يامـن ورحلة العذاب…

حجم الخط
1

لأنه يعيش النزوح والألم…
لأنه يعيش الحقيقة الصعبة، وربما لأنها الحقيقة التي يعيشها على مدار الساعة في الغرفة الباردة، غرفة العائلة الوحيدة، العائلة المؤلفة من ستة أفراد، أب وأم وأربعة من الأولاد…
ابتسم حين سألتهُ عن أحوالهِ وظروف أهلهِ الحياتية.
كان فرحا وهو يعيد شريط ذاكرته عن حلقات رحلة البؤس البطولية، وهو يخبرني كيف اختبأ في ذلك القبو في قرية «الحارة» في مدينة درعا في الجمهورية العربية السورية.
سألته ماذا يعمل والدك وكيف تعيشون وتدبرون أموركم؟
وكأنني أعدتهُ إلى الحياة، عندما بدأ يحدثني وينهي قصته بآلام زرعها في قلبي الممتلئ أصلاً بقصص دامية لا تنتهي، وأنا أعيش معهٌ كل فصول مرحلة الهروب والنزوح عن وطنه سوريا…
قال: والدي لا يعود إلى المنزل إلا في أوقاتٍ متأخرة من كل ليلة وهو يعمل في كل شيء ويحـــــاول فعل كل شيء حتى يأتي لنا بالطعام، إنه يعــــمل في السوق، يحمل الأغراض للمارة ويعــــبئ الســــيارات في البضاعة، حســبما يطلب منهُ، حتى إذا توفــــر له عمل من أعمال البناء يقوم بها، لكنه لا يتوقف عن العمل ولا يتوقف عن التأخر في عودته إلى البيت…
هربنا من بيتنا في درعا من قرية الحارة تحت القصف، وبقينا ساعاتٍ وساعات نركض حتى وصلنا إلى قبو تحت بناء كبير، بقينا هناك عدة أيام، نأكل فتات الخبز اليابس وما يُلقى أو يسقط سهواً ممن يهربون أو يموتون على الطرقات. بدأ من سبقونا إلى ذلك القبو يتركونهُ ويتجهون نحو العاصمة دمشق ومنها إلى لبنان.
قال يامن ابن الأحدَ عشرَ عاماً: كنت أشجع والدتي على الهرب، بينما كانت تبكي وتقول: إنها نسيت جميع الأوراق الرسمية من هويات ودفتر العائله وما يشير ويدل عن شخصياتنا في المنزل… كنت أشجعها وأحثها يوميا للذهاب، طمعا مني في الخلاص من جحيم الأصوات التي أسمعها، لكنها كانت خائفة من العودة إلى المنزل لجلب أوراقنا الرسمية، لأن هناك قناصا فوق إحدى الأبنية العالية، والموت ينتظر كل حركة في الطرقات، إلا أن معرفتنا بأحد عناصر الجيش وهو واحد من قريتنا، استطاع أن يؤمن خروجا آمنا لأمي نحو البيت، والعودة سريعا بتلك الأوراق اللعينة، ونحن نرتجف من صوت الصواريخ والقذائف حينا ومن خوفنا على أمي أحيانا أخرى… حملنا أجسادنا المتعبة والجائعة عبر ظلام الليل حتى مدينة دمشق، ومنها إلى الحدود اللبنانية، حيث وصلنا إلى منطقة البقاع الأوسط إلى قرية «جلالا»، حينها لعب الحظ لعبته، عندما قامت الجمعية النرويجية في استقبالنا ومساعدتنا.. وقاموا بوضعنا في منزل هناك، وكانوا يدفعون بدل الإيجار، واستمر ذلك لمدة عام، إلا أن الظروف تغــــــيرت، ولا أعرف ما الذي تغير في تلك المساعده حتى تتوقف وتتغــــير كل ظروف حــــياتنا. وها نحن اليوم في قرية سعد نايل في غرفة واحدة والمطبخ والحمام في مكان واحد، لنا جميعا أنا وأمي وأبي وأربعة من الأخوة والأخوات، ووالدي يعمل ليلا ونهارا لتأمين بدل إيجار تلك الغرفة الباردة الضيقة، بمعدل إيجار شهري، يقدر بـ 150 دولارا.
وها هو الشتاء…
لا أملك معطفا يقيني من البرد ولا أعلم كيف سيستطيع والدي تأمين ثمن المازوت للتدفئة أو حتى كيف سيشتري المدفأة أصلاً. وأخوتي لا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة لعدم قدرة والدي على دفع مصاريف نقلهم إلى المدرسة يوميا عبر باص المدرسة.. ما كان مني إلا أن أمسح بيدي على رأس يامن، واعداً إياه بفعل ما أستطيع لمساعدته… وفوراً وعند انتهاء يامن من دروسه، قمنا بمرافقتهِ أنا وفريق العمل في المركز حيث منزله، لنجد والدته تجمع بقايا الحطب وأحذية بلاستيكية لتضعها في وعاء يعدونه للتدفئه غير آبهين أو عارفين بمضار هذا الاحتراق وما يخلفه من سموم… يامن ليس واحدا مختلفا عن آلاف وملايين ممن يحملون كل هذه الآلام، فهنالك الكثير مثل يامن، يكشفهم لك يومياً فعل إيمانك بالعمل الإنساني والإغاثي… ربما تتعدد الأسماء، لكن تبقى المشكلة وتفرعاتها، قصة واحدة لملايين مثل «يامن»، ممن تركوا أحلامهم وتطلعاتهم على وسادة الوطن الجريح…

٭ كاتب فلسطيني/ لبنان

حسين جمعة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية