لايكاد يمر يوم إلا وتطالعنا أنباء اعتداءات أو اعتقالات للصحافيين في هذا البلد العربي أو ذاك، وخاصة تلك التي تشهد مواجهات مسلحة، حتى أصبحت بعض البلاد العربية البيئة الأكثر خطورة بالنسبة إلى عمل الصحافيين في العالم.
وبعد أن سميت يوما بـ«مهنة البحث عن المتاعب»، فإن الصحافة الموضوعية الحرة قد أصبحت اليوم مهنة «البحث عن الموت أو الخطف أو الاعتقال أو الاختفاء القسري».
وتحتاج هذه الظاهرة التي لم تسلم، «للأسف» من التسييس و«التطأيف» من قبل بعض الحكومات ووسائل الإعلام إلى وقفة صادقة تنتصر للضمير المهني، وتتضامن مع كل زملاء المهنة الذين يخاطرون بحياتهم كل يوم من أجل الحق المقدس للقارئ أو المشاهد في معرفة الحقيقة.
وبالطبع فقد تصدرت إسرائيل قائمة المعتدين على الصحافيين بعد اندلاع «هبة الأقصى» مؤخرا، وكشف تقرير لجنة الحريات الصحافية في نقابة الصحافيين الفلسطينيين، عن ارتفاع ملحوظ في استهداف الصحافيين الفلسطينيين خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي من قبل الجيش الإسرائيلي.
وأشار التقرير إلى أن 30 صحافيا أصيبوا بالرصاص المعدني والمطاطي، في حين قتل طالب في كلية الإعلام بجامعة الأقصى خلال تغطيته مواجهات بين الشبان وقوات الاحتلال في منطقة الشجاعية شرقي مدينة غزة. وتعرض أكثر من مراسل تلفزيوني إلى اعتداءات من قبل قوات الاحتلال على الهواء مباشرة.
وحذرت اللجنة الفلسطينية مما وصفته «الاستهداف الواضح للصحافيين دون أي رقابة دولية من جانب، وتشجيع المستوى السياسي في دولة الاحتلال من جانب آخر، للمس بالصحافيين».
أما في العراق، فإن الوضع ليس أقل مأساوية، وحسب إحصائية لمرصد الحريات الصحافية فقد أدت الهجمات على صحافيين عراقيين وأجانب، إلى إصابة ومقتل 34 مراسلا ومصورا صحافيا وخطف أكثر من 27 آخرين خلال عام واحد.
وحسب المصدر نفسه فإن الصحافي العراقي أو الأجنبي الموجود في البلاد «أصبح عاملا مشتركا بين الجماعات المسلحة والسلطات باعتباره هدفا أساسيا يبحث الطرفان عنه».
وفي مصر قتلت صحافية العام الماضي أثناء تغطيتها لإحدى المظاهرات، ومازالت القضية تتداول في المحكمة حتى الآن رغم وجود أدلة وشهود على الجريمة، بالإضافة إلى وجود أكثر من عشرة صحافيين قيد الاعتقال منذ نحو عامين بدون محاكمة. ويعاني بعضهم تدهورا صحيا، فيما يصر النظام على أنهم متورطون في «قضايا جنائية».
وفي سوريا أصيب ثلاثة صحافيين روس بجروح طفيفة عند سقوط صاروخ مضاد للدبابات قرب سيارتهم فيما كانوا يغادرون موقعا للجيش السوري في شمال شرق سوريا، على ما أعلنت وزارة الدفاع الروسية امس الأول الثلاثاء.
وبالطبع فإننا لا نستطيع أن نسجل هنا عشرات الأمثلة الأخرى على ما يعانيه الصحافيون من انتهاكات في سبيل أداء واجبهم.
وبغض النظر عن الجنسية أو الهوية الدينية أو الطائفية أو السياسية للصحافي أو اسم الجهة الإعلامية التي يعمل فيها، فإن كل هجوم على صحافي هو في الحقيقة محاولة لقتل الحقيقة، واعتداء مباشر على حق المجتمع في المعرفة، لابد أنه سينعكس سلبا على الحريات العامة والشخصية لكل مواطن.
وبالرغم من أجواء هذا الاستقطاب الإعلامي السياسي الحاد الذي يعيشه الإعلام العربي اليوم، يبقى ضروريا أن يتمسك الصحافيون بتقاليد الزمالة والمهنية التي تلزمهم بإدانة وفضح أي اعتداء على أي واحد منهم، باعتباره اعتداءً على المهنة ومبادئها التي طالما استشهد صحافيون من أجلها.
وللأسف الشديد فإن الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة في هذا الجزء من العالم والتي تعتبر الكلمة الحرة أخطر عليها من أي شيء آخر، لا تتورع عن غض الطرف عن الانتهاكات ضد الصحافيين ما يشجع على استمرارها.
وبكلمات أخرى فإن الصحافيين يدفعون ثمنا باهظا من سلامتهم وحرياتهم ليس فقط مقابل قدرتهم على أداء واجبهم، بل وتمكين الوطن من التحرر من هكذا أنظمة تنتنمي إلى العصور الوسطى، ولاتكاد توجد إلا في بلادنا.
ومن هنا فإن دعم المجتمع لحرية الصحافة وسلامة الصحافيين هو في حقيقته دفاع عن الوطن ومستقبله وحقه في الحرية.
رأي القدس