حسن حسني عبد الوهاب… العقيدة وعلاقة الفرد بقناعته

حجم الخط
1

في مثل هذا الشهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1968 رحل عن هذا العالم رجل من تونس اسمه حسن حسني عبد الوهاب.
وإنما أستعيد شيئا من سيرته في هذه الذكرى السابعة والأربعين لرحيله، لأن حبه لوطنه تونس له مذاق خاص، فكثير من الناس يحبون أوطانهم، ويدافعون عنها ويضحون، وإن كانت هذه الصورة بدأت بالشحوب هذه الأيام في بعض البلدان نتيجة ظروف قاهرة، أو يراد لها أن تكون قاهرة. ولكنهم ـ غالبا ـ يجلدون التاريخ أو بعض صفحاته، بسبب انتماء عرقي أو طائفي أو ديني أو حتى قبلي. أما حب حسن حسني عبد الوهاب، فشيء مختلف، كما سيتضح. ولا أريد ان أسبق التعريف بالاستنتاج، فلنبدأ من البداية.
ومسبقا أقرر أني لم أعرفه، ولم ألتقِ به، ولا أعرف شيئا عنه إلاّ ما استجليته من كتبه، أو ما اطّلعت عليه من تآليفه. ويكفيني ذلك، إذ لا يعنيني أي شيء خارج إطار الثقافة والفكر، ولست مؤهلا للحديث عمّا سوى ذلك. وكيف تريد مني أن أتحدث عن شيء أجهله؟ وكان أول عهدي بكتاباته مقالته:
(COUP D’OEIL GENERALE SUR LES RAPPORTS ETHNIQUES ETRANGERS EN TUNISIE)
عن امتزاج عناصر السكان في تونس، الذي يكشف عن أنه أحبّ تونس حبّا جما، وأحبّ بالتالي كل من أحيا أرضها وأعلا بنيانها، كل من ابتنى بها دارا أو أقام فيها مزرعة أو شيّد حصنا، أو افتتح مسجدا أو مدرسة للعلم، أحب كل من أنشأ مستشفى لعلاج المرضى، وكل من مهّد طريقا للسابلة الراجلين والراكبين، كل من ألف كتابا، كل من زرع في نفوس الناس الألفة والتضامن والتفاهم.. كل من تعاون مع الآخرين، كل من ساعد فقيرا أو محتاجا.. أيّا كان فاعل ذلك. فتراه يعرض لعناصر السكان من غير ما تعصّب ولا أحقاد فإذا ما اضطرّ إلى نقد حادثة تاريخية فتراه ينقدها بكل موضوعية وحُسن قول، غير متعصب لجنس ولا مذهب ولا دين مع اعتزازه بكل تراثه والتزامه بقناعاته. وتراه يعرض للتيارات التي مرت على تونس منذ الفينيقيين والرومان والأغالبة وإلى العبيديين والصنهاجيين ثم الأتراك.. على الاختلافات التي كانت بينهم، فلا تلمس عنده تحاملا ولا تعصبا.
هل أقول أنّ حسن حسني عبد الوهاب محصلة النفس التونسية وواحد من خيرة الباحثين في تاريخها الحضاري وهويتها الثقافية؟ أم أقول إنّه كان متفردا ومغردا خارج سربه؟
أعتقد أن القول الأول أولى أن نأخذ به.. ولعلّ من أبرز كتابات حسن حسنِي عبد الوهاب كتاب «ورقات» بأجزائه الثلاثة التي تجاوزت الألف والخمسمئة صفحة، علما أنّها مستلة من موسوعة يسميها عبد الوهاب «كتاب العمر» الذي لم يُتَح له أن يطبعه رغبة منه في الكمال والاكتمال، وأين الإنسان من الكمال والاكتمال؟ ثم طبع لاحقا.

قراءة في الورقات الأولى

في القسم الأول من «ورقات» يصف المؤلف عمله في كتاب العمر بقوله: «والكتاب الذي أشير إليه يتضمن كل ما يمتّ بصلة إلى تاريخ العلم والاجتماع والأدب والفن في البلاد التونسية، منذ استقرت طلائع النور العربي إلى هذا الزمن القريب».
ونتيجة هذا العناء في الغوص في أعماق التاريخ والبحث عن اللآلئ المضيئة، يصل المؤلف إلى حقيقة علمية لا يجد مفرّا من تأكيدها بقوله: «عرف هذا القطر بسكانه الأصليين من البربر وهم (الأفر) (Afer) الذين أورثوا اسمهم البلاد التونسية، فعرفت بأفريقيا، بل أورثوه قارة كاملة هي الربع المعمور من الدنيا. وقد فزع أولا الفينيقيون إلى تونس، فالرومان، فالوندال، فالعرب، فالإسبان، فالترك ثم الإفرنج. وكانت هذه الأمم الفاتحة تفد عليها تباعا حاملة ثمرات كدّها، ونتائج سعيها، وأصول نظاماتها، وصور تشكيلاتها، وطرائق معائشها، وأنواع فنونها، وصنوف لغاتها. وكانت بمجرد توطّنها واستقرارها تنشر لقاحها فيمن حولها من السكان ـ بقصد أو بغير قصد ـ ثم أنها لا تلبث أن تنعزل عن أرومتها، وتتحول عن صبغتها الأولى، وتندمج في العنصرية التونسية الخالدة وهكذا تسنّى لتونس ابتلاع المتغلبين على أمرها، وهضمهم جميعا، وجعلهم تونسيين».
ومن وجهة نظره فإن هذا التمازج الحضاري كان له تأثيره الكبير في إذكاء روح الحضارة في البلاد، لأن الناس كانوا يواجهون التحدي بتحدّ مثله، فيضيفون إلى ما لدى الآخرين ما يبتكرونه هم وما يبدعونه
ونستطيع القول ـ ولسنا هنا في وارد عرض محتويات ما كتبه المرحوم عبد الوهاب ـ إن القسم الأول من الورقات انصرف للقيروان، هذه المدينة القديمة العريقة. وهو يؤكد على أن عقبة بن نافع هو الذي أنشأ القيروان، التي تعنِي المعسكر أو الموضع الذي يتمركز فيه الجيش، ولكننا نعلم أن عقبة بن نافع لم يكن لديه قمر صناعي يحدد له موقعا صالحا لجنده وعوائلهم. ولم تكن له معرفة شخصية بالمنطقة وخصائصها الجغرافية والسكانية، فكيف اهتدى إلى موقع القيروان؟
ومع أهمالنا لخرافة الجن والوحوش الذين طردهم عقبة من القيروان، نؤكد أن ثمة علاقات وطيدة بين المشرق والمغرب من قبل عصر الفتوحات. ولا نشك في وحدة النسب ووحدة الأصل بين عناصر السكان من الجانبين. وإلاّ فكيف كانت تلك الجيوش تتنقل من مكان إلى آخر؟ وكيف تهتدي إلى موضع تقيم فيه معسكرها؟ ستقول لي أن الأدلاء هم الذين يقومون بذلك. وهذا صحيح جدا، ولكنْ كيف عرف هؤلاء الأدلاء الطريق؟ وكيف عرفوا المواقع الملائمة للسكن والتعسكر؟ هل كانت ثمة جامعات وأكاديميات تعرفهم بذلك؟ هل ثمة خرائط علمية صحيحة بين أيديهم؟ وعلى فرض وجودها مَن رسمها وحدد أبعادها؟ وكيف تسنّى له ذلك؟ لهذا لا نجد مفرا من الاقتناع بوحدة الأصل بين أقوام تلك الأزمان. فلما انتشروا في أرجاء الأرض كان من الطبيعي أن تعرف كل مجموعة سكانية موطن المجموعة الأخرى. وثمة شواهد جمة دالة على صدق هذه الرؤية. فلا عجب أن يلتفت عبد الوهاب لهذه الحقيقة فيؤكد الأبعاد التاريخية للصلات بين عناصر السكان المتنوعة في تونس، بدءا من الذين هاجروا إليها واستقروا فيها، بعد انتشار البشر في أرجاء الأرض، وحين صار لكل مجموعة بشرية موطن وموئل، وليس انتهاء بالتواصل السلمي والحربي بين تلك الـمَواطن والـمَوائل لأسباب شتى. وبالتأكيد فإن العناصر السكانية لم تنزل بمظلة فضائية، بل كان الناس ينتقلون من موضع إلى آخر، ما بين جزيرة العرب وأقصى المغرب، لأسباب شتى.
كما يُعنَى المؤلف – في هذا القسم الأول من ورقاته – ببيان طبقات الفلاسفة والأدباء والشعراء والأطباء الذين ظهروا في القيروان، وعملوا على تطوير البلاد التونسية ومهدوا لها سبيل الرقي والتقدم. وهو، في كل ذلك، يثنِي عليهم ثناء عاطرا، من غير أن يحتكم في ثنائه إلا على ما أنجزه الواحد منهم، بغض النظر عن عنصره ومعتقده، وعن طوله وعرضه وقوة عضلاته

قراءات في الورقات الثوانِي

إذا كانت تونس كلها عشقَ حسن حسنِي عبد الوهاب، فإن سوسة نبضات قلب ذلك العشق.
وإذا كان التاريخ التونسي موئل افتخاره، فإن عهد الأغالبة محور ذلك الموئل ومستقرّه.
ولقد اجتمع العشقان: عشق سوسة وعشق الأغالبة في هذا القسم الثاني من كتاب (ورقات) حتى سمّى أول أبواب كتابه بـ(سوسة الأغلبية من مظاهر عظمة تونس) وهذه التسمية الممتزجة بين المدينة والتاريخ لم تظهر فيما كتبه عن المدن الأخرى بما فيها القيروان، والمهدية، والمونستير، وتونس العاصمة، وغيرها. مع تعبيره عن حبّه لها جميعا، وإشادته الدائمة برجالاتها جميعا، وبخاصة أولئك الذين بنوا عصور تألقها.
وقد انطلق في بحثه عن سوسة القديمة من أول اسم عُرف لها وهو (حضرموت) ورأى أن الفينيقيين أول من أطلق عليها تلك التسمية، مشيرا إلى حقيقة علمية غفل عنها الكثيرون أنّ أصل الفينيقيين يعود إلى جنوب الجزيرة العربية، وقد حملوا أسماء مناطق ذلك الجزء من جزيرة العرب معهم إلى مواطنهم الجديدة، فصار في لبنان ميناء اسمه صور على غرار ميناء في جنوب الجزيرة العربية، وصارت منطقة من تونس اسمها حضرموت التي ستتحول إلى (سوسة) لاحقا.
وعلى الرغم من أنّه يبتدئ هذه الظاهرة بالفينيقيين فإننا نراها أسبق منهم وأقدم مما يؤكد ما سبق أن قلناه من وحدة الأصل والنسب بين عناصر سكان تلك المناطق الذين سرعان ما ارتحلوا شمالا وجنوبا فأسسوا أوطانا أخرى ونشأت من بعدهم أجيال أخرى شكلت عناصر سكانية جديدة.
وعلى أي حال فلسنا في مجال بحث هذا الموضوع وإنما هي إشارة إلى الآفاق الفكرية التي تفتحها بحوث عبد الوهاب. ولا يكتفي المؤلف بوصف سوسة في عمارتها وازدهارها وما ابتناه الأغالبة فيها من قصور وحصون ورباطات، وما عانته المدينة من غزوات، بل ترجم لمجموعة من أدبائها وعلمائها، أيضا. وبعد أن ينهي حديثه عن سوسة يرحل بقارئه إلى الحديث عن البردي والرقّ والكاغذ، ليقرر حقيقة أن الورق انتقل من تونس إلى أوروبا مما ساعد غوتنبرغ على اختراع الآلة الكاتبة. ولم ينس أن يخصص مئة صفحة من كتابه للحديث عن الموسيقى وآلات الطرب، مشيدا بأثر زرياب الموصلي وإبراهيم الرقيق وغيرهما متجولا ما بين سوسة والمهدية ورقادة وغيرها، شاملا الأغالبة والعبيديين والصنهاجيين من غير ما فرق عنده بينهم في ميدان الفن. ولعله أول كاتب عربي بذل عناية كبيرة بالعلاقات التونسية مع جزيرة قوصرة وما بقي فيها من الآثار العربية.
ويختم هذا الجزء باستجابته لرجاء بعض أصحابه في كتابة ترجمة وافية للكاتب الرقيق، والتيفاشي، وعلي الورداني، مع اقتراح بنشر «الرحلة التونسية» لعلي الورداني التونسي، لما لها من أهمية تاريخية واجتماعية كبيرة. ويلفت النظر في هذا القسم من كتاب «ورقات» أمران:
الأول: أنه أهدى الكتاب إلى زوجه (كعربون لمحبتي الصادقة وإخلاصي الدائم) على حد تعبيره.
الثاني: أنه خصص ثلاثة أبواب اجتماعية: عن المواعظ، ثم عن لطائف النوادر، وأخيرا عن (طرائف الـمُلَح والفكاهة). ويبدو لي أنّ حبّه لسوسة جعله يعيش ـ في هذا الجزء بالذات ـ حالة انتشاء ومرح نقلته إلى محاولة التبسط والخروج من جد البحث ولأوائه ومتاعبه، إلى استراحة نفسية له وللقارئ، فكان الإهداء ثم كانت المواعظ واللطائف والنوادر النافعة للقارئ، الذي سيستفيد منها لا من أجل الفرحة والانتشاء فحسب، بل، أيضا، من أجل تفهم أكبر للمجتمع التونسي وظروفه، إذ لا شك في أنّ الإهداء إلى الزوج له دلالة نفسية واجتماعية، كما أن المواعظ والحِكَم واللطائف والنوادر لها دلالاتها النفسية والاجتماعية، فهي مرآة للناس وما يجيش في نفوسهم وأحاسيسهم من آلام وآمال.

قراءات في الورقات الثوالث

يختلف القسم الثالث من كتاب «ورقات» للمرحوم حسن حسنِي عبد الوهاب عن القسمين السابقين من وجوه متعددة:
فأولا: كانت وفاة المؤلف قبل ظهور هذا الجزء إلى الناس. فيمكن اعتباره آخر ممثل لمؤلفه.
وثانيا: أنّ مادته مجمعة من مصادر شتى، منها ما هو عربي ومنها ما هو غير عربي، أعنِي أنّ منها ما هو مترجم. وكل الكتاب – بطبيعة الحال – من تأليف المرحوم عبد الوهاب.
وثالثا: إن هذا القسم يقدم صورة شاملة (بانوراما) لتونس مبتدئا مما سماه المؤلف بـ»السند العلمي الإسلامي بأفريقيا» وهو يعنِي (تونس) أينما ذكر أفريقيا، ثم يسافر عبر الزمن نحو ظهور المذاهب فيها وعلاقاتها مع البلدان المجاورة وتلك التي يفصلها البحر عن شواطئ تونس.
هل أقول إنّ حسن حسنِي عبد الوهاب محصلة النفس التونسية وواحد من خيرة الباحثين في تاريخها الحضاري وهويتها الثقافية؟ أم أقول إنّه كان متفردا ومغردا خارج سربه؟
هنا يتأكد أن الجواب كامن في التساؤل الأول لا الثاني. ففي هذا القسم من الكتاب نتبين أمرين مهمين جدا:
1- أنّ المؤلف بعيد عن التعصب لفكر أو عقيدة مع إيمانه بفكره ومعتقده بطبيعة الحال. فهو ينظر إلى الحق ويثبته في كتابه. فالمعتَقَد علاقة الفرد بقناعته، فحسب. وفي هذا القسم بالذات يحملنا معه على أجنحة الأيام لنعود إلى الفترة التي دخل فيها الإسلام إلى تونس على يد التابعين ثم ظهور الأغالبة والعبيديين والصنهاجيين ومن جايلهم أو جاء بعدهم من أقوام أو ظهر من عقائد. وهو حين يتحدث عنهم، جميعا، مصوّر تاريخي لا يُدخل قناعته الشخصية فيما تجسده آلة تصويره.
2- نرى أن هذه الظاهرة ونعنِي بها البعد عن التعصب ظاهرة من ظواهر المجتمع التونسي، لعوامل شتّى منها انفتاحها التاريخي على العالم وتياراته منذ القديم، ومنها ما أشار إليه المؤلف نفسه من أن تونس استطاعت أن تهضم الثقافات المتنوعة التي مرت بها، حتى صار الذين مروا على أرضها جزءا من هذا المجتمع.
يحدثك عن الأغالبة، وعن العبيديين، وعن الصنهاجيين ومن تلاهم بالروح العلمية ذاتها التي تردّ الفضل لأهله، وتكشف عما أضافه كل عهد إلى العهود التي سبقته من منجزات في شتى جوانب التقدم والتمدن والحضارة. وأخيرا، وبعد معاناة الحياة، رحل حسن حسنِي عبد الوهاب حاملا في روحه (حبّ تونس) هذه البقعة من الأرض والتاريخ التي ذابت فيها أقوام عديدة عبر القرون. إنّه حبّ لا يُحْصَر في لحظة من الزمن، ولا في معتقد معيّن، بل يشمل الإنسان والحياة والتاريخ معا.

باحث وأستاذ جامعي عراقي ـ لندن

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية