لماذا يكرهوننا؟ الإرهاب ليس نبتة حائطية

حجم الخط
2

انشغال كبير للمجتمع الدولي بتنامي ظاهرة الإرهاب واتساع جغرافيته..في أسبوع واحد سقوط الطائرة الروسية في سيناء مصر وانفجار قوي في الضاحية الجنوبية لبيروت معقل حزب الله الذي لم يعد محصنا كما كان ضد العمليات العسكرية، وانفجار العاصمة الفرنسية باريس.
الإرهاب يضرب بقوة هذه المرة، وعاصمة الأنوار تهتز على وقع عمليات مسلحة منسقة على مستوى عال من التنظيم..والنتيجة سقوط 130 ضحية وعشرات الجرحى في ليلة حزينة، بكى فيها العالم أجمع استهداف مجموعة من الأبرياء المدنيين الذين ذنب لهم سوى تواجدهم في المكان الخطأ في نهاية الأسبوع..عشرات الفرنسيين والفرنسيات كانوا ضحية تواجدهم بمسرح باتاكلان بباريس وعاشوا لحظات عسيرة رهائن في يد عناصر إرهابية نجحت في خلق اختراق المنظومة الأمنية الفرنسية وتمكنت من قتل عدد كبير منهم داخل المسرح وفي أماكن متفرقة من العاصمة الفرنسية.
لا تكفي عبارات الاستنكار والإدانة للتعبير عن مشاعر الغضب التي تنتابنا بعد هذه الجرائم التي تساهم في تغذية سوء الفهم الكبير بين الإسلام والغرب، وتساهم في تغذية أفكار اليمين المتطرف وتعزيز حضوره في الساحة السياسية الأوروبية، مع المزيد من توسيع الهوة بين الثقافات والحضارات، الأصل فيها هو التعارف والتفاهم وليس الصدام والتعارك.
ماحدث في باريس يسائل العالم أجمع عن هذا الغول المتوحش الذي يكبر في أحشائه ويهدد الإنسانية جمعاء، وعن الجذور الحقيقية التي يتغذى منها الإرهاب، وعن قنوات تمويله ورعايته وعن أهدافه الحقيقية التي يجنيها من وراء مثل هذه العملية الأخيرة؟
عندما وقعت تفجيرات سنة 2001، طرح المواطنون الأمريكيون البسطاء سؤالا بريئا: لماذا يكرهوننا؟ واليوم فإن أي محاولة لتفسير العمليات الإرهابية الأخيرة لابد أن تتجاوز التحليلات البسيطة وتقرأ الظاهرة في السياق السياسي والثقافي الدولي الذي ساهم في إفرازها. الإرهاب ليس نبتة حائطية، وبدون شك، أن المجموعة التي تمترست بالأحزمة الناسفة وتسلحت بالكلاشينكوف وضربت في سبعة مواقع مرة واحدة ونجح بعضها في الفرار، تقف وراءها جهات منظمة وقوية عابرة للحدود، تؤشر على تحول خطير في العقل الذي يحرك هذه العصابات باسم الدين وباسم الجهاد، وتؤشر على ملامح تنظيم إرهابي أوروبي يستثمر في الجيل الثالث والرابع لأبناء المهاجرين الذين نشأوا في أوروبا في ظل تمزق هوياتي خطير، بعضهم انزلق إلى تبني الفكر الجهادي المتطرف..
خلال الاجتماع الأخير لمجموعة العشرين قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن تمويل داعش يتم من طرف أربعين دولة بينهم دول من مجموعة العشرين التي اجتمعت مؤخرا في أنطاليا، وقدم بوتين لرؤساء قمة العشرين معلومات عن قنوات تمويل الإرهاب، وعرض على المشاركين في القمة صوراً للأقمار الاصطناعية عن تجارة النفط، تبين بوضوح أبعاد تجارة النفط ومشتقاته غير الشرعية، حيث تمتد قوافل السيارات والناقلات لعشرات الكيلومترات على مد البصر وتشاهد من على ارتفاع 4-5 آلاف متر…
من ناحية أخرى، فإن صمت العالم على جرائم النظام السوري الذي شرد شعبا بكامله هو أكبر مشتل لصناعة الإحباط وتغذية الإرهاب والتطرف..
الإرهاب الذي ضرب الضاحية الجنوبية في بيروت وضرب العاصمة الفرنسية هو صناعة واحدة، وهو مسؤولية مشتركة لجميع القوى التي سمحت بانزلاق المنطقة إلى الفوضى بعد احتلال العراق وإجهاض أحلام الناس التي خرجت في مظاهرات سلمية للمطالبة بالديمقراطية والحريّة في كل من سوريا ومصر وغيرهما من دول المنطقة، في مقابل دعم الدكتاتوريات العربية وإطلاق يدها لقمع شعوبها..وقبل ذلك وبعده، استمرار الجرح الفلسطيني الذي ينزف منذ ستين عاما وسط تواطؤ القوى الكبرى ودعمها للاحتلال الصهيوني بالموازاة مع لامبالاة الأنظمة العربية وتواطؤ بعضها قوى الاحتلال..
قبل أربع سنوات، ومع اندلاع الثورات العربية، نتذكر جميعا كيف انطفأ تنظيم القاعدة وانحصرت أفكاره في مقابل تطلع الجماهير العربية إلى التخلص من الاستبداد والفساد بواسطة مظاهرات سلمية وليس بواسطة العنف المسلح، لكن مع «نجاح « الثورات المضادة في إجهاض المسار الديمقراطي تعززت الأفكار الجهادية المتطرفة من جديد، وظهر تنظيم ما يسمى بـ «الدولة الإسلامية» كجيل جديد من التنظيمات الإرهابية مطبوعة بوحشية غير مسبوقة.
لابد للسياسيين في فرنسا وفي أوروبا أن يضعوا أيديهم على هذا الجرح العميق والبحث في سبل علاجه قبل اعتماد الحلول الأمنية السهلة والانزلاق إلى خطاب اليمين المتطرف وصناعة الإسلاموفوبيا وسط المجتمعات الأوروبية، مع ما يرافق ذلك من إجراءات استثنائية تعصف بالقانون وبالحقوق الأساسية للأفراد والجماعات.
أحر التعزي لأسر الضحايا مع متمنياتي بالشفاء العاجل للجرحى..

٭ كاتب من المغرب

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية