الخرطوم ـ «القدس العربي»: ظل النقد الفني في السودان يعاني من عدة إشكاليات طوال السنوات السابقة، لعدم وجود المجلات والدوريات المتخصصة، ومعروف أن الصحافة السودانية لعبت دورا كبيرا منذ مطلع القرن الماضي في التوثيق للفنون وشتى ضروب الإبداع في بلادنا، ونشأ بذلك تيار من النقاد الصحافيين هو الأكثر وجودا وتأثيرا، يقابله نقاد متخصصون في فترات متقطعة وبين أولئك وهؤلاء يستمر الشد والجذب.
يقول الفاتح الطاهر في ورقة بحثية بعنوان «محنة النقد الفني في السودان «إن النقد في جوهره ومرماه حوار معرفي لا يستهدف تقرير حقائق نهائية، بل يسعى للإسهام في تناول وتفهم الفن بوسيلة الاقتراح والحوار، لا بسلاح التقرير، وكلما اتسعت حرية الحوار بانت وتعمقت ديمقراطية النقد الأصيلة».
ويرى أن محنة النقد انعكست على الأغنية فهبط مستواها هبوطا مريعا، وإذا استمر الحال فسوف يستمر الهبوط حتى يستقر الغناء في هاوية الحضيض.. ويمكن أن نتخيل مدى الهبوط الذي وصلت إليه الأغنية اليوم إذا عرفنا أن حديث الطاهر كان في عام 1992..!
ويضع الفاتح الطاهر جملة خصائص ومميزات تساعد في تحقيق المهمة الاجتماعية للنقد، وهي «تصحيح ذوق الجمهور» ومن ضمنها أن يكون الناقد صاحب رؤية خاصة، وأن يكون على علم بتاريخ كل فنان حتى يقيس نتاجه الجديد، وأن يكون مدركا لحجم العطاء المبذول في مجاله، وأن يكون أقرب ما يكون لشخصية الفنان الخلاّق من حيث معرفته بكل مداخل ومخارج وأساليب عملية الخلق الفني.
وبالنسبة لمجال الدراما، يقول الناقد اليسع حسن أحمد، إن الكتابة في الصحف ارتبطت بالإنتاج الدرامي، الذي بدوره كان يعاني من قلة الإنتاج ويتأثر بالسياسة العامة للدولة، ويواصل في بحث له بعنوان «النقد الدرامي»، مشيرا إلى عدم تبلور منهج بملامح محددة يحمل سمات مدرسة سودانية في النقد الصحافي لكنه يقر بوقوفه على كتابات نقدية تتسم بالعلمية يمارسها كتاب متخصصون لكنها نادرة وتتصف بعدم الاستمرارية. ويقول إن «النقاد ومتخصصي الدراما كانوا على الدوام في غياب من الصفحات الثقافية وتركوا لغيرهم المجال لسد هذا الفراغ». ويضيف أن الكتابة في الصحافة كانت عبارة عن تطوع شخصي وغاب المردود المادي والأدبي، وبذلك اختفت الكتابات الراتبة والمستقرة أسماء كان يمكن أن تسهم في مسيرة النقد الدرامي.
وطالب اليسع بضرورة دعم الدولة المباشر للصفحات الثقافية والمتخصصة حتى تقف على أرضية صلبة، وتشجيع النقاد المتخصصين بتوفير الحد الأدنى من متطلبات الاستمرارية والكتابة، وارتباط مناهج النقد بمناهج الصحافة المتخصصة وتدريب الطلاب المتخصصين في النقد على الكتابة وطرقها ومدارسها.
الصحافي صلاح شعيب عمل في هذا المجال لسنوات طويلة ومازال يقدم رؤيته من مهجره في الولايات المتحدة ويقول حول هذا الموضوع، إن التعبير عن غياب النقد الفني المتخصص أملته أسباب عديدة، منها عدم وجود إعلام حر يتيح المجال لتطور هذا الضرب من النقد، كذلك عدم توفر كوادر مؤهلة تخرجها الجامعات المعنية، ويرى أنها أزمة ثقافة بالأساس، فالنقد، في شقه الأدبي والفني، عموما يعاني أزمة لا على المستوى القطري وإنما على مستوى الوطن العربي ككل، مساحته ضئيلة مقارنة مع مساحات الإعلام الرياضي، أو السياسي. ويعود ذلك إلى طبيعة تعلق الناس بما يجري في هذه الحيوات أكثر مما يجري في الحقل الثقافي، الذي هو حقل نخبة ومهتمين وقلة من الجمهور.
ويواصل شعيب حديثه ويقول: «الواقع أن الحديث عن النقد الفني ينبغي ألا يقتصر على الأغنية، أو المسرح، مثلا، فمصطلح «النقد الفني» يشمل كذلك الاهتمام بكل المنتجات الثقافية من تشكيل وموسيقى ورقص وشعر وسينما ورواية ونقد، وكثيرا ما يشتكي المبدعون من غياب هذا النقد، ولكن يدركون، حتما، أن الأرضيات الاجتماعية في بلادنا التي تعاني من ثالوث الفقر والمرض والجهل، لا يمكن أن تنتج ذلك النوع من النقد الذي يقدم باطراد تلك المعرفة التي تطور ذائقة المنتج والمتلقي.
ويخلص صلاح شعيب إلى أن أولوية المؤسسات الثقافية تسعى للحفاظ على نوع السلطة التي تمثلها أكثر من تمهيد المجال للآخرين لنقدها بما يطورها. ويضيف: «وإذ نقول بغياب النقد الفني فإننا نجأر بالشكوى أيضا من غياب مجلاته المتخصصة، في وقت لا تملك دولة المشروع الحضاري مجلة للطفل، أو مجلة ثقافية».
ويختم حديثه بالقول:»نحن نتحسر على غياب المسارح المؤهلة للعرض الفني، ومن غياب «استادات رياضية»، ومن عدم الاهتمام بالمبدعين بعد تقاعدهم، ومن هجرتهم، ومن عدم وجود حرية للصحافة، أو قل تحديدا الديمقراطية. ونعاني كذلك من غياب المعايير في اختيار (الوزراء) والمبدعين في المؤسسات الثقافية والإعلامية، ومن عدم وجود دور نشر وتوزيع كافية، ومن، ومن، إلخ. أردت القول فقط إن غياب النقد الفني يترافق مع «غيابات» لكل ما هو مؤسس ثقافيا في بلادنا، ولهذا نقول إنه متى ما نهض المجتمع، وعالج مشاكل الثقافي جميعها، فإن النقد الفني سيتطور تبعا لذلك.
صلاح الدين مصطفى