الصورة الواضحة التي يمكن أن نصف بها المشهد الثوري في البلدان العربية على الأقل في المرحلة الحالية، تتلخص في مشهد مضطرب يمتزج فيه العنف والقتل والطائفية والصراعات الأيديولوجية حول السلطة، ومقاومة بقايا التحالفات الاستبدادية لنشوء ديمقراطيات ثار من أجلها شباب مدنيون، أملهم الوحيد هو إعادة فك ألغاز معوقات النهوض الديمقراطي. وإذا كان العديد من المتتبعين يجزمون بأن هذه الحيثيات هي ضرورة من ضرورات الثورة وإفراز من إفرازات البناء أو الانتقال الديمقراطي، إلا أن السقوط في مستنقع الحروب الأهلية والنزاعات القبلية يشكل قطيعة مبدئية مع القيم الثورية التي خرج من أجلها الجميع، وهي الحرية والديمقراطية والسلم الاجتماعي. قطعا فإن بداية الثورات كانت سليمة بالنظر إلى سِلميتها ووحدتها وتمازجها الفكري والأيديولوجي والتنظيمي. ولكن التباينات الجيوسياسية والأنساق الثقافية والنزاعات العرقية لكل بلد لعبت دورا كبيرا في تطويق تلك الثورات السلمية، وتغيير مسارها حتى ألبستها عباءة السلاح، فكانت ملجأ لكل تاجر سلاح وباحث عن سيمفونية الموت. لذلك فقد تصدرت الشرق الأوسط قائمة الدول الأكثر استيرادا للسلاح الفتاك إلى جانب الدول الافريقية جنوب الصحراء في مسلسل العشق الدموي، ضحاياه شعوب أحبت الحرية وضحّت بكل ما تملك من أجل تجسيدها، لكن ما زالت تتعرض لغدر المافيات السياسية والحروب الطائفية التي لا تعرف إلا لغة وحيدة هي لغة القتل والإبادة الجماعية. تنامي الفكر الطائفي هذا، عزاه البعض إلى انهيار أو ضعف الدولة الوطنية بمفهومها السلطوي، ما أعطى الفرصة للنزعات القبلية أن تحيا من جديد وبقوة أكبر عبر امتلاكها للسلاح مدافعة عن القبيلة والطائفة في وجه أي تهديد مادامت الدولة غير قادرة على توفير الأمن. من جهة أخرى، مازال التاريخ الطائفي الذي أسسته المنظومة الدينية السياسية حاضرا بقوة في أذهان معتنقي هذه الديانات المصطنعة، ما يعطي المجال للدفاع عن الطائفة ضد أخرى بكل أنواع الأسلحة المدمرة، ويعطي الانطباع لدى المقاتلين بنشوة الجهاد ضد الفرقة الضالة والمهدِدة في نفس الوقت. الوضع في سورية والعراق يمثلان وضعا حادا في النزوع القوي إلى الاقتتال الطائفي، الذي تغذيه ضلوع أطراف خارجية في الاحتقان الداخلي عبر التطعيم المادي والمسلح في معركة مغلوطة ومستنزفة وخارجة عن أجندة النضال الديمقراطي الثوري. لقد أبانت إيران وحزب الله عبر دعمهما العسكري للنظام السوري وللطائفة العلوية عن كنه الدولة الدينية الطائفية، التي تشرعن العنف وتقتل الأبرياء وتغتصب النساء من أجل الدفاع عن خرافة المقاومة والممانعة. لذلك فالدول الدينية والحركات الجهادية وأية حركة دينية تكون أقرب إلى الاستبداد واستعمال السلاح، ذلك لأن الأيديولوجية الدينية تموه العقل البشري وتجعله يعتقد في صدق مقلوب على صحة وقدسية القضايا التي يؤمن بها وعلى شرعية السلاح الذي يستخدمه من أجل تمثل تعاليم هذا المعتقد. في حين أن حفظ النفس البشرية من القتل وهتك العرض هي من الرسائل الجوهرية التي قامت من أجلها مجمل الديانات النقية والأصلية قبل ان تتعرض لرواسب التاريخ والجغرافيا. إن الحروب التي تشعلها الطوائف الدينية والأنظمة الاستبدادية وتغذيها مصالح الدول المهيمنة، ما هي إلا وجه من أوجه الاستبلاد البشري والضعف الذاتي وليست ضرورة من ضرورات البناء الديمقراطي بل العكس تماما. إن الحرب، كما يعرفها المعهد الفرنسي لعلم الحرب، كارثة ذات ثمانية عشر وجها: ‘هيمنة وتأكيد مبدأ المانوية وعدم الاعتراف بالغير بل وإنكار وجوده واندلاع العنف وغياب الحق والمخاطرة بحياة الانسان وتدمير الثروات المتنوعة وتكريس جميع النشاطات للمجابهات الدموية وأفضلية اللامعقول على المعقول والمطلق على النسبي في اطار عقلي شمولي ومبدأ الغاية تبرر الوسيلة والفوضى واشتداد الأزمات والدم والعرق والدموع واللقاء الحتمي مع الموت وانقطاع أحمق يبرهن على فشل العقل والقلب’. إنها (الحرب) تجهز على الإرث البشري وعلى الثروات الإنسانية والطبيعية وتفكك الدول وتقزمها إلى دويلات ضعيفة وتضيع على الشعوب أمل العيش في سلام لمدة طويلة. لقد بات مفروضا على الديمقراطيات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وإن مازالت في إرهاصاتها الأولى، أن تعي خطورة الحروب الطائفية والاقتتال العرقي الذي تغذيه الانحرافات الدينية والنزاعات الثقافية على مسار إعادة الاعمار الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات. الوعي بهذه الخطورة سيجعل من مكونات الفعل الثوري وشرائح المجتمع المدني مستعدة لتجاوز كل الاختلافات الأيديولوجية والدينية والطائفية والامتثال لضوابط البناء المجتمعي الديمقراطي، الذي وحده سيحافظ على كل التنوعات العرقية والدينية ويجعلها تعيش في سلام واحترام متبادلين. لكن الساحة في بلدان الربيع الديمقراطي مازالت دموية ومازال الاقتتال حاضرا بقوة في الاحتكاكات السياسية بين التيارات المتنازعة، بل الأخطر هو الاستهانة بالنفس البشرية وكأنها قرابين وجب دفعها لآلهة الطوائف. الاعتراف بالآخر وبحق التنوع الايديولوجي والديني والثقافي والعمل السياسي السلمي الشفاف هي شروط جوهرية ضرورية لبناء مجتمع ديمقراطي تسود فيه الحريات والقانون واحترام جميع الاختلافات الفردية والجماعية. هل الظروف السياسية والثقافية في بلدان الربيع مازالت غير جاهزة لتوفير هذه الشروط ؟ أعتقد أن إرادة الشعوب الحرة في العيش الكريم هي وحدها الشرط الأساسي لبناء ديمقراطيات حقيقية وهي القادرة على لجم نزوات السياسيين الفردية والخارجة على الإرادة الجماعية.