برلين ـ من محمد المطرود: إبراهيم اليوسف أحد الأسماء المهمة في المشهد الشعري السوري، بانتمائه تجييلاً إلى الثمانينيات، وهو كاتب وصحافي عمل في مجلات وملتقيات ساهمت في فتح كوة للشباب المحاصر إعلاميا في «الشمال الشرقي»، برز دوره واضحا في الثورة السورية وما قبلها كونه كرد سوريا يساريا، لاحقه النظام السوري في لقمة عيشه، وضيق الخناق عليه، نُقل نقلاً تعسفياً ومن ثم فصل من العمل، لجأ إلى الإمارات وحرر في صحفها إلى أن استطاعت أسرته الخروجَ إلى ألمانيا، ليلتحق بهم في ما بعد، ويبدأ رحلة جديدة من اللجوء.
■ تكاد تكتب الأجناس الأدبية جميعها وتعمل صحافيا وسياسيا، كيف توفق بينها جميعا؟
□ كتبت المسرح في بدايات تجربتي مع الكتابة، إلى جانب الشعر، وأقلعت عنه، كما كتبت القصة، إلى جانب المقال، بيد أن الشعر ظل هاجسي، ولما أزل أحاول أن تكون لي روايتي، خارج حدود مخطوطها الذي ظل حبيس الأدراج، كما أنني لم أنقطع عن الكتابة في الصحافة، وتفرغت لها في السنوات الأخيرة الماضية. عبر كل هذه الأدوات أسعى لأعبر عن «رسالتي»، بمستويات تعبيرية عدة، هاجسي في كل ذلك هو الآخر، وعندما أصطدم بـ»لاجدوى الكتابة» أنخرط إلى عالم السياسة، على نحو مباشر، لعل وعسى أستطيع فعل شيء، وأعترف بأن اشتغالي في محرقة «السياسة» كان على حساب مشروعي الإبداعي، إلى الدرجة التي لم أفكر خلال عقود بطباعة ما تركت من مخطوطات، ومنها ما هو جاهز، كما مخطوطي «ثنائية المثقف والسلطة: وئام أم خصام؟» إلى جانب سواه، وهو ما يحز في قلبي حقاً.
■ ما الذي استطاعت كتاباتنا جميعاً أن تفعله منذ مسافة زمنية مرئية، محددة، تتراوح ما بين بدء الثورة السورية وهذه اللحظة؟، ألم تغد أدواتنا قاصرة أمام هؤلاء الذين انخرطوا في الثورة السلمية، بصدورهم العارية، من دون أن يبالوا برصاص النظام؟
□ لقد تناولت عبر الكتابة أوجاع محيطي، بلا هوادة، وتبنيت قضية المظلومين والبسطاء، ومن بينهم أهلي الكرد، لقد كتبت في مواجهة»الفساد» و»الاستبداد» عبر ما هو متاح من الأدوات في كل مرحلة، بلا هوادة، دافعاً ضريبة ذلك، على حساب راحة وأمن وحياة أسرتي.
■ لا أدري لما أقرأ أحيانا هذا التمدد على هذه المساحة وكأنه عجز في الكتابة وجدواها؟
□ للشعر لغته وعالمه، وللمسرح أدواته وعالمه، وللمقال وظيفته، وللقصة عالمها، حاولت أن أوصل صوتي، ورؤاي بأكثر من وسيلة وأداة. أعرف أن التفرغ في أحد هذه المجالات، وليكن الشعر، كان من شأنه أن ينعكس إيجاباً لصالح- تجربتي- بيد أن إيماني بأهمية من أوجه إليه الخطاب، دعاني لأن أفكر بالوقوف إلى جانبه بكل ما أمكن من سبل، ولا أخفي أن عدم نشري لنتاجي الشعري منذ عقد ونصف العقد، وتحديداً بعد مجموعتي «الرسيس» التي صدرت عام 2000، كان نتيجة إحساسي بأن ضخامة آلة الاستبداد تفرض على كاهل كل امرئ غيري أن ينذر كل ما لديه في سبيل مواجهة هذه الآلة، ولعل متابع مسيرتي سيجد أنني لجأت إلى «المقال» وعالم الصحافة في فضح الانتهاكات التي كانت تتم، وهو ما جعلني أمضي أبعد من هذا، من خلال انخراطي في العمل الحقوقي والمدني أو النقابي، عبر أول محاولة – كردية-لتأسيس مؤسسات المجتمع المدني- وهو ما يعرفه كل متابع لهذا الشأن- أعرف الآن أنني دفعت ضريبة كبرى، ليس على صعيد التوقف عن الكتابة في بعض مجالات الإبداع – كما المسرح والقصة مثلاً- بل في إعدام بعض مخطوطاتي المنجزة، ومنها ما ظل أسير حبرها منذ ربع قرن وأكثر.
■ هل سأقرأ انحيازك الضمني للشعر أنك كتبت نصك الشعري بأفكاره وتقاناته الجديدتين، ووجدتَ نجاحاً عند متلقيك؟
□ ثمة تحولات كبرى تمت في عالم الشعر، كما يخيل إليّ، نتيجة هذه التبدلات الهائلة التي تمت في وسائل النشر، بل واشتعال وطيس حرب غريبة من نوعها، لاسيما أننا نعلم أنه بعد كل حرب عالمية فإن تطورات هائلة كانت تتم، من هنا بدأت أكتب نصي، وهو مفتوح على أسئلة اللحظة، ربما في قطيعة مع بعض الأدوات التي كنت اعتمدتها من قبل في نصي السابق، أما بالنسبة للحكم النقدي عليه فهو شأن سواي.
■ هل سمح لك الظرف الذي تعمل فيه بحيز تقرأ فيه نفسك من جديد على ضوء تحولات إنسانية وشعرية عميقة؟
□ أظن أنك تعني هنا النقلة الثانية في حياتي، أي بعد أن اضطررت للهجرة من مسقط رأسي بعد أن غدت حياتي مهددة جدياً بالخطر وانتقالي إلى الإمارات غير أنني لم أنقطع عن همومي، وعن أهلي هناك، وبت أخصص ما تبقى من وقت ضئيل فائض عن ساعات العمل والراحة لأجل ما اعتبره قضيتي الرئيسة، وإن كانت القصيدة لا تفتأ تطرق بوابات روحي تكتب نفسها بين وقت وآخر.
■ أستطيع القول إنك ولأجيال كنت عرابا لثقافة تخص منطقة معينة، وسوقت أناسا كثيرين، عبر منابر كنت فيها العصب الحساس، معظم تلك الأسماء اختفت، هل كانت رؤيتك خاطئة، أم أنك كنت مجاملا أكثر من اللازم؟
□ لا أعتقد أن المشروع الذي كنت أعكف على العمل عليه»مناطقياً» فحسب، كما يبدو من سؤالك، فقد عملت ضمن فضاء واسع أتصور أنه عنى بكثيرين- الكبار والمبتدئين في آن- ولعلك شاركت في بعض نشاطات «منتدى الثلاثاء» في بداية تجربتك، وهكذا بالنسبة لمجلة «مواسم»، حيث الكردي والعربي والسرياني والآشوري، وإن كنت في الحقيقة أعنى بالثقافة الكردية، والمواهب الإبداعية الكردية، على اعتبار أن الثقافة الكردية كانت مقموعة، وكان من اللازم عليّ العناية بها. بيد أنني أختلف معك في اعتبارك أن كل تلك المواهب ما عاد لها من أثر، بل هناك الكثيرون ممن اهتممت بهم، في بداياتهم، باتوا الآن قصاصين وشعراء وصحافيين ومسرحيين… إلخ، وهم معروفون على مستوى واسع، ولا أريد أن أشير إلى هاتيك الأسماء، تاركاً لها وللمنصفين من المتابعين وللتاريخ تلك المهمة.
■ أقرأ لك في الآونة الأخيرة فأجد بين سطورك أن أعداءك كثروا، وهم أصدقاء الأمس كما تكتب، ما الموضوع؟
□ أعتقد أن لكل امرئ صاحب موقف وحضور خصومه، وأنا شخصيا اختلفت في بداياتي مع عدد من هؤلاء «وجلهم كانوا ممن احتضنتهم ومواهبهم»، بيد أنه، وفي فترة ما بعد الثورة السورية، حيث باتت غرابيل فرز المواقف تعمل بوضوح، فإنه من الطبيعي وإزاء ثنائيتي الخير والشر، مادمت صاحب رؤى وموقف أن يتناسل أمثال هؤلاء، كما أنني تفاجأت من الذين باتوا يهرولون للبدء مما وصلت إليه، إذ راحوا يؤسسون بعض «الواجهات النقابية» التي اشتغلت عليها من قبل، على أمل أن تحقق لهم مواقع في المرحلة المقبلة، من دون أن يكون لهم حضور نضالي نقابي قبل ذلك، وهو شأنهم.
■ بصراحة.. ومن موقفك كسياسي وكاتب، ما الذي سيكسبه الكرد من هذه الثورة، خاصة أنك خبرت أحد أكبر الأطر المعارضة وعملت فيها؟
□ حول علاقة أهلي الكرد بالثورة عبرت عن آرائي منذ بدايات الثورة، كتابة، وانخراطاً فيها، ولعل شعاري دوماً أن»المظلوم» لا يفقد في»الثورة» إلا قيوده، بعد بعض التحوير للمقولة المعروفة في المعجم السياسي الماركسي، ثمة ظلم وقع على شعبي، ولم تستطع واجهات الثورة أن تستوعب حالة الكردي، بسبب وصول بعضهم، ممن لا يختلفون عن النظام في «استبدادهم» و»شوفينيتهم» إلى سدة قرار المعارضة، ما دعاني لأدير الظهر لهاتيك الواجهات، من دون أن أنقدها إلى بعض الوقت، لئلا أخدم «الطرف الآخر». وما حدث في الثورة السورية أن من مثلوا -الثورة – زوراً هم غير هؤلاء الذين بدؤوها سلمياً في المدن والأرياف السورية، وهو ما صنع هوة بين أطراف الثورة، كافة.
■ من رجل يعمل دائما، إلى لاجئ في ألمانيا، ستنتظر (السوسيال) كالآخرين، أم أن هناك مشاريع مقبلة؟
□ أجل، عملت وأنا قبل سن العشرين، وأمضيت خمسة وثلاثين عاماً من العمل لأؤمن لقمة العيش لأسرتي، من دون أن أجعلها تحتاج لأحد، وكانت السعادة تغمرني، رغم ما تعرضت له أثناء عملي من ضغوطات من قبل أجهزة النظام الحاكم، ولقد قاومت ألا ألجأ إلى أوروبا، وهو ما أعلنت عنه، فقد توجهت وبعض أبنائي إلى»الخليج» بعد أن ضاق بنا البلد، وبدت رؤوسنا مطلوبة، وظللت أعمل إلى اللحظة التي شارف فيها «جواز سفري السوري» على الانتهاء، ولعل من مصادفات القدر أن استقالتي – وهي في باطنها إقالة نتيجة الغياب بسبب انتهاء مدة الجواز تمت قبل أيام فحسب من»القوانين» الاضطرارية بما يخص»جوازات السفر». نحن لاجئو حرب، لاجئو الحرب الدائرة في بلدنا، وهو ما يخفف عني هول الصدمة، بعكس من لجأ من أجل «الرفاهية» والتطفل على»الآخرين، لاسيما بعد مرور أربع أو خمس سنوات على ابتعاد الطلاب من أسرتي عن مدارسهم، وجامعاتهم، لأن الدراسة في «الإمارات» جد مرهقة، لمن يمكن وصفهم بأصحاب «الدخل المحدود»، وكان عدم تمكن بناتي وأبنائي من متابعة دراساتهم، نتيجة سوء الوضع الاقتصادي يؤرقني، وسأظل في انتظار تلك اللحظة التي سأعود فيها إلى مسقط رأسي، شاكراً البلد الذي احتضننا بسخاء لا مثيل له.
■ أخيراً.. ماذا يريد إبراهيم اليوسف الكردي السوري من الحياة.
□ عبر هرولاتي على دروب الزمن، استطعت أن أقول علناً ما أريد، عبر عقود وعيي الحياتي، وثمة ثنائية أركز عليها: الحب والسلام، وهما يعنيان إلغاء معجم الاستبداد ونشر روح السمو والجمال، ونبذ استغلال الإنسان للإنسان، ما دامت الحياة ليست إلا قصيدة.