لندن – «القدس العربي»: كتب إيان بلاك في صحيفة «الغارديان» أن الدول العربية تواجه ضغوطا من أجل بذل جهود أكبر للمشاركة في التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» وذلك بعد عام من مشاركتها في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وبدأ بشن غارات جوية على مواقع التنظيم، في كل من العراق وسوريا. ولكن الخلافات العربية – الإيرانية تعتبر عائقا أمام دور أكبر للدول العربية في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وفي الوقت الذي تشارك فيه قوات كردية سورية في العمليات ضد التنظيم ومقاتلين من «حزب الله» إلى جانب النظام السوري فقد بات العثور على شريك سني لقتال التنظيم أمرا صعبا. وسيكون مستحيلا بعد التركيز الدولي على محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» وتأجيل التعامل مع النظام السوري لما بعد هزيمة التهديد الجهادي الذي أثار مخاوف الدولة الغربية، خاصة بعد هجمات باريس يوم الجمعة 13 تشرين الثاني (نوفمبر). ورغم مشاركة كل من السعودية والإمارات العربية والأردن والبحرين في التحالف الدولي، وإن بالإسم، إلا ان حضور أسمائها في قائمة دول التحالف الذي توجه عملياته القيادة المركزية في قطر مهم من الناحية السياسية، وذلك لإظهار أن العملية دولية وليست أمريكية.
ونجحت المشاركة العربية في المراحل الأولى من الناحية الدعائية عندما شارك أمير سعودي في الغارات، بالإضافة لإماراتية قادت عملية وتم تداول صورتها بشكل واسع. وكانت النتائج في البداية جيدة، خاصة في أثناء حصار بلدة عين العرب/كوباني والتي وفرت فيها المقاتلات العربية دعما للمقاتلين الأكراد. ولكن المشاركة العربية تراجعت منذ أشهر بحيث قلت الطلعات أو توقفت. فالسعوديون بدأوا بحملة عسكرية ضد المتمردين الحوثيين الذين يتلقون دعما من إيران في اليمن، ولهذا ركزت كل جهودها العسكرية هناك. ويعلق بلاك أن «عملية العزيمة الصلبة» أثبت أنها غير صلبة أمام مشاكل الشرق الأوسط العصية على الحل، بعبارات المعهد الملكي للدراسات المتحدة في لندن. ويقول الكاتب إن المشكلة الرئيسية هي أن «تنظيم الدولة» هو عدو لأعداء الكثيرين من العرب – إيران والأسد الذي تدعمه طهران بشكل كبير منذ بداية الحرب الأهلية السورية. وينقل عن سلطان سعود القاسمي «على المدى البعيد لا يزال السعوديون يخشون إيران أكثر مما يخشون داعش». ويقول إميل هوكايم من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية «كل واحد يقول إنه ضد تنظيم الدولة ولكنه ليس على قائمة أولوياتهم، وهو ليس النقطة المبدئية المنظمة للسياسة في المنطقة».
ويقول الشركاء العرب في التحالف أن لا شيء قد تغير. فالغارات الجوية الفرنسية على مدينة الرقة «عاصمة» التنظيم شنتها المقاتلات من قواعد عسكرية في الأردن والإمارات مع أن طائرات هذين البلدين لم تشارك. ولم ينس أحد في الأردن حرق الطيار الأردني معاذ الكسباسبة في قفص حديدي. ودعا الملك سلمان، ملك السعودية لمضاعفة الجهود «لمحو هذه الآفة الخطيرة وتخليص العالم من مخاطرها. وشن التنظيم هجمات على مراكز شيعية في المملكة لنشر الفتنة الطائفية. ووصف الأمير تركي الفيصل، مدير المخابرات السعودي السابق التنظيم «بفاحش» وليس داعش.
دفاع
ويرفض السعوديون والقطريون الاتهامات الموجهة إليهم بأنهم كانوا وراء صعود «تنظيم الدولة» ومساعدة الجماعات الإسلامية هناك. ونقل الكاتب عن أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات قوله إن بلاده ردت على الطلب الأمريكي بزيادة الجهود «نحن في طليعة الحرب ضد الإرهاب وسنواصل هذا» و»ما نراه بوضوح هو أن لا أحد محصن». وفي اتجاه آخر تنشغل مصر بمواجهة تنظيم «أنصار بيت المقدس» الذي أعلن ولاءه لتنظيم الدولة ومسؤوليته عن تفجير الطائرة الروسية في شرم الشيخ انتقاما من مشاركة الطيران الروسي في الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد. ويرى الكاتب أن تحفظ الدول العربية عن المشاركة في الهجمات لا علاقة له بالقوة العسكرية، فبعض الدول مثل السعودية والإمارات تمتلك قوات جوية متقدمة وأنفقت المليارات على التسلح، لكنها منشغلة في اليمن.
وينقل عن عبدالله صالح باعبود وهو أكاديمي عماني قوله «تتبنى دول الخليج سياسات متناقضة»، «فمن ناحية هناك الموقف الرسمي لحرب داعش وفي الوقت نفسه منخرطة فيما تراه حربا ضد التسيد الشيعي/الفارسي في المنطقة. نعم، تريد الظهور بمظهر أنها تساعد حلفاءها ولكن هذه الدول منشغلة بالقضايا المحلية. ولا تريد الظهور بمظهر من يحارب السنة، وهذا هو وضع صعب بالنسبة لها». ويضيف الكاتب أن الشك العربي العميق من إيران زاد بنسبة كبيرة بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران في تموز (يوليو) هذا العام، وزاد التوتر تبادل الاتهامات بين إيران والسعودية حول كارثة الحج الأخيرة في منى. ويقول القاسمي «لا يمكن القول أن السعوديين هم المشكلة»، «فهم أيضا جزء من الحل، المسألة ليست أسود وأبيض، هناك منطقة رمادية أيضا. ولماذا يتدخلون لقتال عدو عدوهم، الأسد والإيرانيين؟ والكرة في ملعب الإيرانيين كي يقدموا بادرة حسن نية للسعوديين. وهو ما سيدفع الحوثيين لحضور محادثات السلام في اليمن بموقف أو يقللوا من خطابهم العدائي حول البحرين».
مخاوف محلية
ويرى الكاتب أن التردد البادي في العواصم الغربية يعكس المخاوف المحلية من التعاطف مع تنظيم الدولة والقاعدة في غياب الإصلاحات السياسية والجو القاتم الذي خلفه الربيع العربي. ويقول باعبود «نرى استقطابا رهيبا لا يدع مجال لأرضية مشتركة في داخل الحكومة والمجتمع وبين المثقفين». وأضاف «لا مجال للرأي الآخر. فإما معنا أو ضدهم، السنة والشيعة والفرس والعرب. ولم يتم التعامل مع الأزمة، وداعش هو العرض ويجب مواجهة الأسباب الرئيسية»، ويضيف «في الأحاديث الخاصة هناك الكثيرون ممن يدافعون عن داعش – وليس بالضرورة وحشيته ولكنهم يحاولون التبرير له بطريقة أو بأخرى. ويقولون: نعم، لقد قتلوا بعض الأشخاص، ولكن أنظر كم ذبح الأسد والميليشيا الشيعية من السوريين، أو كم قتلت إسرائيل من الفلسطينيين وأمريكا من العراقيين». ويقول بلاك أن المصالح القومية تتقدم على المصالح الإقليمية. وفي الوقت الذي تؤكد فيه تركيا على دعمها للحملة الدولية ضد «تنظيم الدولة» إلا أنها قلقة أكثر من الأكراد الذين تحاول احتواءهم. وفي السياق نفسه تقول إيران إنها تقاتل «التكفيريين» وتدعم نظام بشار الأسد ونظام بغداد.
وينقل بلاك عن جوزيف بهوت، الباحث اللبناني- الفرنسي في وقفية كارنيغي «طالما ظل الصدع مستمرا بين السعودية وإيران فلن تنضما إلى التحالف نفسه». وقال إن المعيق الثاني هو «مسألة الأسد، وطالما لن تحل فلن تكون قادرا على حشد القوى السنية سواء في سوريا أو بقية الدول العربية». وأضاف أن الفئة الوحيدة التي يمكن أن تقاتل تنظيم الدولة من دون وضع قوات برية على الأرض – هم السوريون الذين يقاتلون لتحرير بلدهم من تنظيم الدولة والنظام «ولن يشاركوا في قتال تنظيم الدولة ليعودوا إلى أقبية الأسد». ويوافق عبدالخالق عبدالله الذي يدرس في دبي على الرأي ويقول «المشكلة الرئيسية هو الاعتقاد ببقاء الأسد في السلطة وأن هناك حاجة له لهزيمة تنظيم الدولة. ونفكر بالعكس. فكلما استمر في السلطة كلما ظل تنظيم الدولة، ولا توجد أي طريقة لانضمام السنة في الخليج أو أي مكان للقتال. وكان السعوديون واضحين في هذه المسأل ونحن نتبعهم».
اختراق سياسي
ويأتي الحديث عن الدور العربي في ظل تحركات دولية ودعوات فرنسية لتحالف قوي ضد الجهاديين. ويبدو أن مسألة الأسد أصبحت بعد هجمات باريس متأخرة على التخلص من تنظيم الدولة. وترى صحيفة «فايننشال تايمز» أن هذا التطور كان مدعاة للأمل بحدوث اختراق سياسي وعقد صفقة مع روسيا التي تدافع عن الأسد. وتقول الصحيفة إن التفاؤل الغربي نابع من الإشارات التي أبدتها موسكو للتعاون والاعتقاد أن العملية العسكرية الروسية في سوريا تترنح. وتشير إلى أنه بعيدا عن التصريحات القوية التي تبعت هجمات باريس وسقوط الطائرة الروسية في سيناء المصرية هناك حديث هادئ في واشنطن وموسكو لإعادة التفكير في الأولويات المتعلقة بالأزمة السورية. وتضيف أن الدبلوماسيين في أوروبا وواشنطن عبروا عن دهشتهم من التقدم الذي تم تحقيقه في الأيام الماضية مع موسكو، فيما يتعلق بالتسوية السياسية في سوريا ومصير نظام بشار الأسد الذي تم تأجيل النظر فيه، أثناء محادثات فيينا هذا الشهر. ومع ذلك يقول الدبلوماسيون إن الروس كانوا داعمين للخطة الطموحة التي تمت مناقشتها لوقف إطلاق النار وتشكيل حكومة انتقالية.
ويقول المسؤولون إن الأيام المقبلة ستكون بمثابة امتحان للنوايا الروسية، حسبما قال دبلوماسي بريطاني. ومن الموضوعات التي سيبحثها الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند هذا الأسبوع مع نظيره الروسي ستتركز حول الضغط الذي ستمارسه روسيا على النظام السوري لتحقيق وقف إطلاق نار محلي مع جماعات المعارضة السورية. ورغم دعوة الرئيس هأولاند لتحالف دولي واسع، يشمل روسيا إلا أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أثار يوم الأحد عددا من التصريحات حول فكرة العمل وبشكل قريب مع روسيا، خاصة أن طيرانها استهدف جماعات المعارضة. وقال الرئيس أوباما «السؤال هو فيما إن قاموا بعمل تعديل يسمح لهم بأن يكونوا شركاء فاعلين معنا و65 دولة أعضاء في الحملة (المعادية لتنظيم الدولة)» وأضاف «نحن لا نعرف هذا بعد». ولكن المسؤولين الأمنيين الكبار في أوروبا قالوا إن روسيا راغبة في إيجاد حل دبلوماسي، لأن موسكو أخطأت تقدير ما يمكن للتدخل العسكري تحقيقه في سوريا. ويقول مسؤول «نظر الروس منذئذ تحت القبعة»، ووجدوا أن الجيش السوري والميليشيات التي تدعم الحملة غير قادرة على تحقيق النصر في الحرب. وفي ظل المقامرة التي لعبها الرئيس الروسي فالمحادثات الدبلوماسية تعتبر مهمة للروس أكثر من الغرب.
وذكر محللون في «إي أتش أس جينز» للشؤون الدفاعية الأمنية أن العملية العسكرية التي بدأها الجيش السوري بدعم من الطيران الروسي في بداية شهر تشرين الأول (أكتوبر) وسعت من مناطق سيطرة النظام بنسبة 0.4% أو 120 كيلو مترا مربعا. ونقل عن كولامب ستراك، المحلل البارز في مؤسسة جينز قوله « رغم تحقيق الحكومة تقدما واضحا في جنوب حلب واستطاعت كسر حصار تنظيم الدولة عن قاعدة راسين العبود الجوية، ولكنها عانت من نكسات أمام المعارضة السنية في خطوط القتال بحماة. وتعرض الطريق السريع الذي يربط دمشق وحمص لهجمات تنظيم الدولة». وفي الوقت الذي يقوم التنظيم بتجميع قواته في سوريا فهناك إمكانية لتوجيه ضربات للحكومة وقواتها، وهو ما يثير مخاوف روسيا التي ركزت كل جهودها الجوية على الجماعات المعارضة للنظام السوري. ولم توجه روسيا هجماتها للتنظيم إلا بعد هجمات باريس.
استعادة الرقة
وفي الوقت نفسه تتكاثف فيه الغيوم فوق مدينة الرقة. وهناك حديث عن حملة عسكرية قريبة ضد عاصمة ما يطلق عليها الخلافة. ولكن العملية لاستعاد الرقة تحتاج كما يقول عسكري بريطاني سابق 50.000 جندي وتقتضي تنسيقا معقدا لـ»حرب مئات الجيوش». وتقول صحيفة «التايمز» إن الجهاديين في المدينة بدأوا ببناء دفاعات وملاجئ وأنفاق في الوقت الذي تتجمع فيه قوات كردية وعربية في منطقة لا تبعد عنها سوى 20 ميلا. وتشير الصحيفة إلى أن الانتباه تركز على المدينة التي أطلق عليها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون «رأس الحية» وبعد قرار مجلس الأمن 2249 والذي دعا لاتخاذ كل الخطوات من أجل سحق الملجأ الآمن للتنظيم. ونقلت الصحيفة عن البريغادير بن باري، مدير برنامج الحروب البرية في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية أن السيطرة على المدينة يحتاج إلى قوة من 25.000 مقاتل تدعمهم الدبابات والطائرات.
وقال عسكري أمريكي طلب عدم ذكر اسمه أن عددا مشابها يجب توفره لحماية خطوط الإمداد والعمليات اللوجيستية من تركيا «في مناخ خطير ومعقد». وقال إنه يجب أن تكون العملية بقيادة عربية والتزام دولي بدعم مالي وعسكري. وتقول الصحيفة «تحتاج لغطاء من الأمم المتحدة ويجب أن تدخل الجامعة العربية، وهي مؤسسة غير فاعلة، من أجل ان تقود العملية». وتقول الصحيفة إن معظم الخبراء الذين تحدثت إليهم أكدوا على أهمية الدور الداعم للعملية. وقال الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان الأمريكية أن قوات غربية تقاتل تنظيم الدولة لوحدها قد تزيد من المتطوعين إلى جانب الجهاديين. فيما قال لورد ريتشاردز، قائد القوات البريطانية السابق إن العمليات اللوجيستية وعمليات الإجلاء مطلوبة في «حرب مئات الجيوش». وتضيف الصحيفة أن القوات الأردنية والتركية تعتبر من أقوى الجيوش القادرة على مواجهة التنظيم. ولكن الجيش التركي قد يواجه المقاتلين الأكراد الذين يطمحون لإقامة كيان خاص بهم. أما القوات الأردنية فهي صغيرة ولدى الأردن حدود طويلة مع سوريا. ولكن لورد ريتشاردز يرى ضرورة إشراك المقاتلين الأكراد في تحالف عسكري وكذا جيش الأسد. وفي الوقت الذي يعتقد فيه أن هذا لن يكون مقبولا سياسيا للقوى المعارضة لنظام الأسد إلا أنه ناقش أن تسوية سياسية ممكنة «لو تم التوصل لصفقة يوافق فيها الأسد على انتخابات بعد هزيمة تنظيم الدولة، فلماذا لا يوافقون؟».
وتضم القوى التي تقاتل الجهاديين في الشمال الأشوريين والإيزيديين والعرب والأكراد والتركمان وأبناء العشائر. وتلقى بعض هذه القوى دعما من قوى دولية وإقليمية. ونقل عن البريغادير باري أن البيشمركه في العراق والميليشيات الشيعية لديها مقاتلون أشداء مستعدون للقتال. ولكن أي تحالف واسع يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التنافس السني – الشيعي الذي برز من خلال الحرب بالوكالة بين إيران والسعودية في سوريا واليمن.
الفلوجة
وينظر القادة العسكريون لحصار الفلوجة عام 2004 كمثال يمكن تطبيقه على الرقة، ولكن لا مقارنة بين القدرات العسكرية التي توفرت للأمريكيين والقوى التي ستهاجم الرقة. ففي عام 2004 نشرت القوات الأمريكية 10.500 من قوات المارينز تلقت دعما جويا من مقاتلات ومروحيات إضافة لمشاركة 3.000 من القوات العراقية. ولم يستطع المارينز السيطرة على الفلوجة إلا بعد تمشيطها حيا حيا، حيث خسر الأمريكيون 95 جنديا وقتلوا 1.500 من المقاومة.
وهناك فرق آخر وهو ان سكان الفلوجة خرجوا منها قبل العملية، لكن تنظيم الدولة يحاول منع السكان من مغادرة الرقة. وتقول «التايمز» أن بعض المحللين الروس تبنوا فكرة «الأرض المحروقة» في الرقة فيما ذهب شبتاي شافيط، مدير الموساد السابق، أبعد من هذا ودعا «لمحو الرقة عن الخريطة مثل دريسدن».
إبراهيم درويش