«فعل حرب» ضد فرنسا.. وحرب سياسة على أولاند: هجمات باريس أنعشت خطاب اليمين وأعادت حديث الحرب على الإرهاب

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»:حالة من الخوف والترقب تلك التي تعيشها فرنسا بشكل عام، والعاصمة باريس وضواحيها بشكل خاص، عقب الاعتداءات الدامية التي شهدتها المدينة الجمعة 13 من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، وراح ضحيتها 129 قتيلا وأكثر من ثلاثمائة جريح. حالة الترقب هذه تأتي بعد تحذير رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس من خطر استخدام الإرهابيين أسلحة كيميائية وجرثومية في هجمات إرهابية جديدة «محتملة». وقد جدد الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند دعوته الشعب إلى «عدم الاستسلام للخوف». بينما وجهت المعارضة سهام انتقاداتها إلى الحكومة متهمة إياها بالتقصير في مكافحة الارهاب.  وشدد أولاند، في خطاب استثنائي أمام البرلمان الفرنسي بغرفتيه، في قصر فرساي، على أن فرنسا في «حالة حرب ضد الإرهاب» متمثلا في تنظيم «الدولة الإسلامية»، وأعلن عن مجموعة من الإجراءات الداخلية والخارجية لمكافحة الإرهاب.
 على الصعيد الداخلي، طلب أولاند تمديد حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر. ودعا في الوقت نفسه إلى مراجعة الدستور الفرنسي، حتى يتسنى للسلطات العامة «التحرك ضد الإرهاب الحربي». كما أعلن الرئيس الفرنسي عن تعزيز إمكانات أجهزة الشرطة والدرك والقضاء بـ8500 وظيفة إضافية مع حلول عام 2017، أي مع نهاية فترته الرئاسية.
خارجيا، شدد أولاند على أن تنظيم الدولة الإسلامية هو «العدو الرئيسي» لفرنسا والعالم، الأمر الذي وصفه مراقبون بالتحول في الموقف الفرنسي إزاء الأزمة السورية؛ فقد تمسكت باريس طويلا قبل اعتداءات الأخيرة، تمسكت بأن تنظيم «الدولة الإسلامية» والنظام السوري وجهان لعملة واحدة. وهو الموقف الذي دافع عنه بقوة وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في أكثر من إطلالة إعلامية له بمقولة «لا الأسد ولا الدولة الإسلامية». وقد عزز موقف فابيوس مرارا بموقف مشابه من وزير الدفاع جان ايف لودريان، الذي طالما اعتبر أن تنظيم «الدولة الإسلامية» هو عدو فرنسا وأن «بشار الأسد عدو شعبها»، حتى أن لودريان كان قد سعى منذ فترة طويلة إلى أن تتدخل فرنسا عسكريا في سوريا لقصف معاقل التنظيم.  مع الساعات الأولى لما بعد اعتداءات باريس، أعلن الرئيس الفرنسي عزم بلاده تكثيف عملياتها الجوية في سوريا لدحر «الدولة الإسلامية». وأعطى بعد ذلك بقليل أمرا بتسيير حاملة الطائرات «شارل ديغول» إلى شرق البحر المتوسط، وعلى متنها 26 مقاتلة فرنسية، فضلا عن 12 مقاتلة أخرى مرابطة في كل من الإمارات العربية المتحدة والأردن، ما سيتيح لفرنسا حسب وزير دفاعها مضاعفة قدراتها ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا.
 
حرب سياسية.. على أولاند!

أحزاب المعارضة الفرنسية تعاملت مع هذه الإجراءات بطريقة «نعم ولكن؟» مرحبة بتمديد حالة الطوارئ والحزم المصاحبة من الإجراءات المعلن عنها من قبل الرئيس الفرنسي. إلا أن ذلك لم يمنع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، الزعيم الحالي لحزب «الجمهوريين» اليميني، من توجيه سهام الانتقادات إلى حكومة مانويل فالس، متهما إياها بـ»إهدار وقت كثير» منذ الهجوم على مجلة «شارلي إيبدو» الساخرة ، في شهر كانون الثاني/يناير الماضي.
وطالب ساركوزي بحزمة جديدة من الإجراءات على غرار وضع الشرطة «سواراً إلكترونياً في أيدي المتطرفين المقيدين في سجلات الشرطة، لتتمكن الاستخبارات من مراقبتهم عن كثب»، كما طالب بتجريم الأشخاص الذين يدخلون مواقع الجماعات المتطرفة على الانترنت.
على هذا المنوال أو بخطاب أكثر راديكالية، واصلت زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» المتطرف، مارين لوبان، والمعروفة بمعاداتها للأجانب والمسلمين في فرنسا، قائلة إن الدولة الفرنسية أضعفت بسبب الهجمات الإرهابية الأخيرة وتعامل الحكومة معها. وشددت على ضرورة أن تستعيد فرنسا حدودها الوطنية وأن تعمل الحكومة الاشتراكية الحاكمة على إيقاف «تدفق المهاجرين» وبأسرع وقت ممكن وفق قولها، ولم تفوّت زعيمة اليمين المتطرف الفرصة كي تدعو إلى حظر جميع المنظمات الإسلامية وإغلاق المساجد «المتشددة» و»طرد الأجانب الذين يدعون إلى الكراهية من الأراضي الفرنسية».
ويعتبر الربط بين الإسلام المتطرف والهجرة، أنشودة قديمة متجددة لزعيمة اليمين المتطرف، لكن يرى متابعون للشأن الفرنسي أن لوبان تناست أنشودتها هذه فيما يتعلق باعتداءات يوم الجمعة، ذلك أن خمسة من بين الانتحاريين الذين نفذوا هجمات باريس، تبين أنهم فرنسيون وليسوا مهاجرين قادمين من سوريا أو غيرها.
في المقابل بدا الرد واضحا من الرئيس الفرنسي بشأن اللاجئين، حيث أكد أن بلاده لن تتردد في استقبال اللاجئين الفارين من الموت، وأنها ستحترم القرار السيادي الذي تعهدت به والقاضي باستقبال 30 ألف لاجئ، ولكن ذلك سيتم، بحسب أولاند، بعد التأكد من أنهم يريدون فعلاً اللجوء. وأوضح الرئيس المحسوب على التيار اليساري أن تعديلات ستطرأ على قانون استقبال اللاجئين، تسمح بسحب حق اللجوء من الأشخاص الذين يهددون أمن فرنسا.
كما وجهت مجموعة أخرى من السياسيين انتقادات لاذعة لحكومة فالس بشأن «علاقاتها الجيدة مع دول تقوم بتمويل جماعات جهادية تعتمد ما سموها بـ»الأيديولوجية الوهابية»، بل إن زعيم حزب اليسار جان لوك ميلانشون ذهب أبعد من ذلك متهما بعض الدول الغربية المشاركة في التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، بشراء بترول هذا التنظيم عن طريق تركيا كوسيط. فيما تحدثت صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية، من جهتها، عن وجود منح مالية تصل إلى التنظيم، من طرف منظمات إسلامية غير حكومية، في تركيا والسعودية.
وفي رد له على هذه الاتهامات، أكد وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أن الأجهزة الفرنسية المعنية قامت بعمليات التثبت الضرورية، وبأن ما تملكه الحكومة من معطيات لا يخول لها توجيه الاتهام لحكومات هذه الدول، وأوضح فابيوس أنه في حال ثبت ذلك في المستقبل، فإن علاقات بلاده مع تلك الدول ستتغير حتما بشكل كامل.
  
«ثغرات».. في مكافحة الإرهاب
 
في سياق متصل، تواجه السلطات الفرنسية انتقادات وتساؤلات عديدة من قبل بعض المراقبين ووسائل الإعلام، حول «عيوب منظومة الاستخبارات الأوروبية»، فعلى الرغم  من أن القوات الأمنية  الفرنسية حققت تقدما مهما، في إطار التحقيقات الجارية بشأن اعتداءات باريس، ونجاحها ـ أي القوات الأمنية ـ في القضاء على المدعو عبد الحميد أباعود الملقب بأبي عمر البلجيكي (28 عاما)، والذي يعتبر العقل المدبر لهجمات باريس، غير أن  تواجده في ضواحي العاصمة الفرنسية عنى ـ وفق المراقبين ـ فشلا ذريعا لسلطات مكافحة الإرهاب الأوروبية وفي طليعتها الفرنسية، بالأخص وأن أباعود كان معروفا لدى أجهزة الاستخبارات كأحد أخطر عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية»، ومع ذلك استطاع العودة إلى الأراضي الأوروبية العام الماضي، بعد رحلة إلى سوريا ليخطط لهجمات باريس ومن داخل أراضي الجمهورية الفرنسية.
 يضاف إلى ذلك، أن المدعو صلاح عبد السلام (26 عاما) المشتبه في أنه هو من استأجر السيارات الثلاث التي استخدمت في هجمات باريس، وشقيق أحد انتحاريي قاعة باتاكلان في باريس، كان يتحرك بحرية تامة بين الدول الأوروبية، خلال الأشهر الأخيرة ودون أن يتعرض لأي مضايقة، على الرغم من كونه هو الآخر مسجلا ومعروفا لدى الاستخبارات البلجيكية والفرنسية بتورطه في أعمال سرقة وتهريب مخدرات وعمليات سطو في بروكسل مع عبد الحميد أباعود العقل المدبر لهجمات باريس. ويحمل كل من أباعود وعبد السلام الجنسية البلجيكية.
إخفاق آخر يسجل للاستخبارات الفرنسية، يتعلق هذه المرة بإطلاقها سراح الفرنسي المدعو فابين كلين، وهو الذي ظهر لاحقا وهو يتلو نص البيان الذي يتبنى تنظيم «الدولة الإسلامية» فيه هجمات باريس. وكانت السلطات الفرنسية قد أطلقت سراحه في العام الماضي، بعد أن قضى أعواما خمسة في السجن مدانا بانضمامه إلى مجموعة متطرفة كانت تضم أيضا محمد مراح، منفذ الهجوم في مدينة تولوز عام 2012 والذي قتل فيه سبعة أشخاص. كما سبق لكلين أن هدد باستهداف قاعة باتاكلان ذاتها، لاشتباهه بأن مالكيها يهود صهاينة.
وقد لعب كلين دورا كبيرا في إقناع شباب فرنسيين بالانضمام إلى صفوف تنظيم «الدولة الإسلامية»، والذين تقدر السلطات الفرنسية عددهم بـ 600 شخص توجهوا إلى سوريا والعراق. وقد عاد منهم 250  إلى فرنسا، من بينهم عبد الحميد أباعود الذي يصنف «إرهابيا خطيرا». كما نشرت له صور، خلال فصل الشتاء المنصرم، في مجلة «دابق» التي يصدرها تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهو يفتخر بأنه نجح في الذهاب إلى بلجيكا للتخطيط لعملية أحبطت بعد مداهمة قامت بها الشرطة البلجيكية ثم عاد إلى سوريا من دون أن يتم رصده.
ويبدو أن الاتهامات التي انصبت على أجهزة الأمن الفرنسية حول «إخفاقاتها» دفعت ببعض الشخصيات الفرنسية إلى رمي الكرة في اتجاه الجانب البلجيكي، متهمين الأجهزة الأمنية البلجيكية بالتقصير وبأنها تتحمل مسؤولية السماح لخلية جهادية بالتخطيط من بروكسيل لشن هجمات في العاصمة الفرنسية. وقد خاطب القائد السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي، آلان شوات، السلطات البلجيكية قائلا إن البلجيكيين ومع أن لديهم العدد الأكبر من المتوجهين إلى سوريا من بين الدول الغربية إلا انهم ليسوا في المستوى.
الرد البلجيكي أتى سريعا، عبر  تصريح وزير الخارجية ديدييه ريندرس، الذي أوضح أن البلجيكيين  كانوا أول من تحمل الصدمة العام الماضي في المتحف اليهودي ببروكسل، والذي قتل فيه أربعة أشخاص، مشيرا إلى أن مرتكب هذا الاعتداء كان فرنسيا عائدا من سوريا، وأن ثلاثة فقط من مرتكبي هجمات باريس هم من قدموا من بلجيكا، أما الخمسة الباقون فهم فرنسيون.
وتشكل اعتداءات باريس سابقة من نوعها في أوروبا يتم فيها استخدام الأحزمة الناسفة في الأماكن المكتظة بالمدنيين. فالتصور السائد أن هذا النوع من الهجمات الإرهابية يحدث غالبا في البلدان التي تعيش «حالة حرب» على غرار أفغانستان. ومما لفت النظر أن منفذي هجوم باريس لم يعملوا كـ»ذئاب منفردة» خلال عملياتهم في قلب العاصمة الفرنسية، بل تحركوا ضمن خلية منظمة وبشكل متزامن. كما أن الجديد الآخر الذي أتت به هجمات باريس وتبعاتها هو بروز أول انتحارية في أوروبا، وهي قريبة عبد الحميد أباعود، العقل المدبر لتفجيرات باريس وتدعى حسناء آيت ولحسن الفرنسية من أصول مغربية، والبالغة من العمر 26 عاما. وقد فجرت نفسها داخل الشقة التي داهمتها الشرطة الفرنسية فجر الأربعاء، الشقة ذاتها التي لقي فيها أباعود حتفه واعتقل ثلاثة آخرون يشتبه في ضلوعهم في اعتداءات باريس.

آدم جابرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية