عندما تشحذ السيوف، وتعتمر الخوذ، ويلتزم الجميع بلباس موحد، فان الجيش يكون جاهزاً… لتشجيع فريقه، وليس في أي مباراة، وانما في «أم المباريات». الجميع يرى ان مباراة الدربي أو الكلاسيكو التي يخوضها فريقه، هي الأعظم والأشرس والاكثر أهمية من غيرها، ولن يكون هناك من يجادل، لان كل مباراة دربي في العالم لها خصوصياتها وطقوسها واسبابها ومعالمها ونتائجها.
لكن في الدربيات الاوروبية، تصب الاعين تركيزها عادة الى الكلاسيكو الاسباني بين ريال مدريد وبرشلونة، كالذي أقيم أمس، والذي قد يتفق كثيرون على انه «الاعظم» في العالم، بل يطلقون عليه «كلاسيكو الأرض»، لما يضمه الفريقان من نجوم على أعلى مستوى، رغم ان الفريقين ليسا جارين بالمعنى الجغرافي، لذا سيشكك البعض بأحقية اطلاق اسم «دربي» على لقاءات الفريقين، رغم ان أكبر «دربي مدينة» في اسبانيا يجمع بين اشبيلية وريال بتيس (دربي مدينة اشبيلية). فكلمة «دربي» في الاصل، هي اسم لمدينة انكليزية تقع في وسط البلاد، ويمثلها فريقها المغمور في الدرجة الاولى دربي كاونتي، واشتهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بتنظيم منافسات رياضية عدة، بينها سباقات الخيول والكريكيت، وبسبب موقعها في وسط البلاد، فان الفرق والرياضيين يقصدونها كونها اقرب نقاط التلاقي، وبسبب شراسة المنافسات هناك، باتت أي مباراة تحتد فيها المنافسة، او يتوقع ان تكون شرسة، يطلق عليها اسم «دربي». وبسبب ان المنافسات تكون حامية بين الجيران فان مباريات أي جارين، مهما اختلفت انجازاتهما وحجمهما ومراكزهما، يطلق عليها اسم «دربي»، مثلما يطلق لقب «دربي البلاد» على اكبر فريقين فيها، ما داما يحظيان بشعبية كبيرة، واصبح في السنوات الأخيرة يعرف بـ»الكلاسيكو». دربي ميلانو، لا يقل شعبية عالمية، كون ميلان والانتر من اكبر الاندية في ايطاليا، رغم ان البعض يجادل ان دربي ايطاليا الحقيقي هو بين الانتر ويوفنتوس، بسبب التاريخ بينهما، في حين تعرف لقاءات اليوفي وميلان بـ»الكلاسيكو» كالذي أقيم أمس، لكن «دربي ميلانو» يعكس السيناريو التقليدي بين نادي الطبقة الارستقراطية (الانتر) ونادي الطبقة الشعبية (ميلان)، على غرار دربي اثينا بين اوليمبياكوس (الشعبي) وباناثينايكوس (الارستقراطي)، والمشهور باسم «دربي الاعداء الخالدين». رغم ان انصار روما ولاتسيو يرون ان فوز احدهما على الآخر يكفي لجعل الموسم ناجحاً، حتى لو اخفق الفريق خلال الموسم.
الشراسة في الملعب، قد تمتد في بعض الاحيان الى خارجه، ليصطدم مشجعو الفريقين في صورة بشعة تقود الى العنف والشغب. وقد لا يكون العامل الكروي وحده الذي يذكي نيران الحقد بين الطرفين، اذ ان الدربي الحقيقي ذا النكهة الرياضية والسياسية والروحانية، هو دربي مدينة غلاسغو الاسكتلندية الذي يجمع بين «الكاثوليكي» سيلتك و»البروتستانتي» رينجرز، والذي تتغلغل في عروق مشجعيهما عادات وتقاليد وحروب تعود اصولها الى اكثر من 500 سنة.
ومهما كانت أهمية أي دربي في اوروبا فانه لن يفوق الزخم العاطفي والاثارة والكراهية التي تجمع بين عملاقي مدينة غلاسغو لان أساسها ليس التنافس الرياضي وانما الغريزة الروحانية.
في المقابل نجد دربيات اقل ضراوة، على غرار «دربي ميرسيسايد» او «دربي مدينة ليفربول»، الذي يعرف بـ»الدربي العائلي»، كون العائلة الواحدة عادة ما تكون منقسمة على ذاتها بين مشجع لليفربول وآخر لايفرتون.
وتبرز العاصمة الارجنتينية بيونس آيريس، على انها المدينة الاكثر اكتظاظاً بالفرق، وبالتالي الاكثر احتواء لمباريات الدربي، وأبرزها التي تجمع بين بوكا جونيورز وريفر بليت.
في بلداننا العربية، هناك دربي او اكثر في كل بلد عربي، ولعل أكبرها في افريقيا الاهلي والزمالك المصريان، اللذان تمتد قاعدتهما الجماهيرية الى خارج حدود البلاد، فيما يعتبر دربي الدار البيضاء بين الوداد والرجاء الاكبر في المغرب، كما يحظى دربي الرياض بين الهلال والنصر، ودربي جدة بين الاتحاد والاهلي بشعبية واسعة، لكن لا بد من الاشارة الى ان «ربما» اكبر دربي في الشرق الاوسط قد يكون من شرق المنطقة، وتحديداً في طهران، حيث حدة التوتر والاثارة والشراسة تجمع اجواء مباريات استقلال وبيرسبوليس (بيروزي)، حيث اشتهرت بنديتها في ايام الشاه عندما كان بيروزي يمثل الطبقة الشعبية، واستقلال رجال الشاه ونخبة المجتمع.
لكن الصراع الأقدم في العالم الكروي، لا يتعدى الجنوب الانكليزي، بين ساوثهامبتون وبورتسموث، حيث تعود الكراهية بين سكان المدينتين الى القرن الثاني عشر، بسبب خلافات على حقوق الصيد، لم تنس الى الآن.
واليوم دخل الاجواء دربي قديم بدأ يجمع خيوط الشراسة الحقيقية، انه دربي مدينة مانشستر بين الاحمر والازرق، او بين يونايتد والسيتي، لكن يبقى «دربي اسبانيا» بين الريال والبارسا، هو الاكبر من دون منازع، أنه «كلاسيكو الأرض».
خلدون الشيخ