لها ذلك.
‘ صحافي من اليمن
[email protected]