العقل العربي أمام محاكم التفتيش

حجم الخط
0

«العقل الذي نريده لا يوجد في التراث بل في الحاضر ولكنه يوجد رهن الاعتقال الاحتياطي».
من أجل أن تتهاوى دعائم الاستبداد، وتنهار بناية الطغاة، يجب على الشعب ألا ينصاع لقوانينهم، ويتمرد على سلطتهم، يخاطب مسلييه الشعب قائلا: «إن أولادكم، وأهاليكم، وأصدقاءكم هم جميعا في خدمة الطغاة، ولولاهم ولولاكم لعجز هؤلاء الطغاة على القيام بأي عمل.. لا تقدموا شيئا لهؤلاء المتعجرفين وعديمي الجدوى؛ لا تعطوا شيئا للرهبان والكهنة، ولهؤلاء النبلاء الذين لا يكنون لكم سوى الازدراء.. ولسوف ترون كيف سيجفون كما تجف الأعشاب التي حرمت جذورها من امتصاص نسخ الأرض».
لقد آن الأوان لتحرير هذا الشعب المضطهد بيد أن هذا التحرير لن يتم إلا من خلال انتشار الوعي بين أفراد الشعب، لأنه من الطبيعي أن يكره الإنسان العبودية ويدافع عن نفسه جور الظلم، ولن يعيد الشعب العدالة الاجتماعية إلى نصابها إلا إذا خاض غمار النضال ضد الطغاة، هؤلاء المجانين بالثروة والسلطة وحب الشهوات الحسية: «ولن يعي المضطهدون حقهم في الكفاح من أجل سعادتهم على هذه الأرض إلا إذا تحرروا من الكهنة ورهبان السياسة». الواقع أن الاستبداد السياسي تحريف للعقد الاجتماعي، في نظر روسو: «لأن الشعوب قد نصبت عليها قادة ليدافعوا عن حريتها، لا ليستعبدوها»، فبأي حق يستعبد الإنسان الإنسان؟ وكيف أضحى بعضهم يقضي نحبه جوعا، وبعضهم الآخر يقضيه تخمة؟ فمن يأمر بهذه اللامساواة؟
لا نريد صياغة المأساة في أسئلة فلسفية لأنه لا معنى لهذا الكتاب إذا توجه إلى النظر الفلسفي، وترك النضال السياسي بلا حماية نظرية يتم اقتحام مسكنه من قبل الجهال الأشرار الذين يستعبدون البشر: «لقد ولد الإنسان حرا، لكنه كبل بالأصفاد في كل مكان»، كما جاء في العقد الاجتماعي، لأنه بدون التعاقد السياسي، تظل السياسة مجرد خداع وتضليل تدافع عن اللامساواة والحكم على الشعب بالعبودية والشقاء. لابد للشعب من ميثاق سياسي كمعيار تقوم عليه فرضية العقد الاجتماعي، خاصة عندما ينصهر في الوعي الذاتي: «فما من شعب يصبح شعبا بلا ميثاق. فعن هذا العقد وحده ينشأ المجتمع». أما إذا خضع أناس مشتتون لفرد واحد فإن روسو لا يرى في هذه الحال سوى سيد وعبيد، في غياب أي تعاقد سياسي، لا نملك غير الاستغراب من هذه السياسة البدائية المتوحشة، حين ترفض التعاقد الاجتماعي مع الشعب الذي يشقى من أجل حصول الحكام على رواتب باهظة، ومع ذلك يتم احتقاره، وحرمانه من لقب المواطن مادام أنه لا يملك السيادة، والحرية المدنية، ويظل حيوانا محدودا وغبيا، يعيش حالة الحرب والفوضى، ولعل هذا بالذات ما يعجل بانهيار الجسم السياسي، وهلاك هبة الدولة، فما العمل إذن؟ هل هناك من استراتيجية سياسية تنقل المجتمع من الفوضى والحرب إلى النظام والسلم؟ وكيف يمكن تطبيقها؟ وهل بإمكان الفرد أن يصبح إنسانا اجتماعيا بدون أن يحصل على لقب المواطن؟
ثمة إذن تأملات فلسفية في الأوضاع التراجيدية للإنسان عندنا الذي يمرح بالاحتفال الجنائزي، إذ بدلا من أن يدافع عن حقوقه تحول إلى وحش مفترس لحقوق الآخرين. ولذلك فإن الميثاق الاجتماعي هو أداة لبناء المجتمع المدني الذي يحكم على السلوك الإنساني بارتداء طابع أخلاقي، ويضع العدل محل الغريزة، ونداء الواجب محل اندفاع الجسد، والحق محل الشهوات الجنسية، وبلغة روسو، الذي يقول بأن الإنسان سيصبح إنسانا عندما يخضع لشروط العقد الاجتماعي وسيشعر بالحماية والأمن والكرامة، ولن يخسر سوى حريته البدائية ويربح الحرية المدنية، لأن الإنسان كائن مدني، ومع ذلك لا يعرف ما الذي يريده، وبالأحرى كيفية تحقيقه. لكن ما العمل؟ وبعبارة الفكر السياسي كيف يمكن إدماج الأفراد في الجسم السياسي؟ وما الذي ينبغي فعله من أجل تحقيق الصالح العام في إطار العقد الاجتماعي؟ بل ما هو الصالح العام؟
لا يتركنا روسو نتيه طويلا، عندما يجعل من غاية العقد الاجتماعي تشييد المشيئة العامة، باعتبارها وجها مشرقا للصالح العام، الذي تتحدد ماهيته، من خلال الحرية والمساواة، لأنه إذا كان هدف العقد الاجتماعي هو الحفاظ على حياة المواطنين، فإن هذه الحياة لا معنى لها بدون حرية ومساواة، فبغيابهما يفقد الإنسان لقب المواطن ويتحول إلى فرد من الرعايا، أي ينتقل من فرد حر إلى عبد يفقد الحق في التشريع للقوانين التي ستحكمه: «فالحرية والمساواة هما المبدآن للتشريع الصالح، بل المطلوب». ولذلك فإن روسو يرفض تلك التشريعات التي تتم خارج المشيئة العامة، لأنها بعيدة عن مصلحة الشعب، وتفتقد إلى المصداقية مادامت تتحرك ضد إرادة الشعب، حيث تحرمه من الحرية والمساواة: «كل قانون لم يصادق عليه الشعب شخصيا هو بحكم اللاغي، وما هو بقانون»، فأين تكمن مصلحة الشعب؟ هل في سياسة الخداع والتضليل؟ أم في سياسة العقد الاجتماعي». في ظل هذا الانتظار الشرس يتماثل جسم الشعب للشفاء من خلال ترياق المشيئة العامة التي تختار المصلحة العامة كغاية أسمى، ذلك أن المشيئة العامة: «مستقيمة على الدوام ولا تنزع إلا إلى المنفعة العامة». ولمن تكون نعمة للشعب أم للدولة؟ وهل يمكن الحديث عنها في غياب الدولة المدنية؟
يستغل روسو البرهان الرياضي من أجل بناء تصوره لمفهوم المشيئة العامة المعبرة عن المصلحة المشتركة لجميع المواطنين، حيث يقول: «لنحذف من مجموع المشيئات الخاصة الزوائد والنواقص التي يلغي بعضها بعضا، نحصل في مجموع الفروق على المشيئة العامة»، ومادام أن المشيئة العامة تخضع لمبدأ الزيادة والنقصان، فإنها في حقيقتها كمال لما هو كامل. ومن طبيعة الكمال الرفض المطلق للنقصان، ولذلك فإن الإنسان بما هو إنسان لا يحقق ماهيته إلا في الكمال، أما عندما يستعبد فإنه يفقد هذه الماهية.ومن الحكمة أن يقاتل الإنسان في سبيل الحرية والمساواة ليحقق كماله في المشيئة العامة. «خير للإنسان أن يكون مجنونا بين المجانين من أن ينفرد بالحكمة».
لا نريد الضياع في هذا التشاؤم الذي خيم على ديدرو في آخر أيامه، عندما شك في إمكانية تغيير المجتمع بواسطة العقل. مادام أن الشعب غارق في لهيب الوجدان، لكن إذا لم يحرر العقل هذا الشعب، فمن سيحرره؟ هل يحرر الظلام التنوير؟ أم أن التنوير هو الذي يبدد الظلام؟ لابد للعقل أن يستعيد حقه في مقاومة الاستبداد السياسي والظلام الفكري، لأن تقدم العقل لا يتم إلا في الأنوار المبتهجة بشروق شمس الحرية، ذلك أن إبداع القيود التي تغل الإنسان، مخالف لنور العقل، ولذلك فإنه كلما انتشر التنوير وتألق العقل ظهرت المساواة والحرية، معادلة منطقية لا يلغيها إلا الطغاة، مرضى النفوس إنهم يأكلون ويتناسلون بدون متعة، ولا يجدون في الحياة غير اكتناز الثروات، واحتقار الشعب، وحرمانه من وسائل العيش، ولذلك يخاطبهم ديدرو قائلا: إن مصيركم مضمون: فلعنة الأجيال تنتظركم، ومحكمة التاريخ تستدعيكم.
كم أعجبني شعار فلسفة الأنوار حين توجه إلى الاستبداد بلغة الاستبداد، لأن كل حكم لا يقوم إلا على القوة، لا يزول إلا بالقوة يتم إرجاعه بالقوة، ذلك أن الطغاة لا يتحاورون، لأنهم مصابون بداء الصمم، مادام أنهم يتقنون لغة العنف، فينبغي إقلاعهم بالعنف، ولذلك فإن التغييرات السياسية لا تتم دائما بالطرق السلمية، بل بالثورات، شريطة ألا تستغل هذه الثروات من قبل القوى الظلامية، إذ يجب على المواطنين الأحرار مناصرة المدافعين عن الحرية والمساواة والكرامة، وترك أصحاب الخرافة السياسية والتطرف الديني والهيمنة الخطابية والسوفسطائية.

كاتب مغربي

عزيز حدادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية