ليس هذا النصّ عن أيّ شيء، مطلقاً، أبداً. ليس مجازاً آخر، ولا فكّاً لالتباس. ليس فيه معنى، بل ولا يحتمل التأويل لاختراع معنى. لا شيء فيه حقّاً، لا شيء. لا شكل أو مضمون، لا رسالة أو غاية أو هدف. لا جدوى. أبداً. إطلاقاً. ليس فائضَ ما يطفحُ من الكيل، فالكيل مثقوب أصلاً، ولا يحاول هذا النصّ سدَّ الثقوب مؤقّتا ًكي يكون عن فكرة أو شيء. لو أنّ الكاتب تابع الفكرة الأخيرة هذه، لكان النصّ عن شيء. لكنّه نصّ مفلس بامتياز، مفلس حتّى من مبرّرات كتابته، لا شيء يبرّره أصلاً، حقّاً، لا شيء. لا نقصَ يسبقه ولا رغبة في شيء، ولا حتّى كتابتِه. لا دوافع وراء ابتدائه، ولا حتّى العادة، أو الرعب الخفيف، أو الضجر. على ذمّة النقد الأدبي، قد تكون لا شيئيّتُه شيئاً لأنّها موضوعه. لكنّه صدقاً ، فهو لا يحاول وصف أيّ شيء، ولا حتّى اللاشيء، ولا البحث في حدودِه أو عِلَله أو أخواته كالعدم والنفي والفراغ، ولا يقتبس حرفاً عن اللاشيء من فيلسوف أو لاهوتيّ أو شاعر أو فيزيائيّ. هذا النص ، وليس عن اللاشيء. لكن على ذمّة علم النفس، سيكون بالضرورة تعبيرأ عن شيء بل أشياء في اللاوعي وإن لم يدركها الكاتب، وحتّى إن عبّر عن ‘فراغ’ فإذن هو يعبّر عن شيء، وفلسفيّاً قد يكون نصف الكأس الفارغ مليئاً بالهواء. لكن ليس بالضرورة، أبداً، ليس هنا. فهنا محض كلمات كدموع التماسيح لا أكثر: لا حزن أو فرح، لا فراغ ولا امتلاء، لا ضغط نفسيًا ولا ابتزاز عاطفيّاً، لا كأس أو اثنتين ولا حتّى بصل. والأهمّ، لا معنى ممكناً أبداً: لا شيء. بالطبع، لكلّ قارئ الحقّ في أن يشطح فـ’يستخرج’ من النص أو يملي عليه وعليّ ما يشاء من أشياء؛ ، كأن يقول إنّ هذا النصّ هو عن ‘كون النصّ ‘ فإذن هو عن شيء، أو أن يلصق بكاتبته مزاجا حداثياً أو بعد حداثيّ، أو مرضاً ما كالاكتئاب وسواه. حسب التكوين العكسيّ الفرويديّ، حيث تضخيم نزعة ما قد يكون كبتاً لضدّها الملحّ، سيصبح الإصرار على اللاشيء هنا كبتاً صارخاً لكلّ شيء. كما أنّ لعبة لغويّة فلسفيّة بسيطة قد تقوّض فكرة الأضداد ليصبح اللاشيء، من زاوية ما، هو كلّ شيء. لكن من جهتي، وعلى حدّ علمي بوعيي ولا وعيي، وبكلّ ذمّة وأمانة وضمير، هذا النصّ فعلاً، صدقاً، .