لندن ـ «القدس العربي»: تسببت الهجمات الدموية التي ضربت باريس قبل أيام في معركة الكترونية حامية على الانترنت، حيث استنفر النشطاء المؤيدون لتنظيم الدولة الإسلامية من أجل الدفاع عن الهجمات وتبريرها، في الوقت الذي ووجهوا بفيضان من التعاطف مع الضحايا عم شبكات التواصل الاجتماعي التي غرقت بالأعلام الفرنسية، بما في ذلك حسابات للآلاف من النشطاء العرب والمسلمين على الانترنت.
وتصاعدت وتيرة المواجهة بين مؤيدي التنظيم ومعارضيه بعد أن أصدر تنظيم الدولة الإسلامية عدداً جديداً من مجلة «دابق» بالانكليزية، بعد خمسة أيام فقط على هجمات باريس ليخرج العدد بشكل شبه خاص، حيث يشيد بالهجمات في باريس ويصفها بأنها «إرهاب عادل» وهو مصطلح يظهر لأول مرة على ألسنة مقاتلي ومؤيدي تنظيم الدولة، كما تضمن العدد صورة ينشرها التنظيم لأول مرة وتظهر فيها القنبلة التي استخدمها مقاتلو التنظيم في نسف الطائرة الروسية التي غادرت شرم الشيخ.
وفور تداول الأنباء عن الهجمات التي تعرضت لها باريس مساء الجمعة الثالث عشر من تشرين ثاني/نوفمبر الحالي تصدر العلم الفرنسي آلاف الحسابات على «فيسبوك» و»تويتر» من قبل متضامنين مع الشعب الفرنسي ومناهضين للإرهاب، فيما أصدرت الجاليات العربية في أوروبا والعديد من الهيئات والمنظمات العربية والإسلامية بيانات تستنكر الهجمات التي ضربت باريس، وتداولت العديد من الحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي التنديد والاستنكار.
قراصنة يستهدفون «داعش»
وفور إنتهاء هجمات باريس التي شكلت واحدة من أقسى الضربات الإرهابية التي تتعرض لها أوروبا في تاريخها، تعهدت مجموعة من قراصنة الانترنت العالميين باختراق حسابات تنظيم الدولة الإسلامية والمؤيدين لهم، وبعدها بأيام قليلة أعلنت مجموعة «أنونيموس» الأشهر في العالم عن نجاحها في اختراق ما يقرب من 6000 حساب للتنظيم.
وقالت المجموعة إنها بدأت حرباً الكترونية ضد التنظيم على الانترنت، وقالت إن تنظيم الدولة أصبح هدفا رئيسيا فى الحرب الالكترونية وسيتم العمل على استهدافه.
وفي الساعات الأولى للحرب على تنظيم الدولة تمكن القراصنة من اختراق 900 حساب لأعضاء التنظيم وأنصاره في مختلف دول العالم، ولكن بعد ساعات وصل الأمر إلى 6000 حساب.
وقالت صحيفة «دايلي تلغراف» البريطانية إن مجموعة الهاكرز «أنونيموس» لا يمكن الاستهانة بهم، لأن لديهم خبرة طويلة في عالم الاختراق، وسبق أن أوقعوا بآلاف الحسابات، وعلى الرغم من أنه مبكر جدا معرفة مدى فعالية هذه الاستراتيجية، لكن مجموعة «أنونيموس» القوية يمكن أن تساعد في الحد من انتشار تنظيم الدولة وأعضائه على الانترنت، بحسب ما جاء في الصحيفة.
وذكر موقع «بزنس إنسايدر» الأمريكي الإثنين الماضي، أن شخصاً مقنّعاً ظهر في مقطع فيديو مهدداً التنظيم بالقول: «جماعة الأنونيموس ستلاحقكم في أنحاء العالم كافة، وسنبدأ في شن أكبر عملية ضدكم. استعدوا».
وأصدر التنظيم، مستخدماً تطبيق التراسل الفوري «تلغرام» تعليمات لأنصاره عن كيفية الحفاظ على حساباتهم من الاختراق من جانب جماعة «أنونيموس».
وشملت التعليمات باللغتين العربية والإنكليزية، تحذيرات من عدم التحدث إلى أشخاص لا يعرفونهم عبر موقع «تويتر» إضافة إلى تجاهل أي روابط تُرسل إليهم.
وأوضح الموقع أن «القراصنة هددوا في المقطع المصور بتنفيذ عملية اختراق كبيرة ضد التنظيم» فيما أشار التنظيم إلى أن القراصنة اخترقوا حتى الآن حسابات «تويتر» والبريد الالكتروني.
ونجحت «أنونيموس» باختراق موقع جماعة «أنصار الحق» المحسوبة على الجماعات المتطرفة، إلا أن الموقع عاد إلى العمل بعد ساعة واحدة من اختراقه.
اتصالات مشفرة
وبينما انهمكت أجهزة الاستخبارات والأمن الغربية في التحقيقات حول الهجمات التي استهدفت باريس، فقد ظهرت معلومات جديدة عن تنظيم الدولة الإسلامية وطريقة تجنبه الملاحقة على الانترنت، حيث تبين أن الاتصالات التي تجري بين عناصره مشفرة وبعيدة عن أعين أجهزة الأمن وراداراتهم، وأن لدى التنظيم خطا ساخنا يعمل على مدار الأربع وعشرين ساعة على الانترنت بهدف التجنيد والاستقطاب من مختلف أنحاء العالم. ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية عن مسؤولي الاستخبارات أن منفذي هجمات باريس استخدموا اتصالات مشفرة، ما يدفع إلى مراجعة بعيدة المدى لسياسة الولايات المتحدة الخاصة بجمع البيانات والمراقبة.
ونقلت الصحيفة عن رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور ريتشارد بير أن اللجنة ستبدأ مراجعة حول استخدام التشفير.
وفي الإطار نفسه قدم السناتور توم كوتون مشروع قانون لتمديد برنامج شامل لجمع بيانات الاتصالات الهاتفية، والمقرر أن ينتهي العمل به في نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر الحالي.
ورجح السيناتور الأمريكي بأن التشفير تم استخدامه للاتصال في بلجيكا وفرنسا وسوريا نظرا لأنه لم يتم اكتشاف أي اتصال مباشر بين منفذي تفجيرات باريس.
وبحسب تقرير لجريدة «دايلي ميل» البريطانية فان خبراء الاستخبارات الأمريكية والبريطانية تمكنوا من اكتشاف مكتب تكنولوجي تابع لتنظيم الدولة مهمته البقاء على اتصال مع أفراد الجماعة المكلفين بالقيام بالمهام على مدار الساعة.
وأعلن الخبراء أن تنظيم الدولة يستخدم خطاً ساخناً مشفراً على الانترنت على مدار 24 ساعة لا يمكن تعقبه لمساعدة المسلحين التابعين لها بشكل سري وتحريكهم وتزويدهم بالمعلومات.
وأضافت الصحيفة أن هناك فريقا متخصصا في تجنيد مزيد من الأتباع من كل دول العالم ويجندون يومياً العشرات من الشباب والفتيات ويقدمون إليهم الخطوات والتعليمات عن بعد.
وقالت «دايلي ميل» إن قدرات تنظيم الدولة على استخدام الانترنت تزداد تطوراً وأصبح لا يمكن السكوت عليها، لأنها لعبت دوراً محورياً في تنظيم هجمات في مختلف أنحاء العالم.
مجلة «دابق»: دعاية جديدة
وواصل تنظيم الدولة الإسلامية نشر دعايته الإعلامية بنجاح في أعقاب الهجمات التي استهدفت باريس، حيث صدر العدد الجديد من «دابق» باللغة الانكليزية (العدد 12) حافلاً بالتقارير والمقالات التي تمجد هجمات باريس وعملية إسقاط الطائرة الروسية فوق سيناء.
ووصفت المجلة العمليات المتزامنة في باريس بأنها «صدمت العالم وأثبتت أن الدولة ستظل صامدة ضد العدوان وستنتقم بالنار والدم لشرف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والأعداد الكبيرة من القتلى والجرحى الذين سقطوا في أرض الإسلام بسبب غارات الصليبيين الجوية».
وجاء في المجلة أن تدمير الطائرة الروسية فوق سيناء جاء «لتلقين الروس وحلفائهم أنه لا مأمن لهم في الجو والبر ببلاد الإسلام، وأن قتلهم لأهل الشام لن يجلب عليهم إلا المصائب» في إشارة إلى التدخل الروسي في سوريا.
ووضعت المجلة صورة للعبوة الناسفة التي فجرت من خلالها الطائرة، وهي على شكل علبة شراب مكتوب عليها «غولد».
وتحدثت المجلة بشكل مفصل عن مسار العمليات الميدانية في كل «الولايات» من دمشق وحلب وحمص وصلاح الدين والحجاز، مشيرة إلى أن انتحاريا قام بتفجير نفسه في نجران جنوبي السعودية في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2015.