سورية: كيف تدير الدول الكبرى الصراع ولا تحله؟

حجم الخط
0

تأتي زيارة وزير الخارجية الامريكية جون كيري إلى روسيا الاسبوع الماضي لتعطي أملاً بأن انفراجاً دبلوماسياً وشيكاً يلوح في الأفق بعد أن ثبت أن التوصل إلى حل للأزمة في سورية عن طريق الحل العسكري أكثر صعوبةً مما كان متوقعاً. وحيث أن كلا طرفي الصراع في سورية الجيش السوري والمعارضة وبعد مرور اكثر من سنتين على بداية الحرب والتي كان حصيلتها حتى الآن مقتل ما يزيد عن 70.000 سوري وملايين اللاجئين لم يستطع أحدهما أن يحقق نصراً حاسماً ضد الآخر.
إن الصراع في سورية أكثر تعقيداُ مما كان متوقعاُ حيث تطور الصراع إقليمياً ودولياً وبشكل سريع مما أدى إلى تجاذبات قوى عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل وروسيا والصين وايران بالإضافة إلى لاعبين ثانويين مثل الأردن ودول الخليج، كل من هذه الدول تتنافس لحماية مصالحها في هذا البلد المهم اقليميا.
بالنسبة للصين وروسيا فإن القضية الأساسية ليست فقط في منع الولايات المتحدة واسرائيل من إزاحة حليف مهم ولاعب اساسي في المنطقة وتحويلها إلى دولة تدور في الفلك الأمريكي بل يتعدى ذلك إلى تحدي سياسات الولايات المتحدة وهيمنتها حول العالم كقوى عظمى صاعدة. هذا بينما تعني خسارة النظام السوري بالنسبة لإيران نهاية توسعها التاريخي في المشرق بإلاضافة لعزل حليفها حزب الله في لبنان، علاوةً على ذلك فإن ايران تعتبر نفسها قوة اقليمية لها مصالح وحلفاء للحفاظ على موطىء قدم في البحر المتوسط وعلى حدود اسرائيل قد تستخدمها يوما ما كورقة ضغط اقليمية او ورقة تفاوضية مع اسرائيل والدول الكبرى.
فالتحالف التاريخي لايران مع النظام السوري يعطيها الوجه العربي الذي تحتاجه لزيادة وجودها وتأثيرها في المنطقة ينتج عنه استخدامها للنظام السوري وحزب الله وحماس كخط دفاع أول في مواجهة عدوها و منافسها اللدود اسرائيل.
في أثناء ذلك ترى اسرائيل الصراع في سورية كعنصر مهم في صراعها الأكبر مع ايران، علاوة على ذلك فإن زعزعة اسقرار سورية وافشالها هو ضرورة استراتيجية لاسرائيل لضمان تفوقها على كل الدول العربية خصوصا بعد تحويل العراق من دولة عربية قوية بطموحات اقليمية إلى دولة فاشلة وتابعة لايران، مع بقاء مصر، في الوقت الحالي، في الفلك الأمريكي حتى تحت حكم الاخوان كدولة ضعيفة غير مستقرة وشبه مفلسة.
في أوساط المنظمات الأمريكية والاسرائيلية المحافظة كان من المفترض أن تكون سورية وايران الهدف التالي بعد الحرب على العراق وخلع نظام صدام حسين، فوجود دول عربية قوية وغير صديقة في الشرق الاوسط قد يشكل خطراُ في المستقبل على الهيمنة الأمريكية والاسرائيلية في المنطقة الامر الذي يستوجب التعامل معه من وجهة نظر المحافظين الجدد في امريكا واسرائيل.
فحرب عام 2003 ضد العراق والتي شهدت تأسيس ما عرف بمبدأ بوش’الحرب الوقائية’ كان من المفترض أن تكون البداية لإعادة صياغة الشرق الأوسط وخلق حالة من الفوضى الجراحية او الموضعية يليها ظهور دول جديدة ضعيفة وهشة تعتمد على الولايات المتحدة الامريكية من أجل بقائها ولا تشكل تهديدا لاسرائيل لعقود قادمة.
فعندما أتت أدارة الرئيس باراك اوباما للسلطة كانت النيه انهاء مبدأ بوش في الحروب الوقائية في الشرق الأوسط وبإصرار على منع اسرائيل وحلفائها من المحافظين الجدد من استكمال استراتيجيتهم المتكاملة لاعادة صياغة شرق أوسط جديد من خلال الفوضى ودول هشة. من المفارقات أن الأنظمة الديكتاتورية نفسها هي التي جعلت هذه السياسة-اي سياسة الفوضى- تنجح. حيث إن نظامي صدام حسين و بشار الأسد وغيرهما من الأنظمه الدكتاتورية العربية عبارة عن أنظمة قمعية وغير مرنة ولا تتحمل اى إصلاح ديمقراطي أو سياسي أو إقتصادي أو السماح لمواطنيها بالتنفس خارج سيطرتها الخانقة, وقد اثبتت التجربة أن هدم هذه الأنظمة التي افتقرت الى الشرعية الاساسية في عيون مواطنيها المضطهدين أنه أكثر سهولة مما كان متوقعاً. فمنهج اوباما الحذر تجاه سورية كبح جماح الاندفاع الامريكي الاسرائيلي (المحافظون الجدد) من أجل إعادة تشكيل شرق أوسط جديد وأجبر القيادة الاسرائيلية على وقف خططها الحربية ضد ايران، على الأقل في الوقت الحالي.
فالهدف الأكبر بالنسبة لاسرائيل هو عدوها ومنافسها في الهيمنة على المنطقة العربية ايران وليس سورية، لكن سورية هي خطوة مهمة باتجاه هذا الهدف أي هزيمة ايران من خلال القضاء على حلفائها اللبنانيين والسوريين، وهذا ما يفسر موقف بعض من قادة الكونغرس الأمريكي وأعضاء مجلس الشيوخ المحافظين مثل جون ماكين وليندسي غرام الذين يدفعون إدارة اوباما بإتجاه تدخل عسكري في سورية ويتجاوز الدعم التدخل الدبلوماسي والدعم المالي للمعارضة واللاجئين
في الوقت الذي تنظر فيه امريكا إلى ايران وبشكل أقل إلى سورية كتهديد رئيسي لمصالحها في المنطقة فإنها تتبع نهجاً أقل تصادمية في التعامل معها وبالتأكيد ليس من خلال وسائل عسكرية. المفارقة هنا تكمن في أن إدارة اوباما أمست أقل تهديداً لايران ولنظام بشار الاسد من إدارة الرئيس السابق جورج بوش كونها تعتبر أن نهج الإحتواء السياسي، والحصار الاقتصادي والديبلوماسية الضاغطة هو الطريقة الافضل لتحجيم والحد من طموح ايران وحليفها السوري.
لذلك فإن لقاء كيري مع القيادة الروسية هو دليل واضح أن إدارة اوباما تأمل في إقناع الروس والصينيين لدعم مؤتمر دولي لاحتواء الصراع على نحو مرض لجميع الأطراف المعنية ما لم تظهر أية متغيرات خطيرة على أرض الواقع كمواجهة عسكرية مع اسرائيل أو استخدام واسع للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين الأبرياء. عدا عن ذلك فمن الواضح بان إدارة الرئيس اوباما سوف تكتفي بإدارة الصراع ومنعه من التمدد خارج سورية وليس حله.

‘ كاتب اردني يقيم في واشنطن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية