رقابة

حجم الخط
1

دائما ما تتوهج كلمة رقابة، ويزداد ترديدها، خاصة بين المثقفين، كلما حل موسم معارض الكتب في الوطن العربي، ومنعت بعض الكتب من المشاركة في تلك المعارض بواسطة لجان المراقبة، المعينة وظيفيا لأداء مهمة عادية جدا، مثل أي مهمة روتينية.
وقد توهج مصطلح رقابة، هذه الأيام بشدة، بمناسبة معرض الكويت الأربعين، الذي تقام فعالياته على أرض المعارض، في مدينة الكويت، ووجد كثير من الكتاب المحليين أو القادمين للمشاركة من أماكن أخرى، كتبهم غير موجودة في واجهات العرض لدى دور النشر، وقيل لم تتم أجازتها بواسطة الرقيب، وحقيقة، سواء كان للرقيب دخل في عدم وجود بعض الكتب، أو لا دخل له، تبدو مسألة الرقابة، موضوعا جديرا بالمناقشة، ذلك أنه من المواضيع التي تهم الثقافة كثيرا، بوصفه موازيا لها، ربما يدعمها وربما يحطمها، كما هو معروف.
الرقابة عموما، في رأيي الشخصي، وظيفة لا بد من وجودها، وإلغاؤها تماما، قد يحدث كثيرا من الفوضى، فلا نستطيع مثلا أن نلغي الرقابة في قاعات الامتحانات، وإلا اختلط من هو جدير بالنجاح، بمن هو غير جدير، وتدهور الغرض من التعليم في النهاية، أيضا لا نستطيع أن نلغي الرقابة على السلع والأغذية، لنترك المجال للسلع التالفة ومنتهية الصلاحية، والضارة والمسرطنة، بالوجود على رفوف البيع، وبالتالي دمار المجتمع، وبالنسبة لمراقبة الحدود والطرق، والمنشآت العامة في أي بلد، في الدنيا، فهذا أمر حتمي، ولا بد منه.
نأتي إلى مسألة الرقابة على الكتب، سواء كانت رقابة موسمية، تختص بفلترة الكتب القادمة للعرض، في مواسم معارض الكتب، أو تلك التي ستدخل إلى أي بلد، لتقيم في رفوف المكتبات، انتظارا لاقتنائها بواسطة قراء ما، وبديهي يوجد فرق بين الرقابتين، ففي حين أن الرقابة على المعارض، خفيفة في العادة، أو تم إلغاؤها في كثير من الدول، تظل الرقابة الدائمة، موجودة ومفعلة ونشيطة في ما يعرف بعملية الفسح.
لكن عن ماذا يبحث الرقيب، داخل الكتب عادة؟
الكتب بالطبع ليست إبداعية أي كتب شعر وقصة، ومقال أدبي فقط، فتوجد كتب دينية وفكرية واجتماعية، وكتب خواطر وطبخ وتنبؤ وتاريخ وغيرها، وكلها نتاج جهد إنساني بلا شك، وتحتمل أن تكون دررا رائعة الكتابة، أو وضعت بمناهج واضحة ونظريات بحث جذابة، أو مجرد هلوسات بلا معنى، كتبها البعض بحثا عن مجد وشهرة، من دون الاعتماد على موهبة حقيقية، خاصة في هذه الأيام، حيث غدا الكلام المكرر الركيك، شعرا، وأي صفحات بلا تصنيف ولا لغة ولا إبداع، رواية، تعرض على القراء بمباركة دور النشر التجارية، الباحثة عن الربح، لدرجة أن بعض الجوائز، اشترطت أن يكون النص منشورا على حساب الدار، ولم يدفع صاحبه من أجل النشر، حتى يقبل في السباق للجائزة.
إن تطرقنا للكتب الإبداعية، وهي أكثر الكتب لفتا لعين الرقيب، وأكثرها إثارة لمقصه، نجد فيها ما يستوجب التدخل رقابيا بالفعل، وما كان مظلوما منها، وتم إبعاده بلا معنى، فلا غضاضة من إبعاد كتاب غاص بالركاكة، ولغة الشوارع، والوصف الدقيق المتكرر للحظات الحميمة التي هي سلوك إنساني عريق، ولا يمكن التغاضي عنه في كتابة بعض الروايات، ولا مانع بالطبع من كتابة هذه المشاهد، لكن بقلم رشيق، يلقي عليها نظرة سريعة، ولا يتعمق في النظر. وبالنسبة للركاكة التي أعنيها، فهي الحديث باللغة التي إن سمعناها في الشارع، سددنا آذاننا، مثل لغة السباب والشتائم، واستخدام وصف الأعراض في العراك والمشاحنات، وكان وما يزال لي رأي في مسألة التعرض للدين، التي يعتبرها البعض حرية، ويسمح لنفسه بالخوض فيها بلا عوائق.هذه بالذات لا جدال فيها، فالمقدس يظل مقدسا، والذي لا يؤمن به، عليه مراعاة شعور مئات الملايين التي تؤمن به، الذي لا يصوم في رمضان، لا أحد يسأله، إن التزم بعدم صيامه في بيته، والذي لا يصلي، لا أحد يتعرض له، إن لم يلق بحجارة على المصلين، وهكذا.
الذي يحدث عادة كما أعتقد، أن يكون الرقيب الموظف، هو موظف عادي، مثل موظفي المالية والإدارة وشؤون العاملين، لا يخضع للتفكير الحر بقدر خضوعه للقوانين والأعراف السائدة، بمعنى أن الأعراف السائدة، فيها حماية لما هو من المفروض أن تتم حمايته بالفعل، وحماية لأشياء أخرى ليست في المستوى نفسه، وأعتقد أنه ليس من المفروض أن يمنع كتاب قصة لأن أحد شخوصه تم تعذيبه بواسطة سلطة ما، وتحدث المؤلف بلسانه عن ذلك الموضوع، كذلك سياسة الفقر والتجويع والظلم السائدة في أماكن ما، وتطرق لها مؤلف، ليست أسرارا يجب كتمها وبالتالي منع الكتب التي تتحدث عنها.
أحيانا ترد بعض العناوين لكتب، أو ترد بعض الكلمات، في كتب الروايات، ويفاجأ الكاتب أن عنوان كتابه، أو بعض الكلمات، ساهمت في إبعاد الكتاب عن القراء، وشخصيا عندي رواية بعنوان «اشتهاء»، منعت في كثير من الأماكن بسبب العنوان، ولا يوجد ما يستوجب منعها إن قرأنا لحم النص. واشتهاء مثل كلمات أخرى، من الكلمات التي تجعل الرقيب قلقا ومسورا بالشك، ويلجأ إلى الحل الأسرع والسليم في رأيه، أي أن يمنع عرض الكتاب.
هناك كلمات أخرى، استغرب فعلا من اعتبارها عورات تستوجب الستر مثل كلمة: فخذ، التي تمنع كتابا جيدا عن القراء، حتى لو كانت الجملة التي وردت فيها هي فخذ الدجاج، وكلمة مبيض التي هي عضو إخصاب في المرأة، ينتج البويضات، التي تذهب للتلقيح في الرحم، ولا علاقة له بالإثارة على الإطلاق، وكلمة رحم نفسها، تزيد هرمون الأدرنالين لدى الرقيب وتزعجه، وقد حكى لي أحد الزملاء، أنه كتب قصة غرفة مغلقة، يحاول البطل أن يتخيل ما وراءها، ومن تخيلاته، أن تكون امرأة نائمة وتحلم به، فاعترض الرقيب قبل النشر، وشوه القصة، وبالتالي لم يقم الكاتب بنشرها.
أعتقد أن الموضوع معقد كثيرا، ولا يبدو لي أن تصالحا ما سيحدث بين الإبداع والرقابة، إلا أن وضع رقيب من الكتاب أنفسهم، وهذا لن يحدث ولو حدث في يوم ما، فسينضم الكاتب – الرقيب للذين يقهرون الكتب، حفاظا على وظيفته.

كاتب سوداني

أمير تاج السر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية