عمان ـ «القدس العربي» من آية الخوالدة: السينما كغيرها من الفنون كالنحت والرسم تحتاج إلى التطوير والتحديث على كلا الجانبين المضمون والشكل، والفعل السينمائي لا يفترض فيه أن يكون مقيداً بعامل الاتقان الحرفي، بل يتجه نحو مواكبة الحداثة الحاصلة في السينما العالمية في تقنياته ولغة الصورة.
حول أهمية تأثر المخرج بموجات الحداثة في السينما الغربية لخدمة الأعمال السينمائية وإضفاء عمق وغموض عليها، وجهت «القدس العربي» هذا السؤال لمجموعة من المخرجين والمنتجين العرب.
يؤمن المخرج العراقي قاسم حول بضرورة الاستفادة من المعدات والكاميرات الحديثة، بما أن الغرب أول من أول أوجد السينما. لكن في ما يتعلق بالمضمون، يرى حول أن الأساليب الحديثة في السينما بعيدة عن حياتنا، موضحا «نحن مقلدون لكل ما ينتج في الغرب، ونتناسى أن طبيعة الحياة العربية، ذات إيقاع بسيط وبطيء. ويفترض أن السينما انعكاس غير فوتوغرافي للواقع، ملتزمة بالشروط الموضوعية لقيم الجمال، بالإضافة إلى أن الإحساس بالواقع هو ما يضيف الجماليات الحقيقة التي تدفع الآخرين للإعجاب بها».
ويعتقد المخرج الكويتي خالد الصديق، أن العمل لإخراج فيلم ناجح يحتاج دراسة كافة الجوانب من السيناريو إلى الموضوع والتوزيع، وعلى المخرج أن يكون موسوعة متنقلة. معادلة صعبة بين أن يتقبله الجمهور البسيط السطحي للتسلية وأن تصل رسالته لكافة المستويات الثقافية الأخرى بمضمونه وشكلياته الفنية. وأضاف الصديق «ما يتحكم في عمل المخرج برأيي العمل نفسه والمشهد والبيئة المكونة للمشاهد والقصة نفسها، ولا علاقة للحداثة بالموضوع، وأنا أرفض التقليد قلبا وقالبا». وينصح الصديق الشباب المخرجين بضرورة التحلي بالجرأة، مبينا « أن المخرجين الشباب بحاجة إلى جرأة أكبر في طرح المواضيع والابتعاد عن المواضيع والأساليب المطروحة في السينما الغربية، وعليهم أن يسعوا جيدا ليجنبوا أنفسهم الخسارة، خاصة في الخليج، حيث لا يستطيعون الاعتماد على الكثافة السكانية في الخليج العربي من أجل إنجاح أفلامهم. فالمشاهد الخليجي يبحث عن السينما النجم، لذلك على المخرجين الشباب التوجه نحو المهرجانات الحقيقية».
ويشير الصديق إلى أن هنالك محاولات إخراجية قليلة في الكويت والإمارات، لكن التكاليف تبقى مرتفعة للغاية، لذلك يجب على العمل أن يحقق انتشارا وتوزيعا واسعين، كما يترتب عليه ان يرتفع بذائقة الجمهور، لا أن ينزل بمستوى أعماله إلى الحضيض.
من ناحيته لا يرى المنتج الأردني عصام حجاوي أن هنالك ما يمنع من أن يتأثر المخرج بأي مدرسة أو أسلوب سينما في العالم، طالما أن ذلك ينعكس إيجابيا على عمله من حيث السوية وممكن تعريب أي سيناريو ذي قصة جيدة، من دون المساس بالقيم والمبادئ السامية للمجتمع العربي، ومن الضرورة مواكبة التطور والاستفادة من خبرات الآخرين وإلا سنقف مكاننا والكل يتقدم. إلا أن حجاوي يرى أن مستوى الإخراج في تراجع، حيث أصبحت مهنة من لا مهنة له، موضحا «الإخراج هي المهنة الرئيسية في العمل الفني، وإذا لم يمتلك المخرج الثقافة العامة والوعي والفهم الدرامي والمعرفة التامة بالتقنيات الفنية وأن يتمتع باللغة البصرية فلن يكون هناك تقدم في أعمالنا الفنية».
ويتساءل المخرج الأردني بشار حمدان عما إذا كان ضروريا على المخرج حتى يثبت بأنه متمكن من أفلامه وصاحب رؤية متفردة أن يواكب الحداثة؟ خصوصا أن مرحلة الحداثة في السينما انتشرت في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وبعدها مرحلة ما بعد الحداثة ومن روادها مثلا جان لوك غودار وتاركوفسكي .
ما سبق لا يعني ألا يتأثر المخرج بموجات الحداثة على مستوى المضمون وأسلوب الإخراج، بقدر ما أن المشكلة هي ألا تصل أفلامه إلى الناس، بعيدا عن التعقيد والغوص كثيرا في الذاتية وزيادة الغموض، البساطة مطلوبة أيضا ولكن هذا لا يعني الانزلاق في السطحية.
ويضيف حمدان «لا مانع من أن يضفي المخرج عمقا وغموضا على الفيلم، بشرط ألا يترك الجمهور عرضة للحيرة وعدم الفهم واضطراره إلى حضور الفيلم عدة مرات حتى يستطيع فهمه أو قراءة العديد من التفاصيل المحيطة بالموضوع الذي يطرحه الفيلم».
وبعيدا عن المفهوم الفكري للحداثة، يرى أنه إذا اعتبر السينما فنا يعتمد على تطور التقنيات في التصوير والمونتاج فهي فن حداثي، أضافة إلى أن السينما نفسها ولطبيعتها التي يمكن أن تتضمن كافة الفنون فلا بد أن تواكب كافة التغيرات التي تطال معظم التحولات الحياتية على مختلف الأصعدة، وبالتالي هذا يستوجب أحيانا كثيرة ضرورة التطوير (التحديث) على عناصر السرد واللغة البصرية وكيفية الأداء. اما في ما يتعلق بتوجه المخرجين العرب نحو التقليد في أعمالهم والتكرار فيها، يوضح حمدان «المخرج الناجح يتميز بأسلوبه الخاص، ومنهجه الفكري الذي يستند إليه في إخراج أفلامه، ولا يعني أن المخرج إذا تأثر بالبلد الذي درس فيه أن يبتعد عن تقديم أفلام تعكس واقع البلد الذي أتى منه بالأصل، ولو أخذنا على سبيل المثال الفيلم الأردني «ذيب» للمخرج ناجي أبو نوار الذي استطاع الوصول إلى العالمية، فقد نجح المخرج في تقديم فيلم بحكبة سينمائية وبنية درامية عميقة وأسلوب إخراجي لا يبعدك عن الفكرة الأساسية للفيلم والمرتبطة بالمجتمع البدوي في الأردن وعاداته وتقاليده، حتى في اختياره للممثلين وطريقة الأداء، على الرغم من أنه كان يحكي قصة تاريخية تعود إلى زمن الحرب العالمية الأولى، ولم يكن منفصلا عن الواقع ولم يلجأ لتقنيات إخراج عالمية بهدف الإبهار البصري ولا تعقيد للحبكة الأساسية حتى يزيد من عنصر التشويق والحركة فيه.