شكّل التدخل الروسي المباشر في سوريا، بإنزال كافة ثقلها السياسي والعسكري تحديا مباشرا للغرب، وتأييدا واضحا للنظام القائم بسوريا بقيادة بشار الأسد، ومن ثم اعتباره ورقة لتغليب كفة النظام السوري على معارضيه السياسيين والعسكريين. في ظل طول أمد الصراع الدائرين بين أطرافه، المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب وبعض دول المنطقة، والنظام السوري المدعوم من قبل روسيا وإيران.
ساهم هذا الوضع في منح روسيا وضعا متقدما في صناعة القرار العسكري والسياسي بسوريا، خولها اتخاذ مبادرات من شأنها جمع أطراف الأزمة السورية على طاولة مفاوضات واحدة للتداول بما من شأنه إنهاء الصراع الدائر لما يقارب خمس سنوات في الجبهتين العسكرية والسياسية.
ويستمد التدخل الروسي في الأزمة السورية قوته من النفوذ الذي أصبحت تتمتع به في الشرق الأوسط، الذي مكنها من تبوؤ مكانة بارزة خولتها القدرة على تقديم الحلول التي تراها مناسبة وتتوافق مع مصالحها ومصالح شركائها بالمنطقة. حيث من الممكن أن يمثل لقاء «فيينا» أحد البوادر التي من شأنها أن تضفي مزيدا من التقارب السياسي بين الأطراف، سيدعمه لقاء مباشر بين النظام السوري والمعارضة بحضور ممثلي الشؤون الخارجية لروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وإيران وبعض الدول الغربية والعربية، باعتبارهم فاعلين أساسيين في صناعة القرار السوري بالنسبة لطرفيه.
وإن كانت اللقاءات المتواصلة التي ستجمع بين أطراف الأزمة ستتمخض عنها بعض الحلول الكفيلة بإعادة الأمل للحل السياسي، كمخرج لا محيد عنه خلال المرحلة المقبلة لإنهاء الصراع الدائر حاليا على الجبهة العسكرية ميدانيا، والجبهة الدبلوماسية في عواصم صناعة القرار إقليميا، جهويا ودوليا بما يسمح بالتخلي عن الخيار الأول (الخيار العسكري)، مقابل الانخراط بشكل إرادي وبدون شروط مسبقة لتبني الخيار الثاني (الخيار الدبلوماسي)، وجعله مخرجا رئيسيا لإنهاء هذا الصراع الذي عمر لما يقارب خمس سنوات، باعتباره الحل الذي من شأنه أن يعيد الأمور إلى طبيعتها، ويسمح بخلق مصالحة بين أبناء الشعب الواحد تعيد الأمن والاستقرار للمنطقة.
لقد أصبح الحل السياسي يمثل خارطة طريق بالنسبة للقوى الفاعلة في الأزمة السورية والمتدخلين في شؤونها، للتوصل إلى تسوية سياسية تنهي الصراع الحالي وتعيد الأمن والسلام لبلاد الشام، وتعمل في ذات الشأن على إعادة الأمور إلى سابق عهدها، لما طالها من تخريب للبنى التحتية والاقتصادية، صاحبه تصدع على مستوى مكونات الشعب الاثنية والعرقية والإيديولوجية.
إن المفاوضات السياسية التي ستجمع بين أطراف الأزمة السورية من شأنها إفراز أوضاع سياسية مكهربة ومتشنجة وسط الفاعلين بالمشهد السياسي، بالنظر لعدة اعتبارات منها سعي هؤلاء الفاعلين السياسيين للبحث عن التموقع داخل دواليب السلطة، والعمل على ترتب المشهد السياسي للتحكم في زمام الأمور، وكذا طغيان العقيدة الإثنية على كافة مناحي ومجريات الحياة السياسية في البلاد، ناهيكم عن اهتزاز أهم لبنة من اللبنات المؤسسة لكيان الدولة وهي الشعب، بعدما هُجر جزء مهم من الشعب السوري لأوروبا واختار آخرون اللجوء للبلدان المجاورة لهم بعيدا عن ويلات الحروب والاقتتال، ينضاف إلى ذلك الدور البارز الذي ستلعبه المؤسسة العسكرية في رسم معالم المسار السياسي بالبلاد، عبر التأثير في توجيه الحياة السياسية بالبلاد.
ولعل من بين أهم التوجهات التي ستحكم مخرجات تنزيل المرحلة المقبلة، تبني خيار مصالحة بين أبناء الشعب السوري تشمل كافة أطيافه السياسية داخليا وخارجيا، بمختلف توجهاتهم الفكرية والعقائدية، من شأنه المساهمة في بلورة ميثاق شرف يحكم التزامات وأخلاقيات العمل السياسي، ومن ثم الشروع في التأسيس لحوار وطني لتحديد توجه عام يحكم اختيارات الشعب السوري، يرتكز في عمقه على تعديل الدستور واحترام التعددية الحزبية، والانصهار في بوثقة الممارسة الديمقراطية الحقة.
من الممكن أن يحكم تنزيل هذه المرحلة احتفاظ الرئيس السوري الحالي بشار الأسد برئاسة ولاية المرحلة الانتقالية، وهو ما يمثل في أحد أبعاده ضمانة لحفاظ النظام الحالي على تموقعه ضمن دواليب السلطة، وبالتالي الحسم في الاختيارات المُوجِهة لسياسة الدولة، يوازي ذلك تشكيل جبهة قوية للمعارضة تحوي كافة فئاتها بمختلف توجهاتهم الفكرية والعقائدية، وهو الأمر الذي من شأنه إنتاج بنية معارضة ستتقوى أو ستنكسر أمام قوة النظام السياسي القائم، ولكل خيار زمنه السياسي وثمنه السياسي على التوالي. وهو ما يحيل إلى أن اتزان الخطاب السياسي لن يبقى حاضرا في المشهد السياسي بين الفاعلين الرئيسيين به، بحيث سيغلب عليه التوتر البيّن في الشق المرتبط بالاختيارات الاقتصادية الكبرى وفي التوجهات السياسية في شقيها الداخلي والخارجي، مع تسجيل تطور في مستوى الممارسة السياسية عما كان عليها خلال مرحلة ما قبل يوليو/تموز 2011، يضبطه الانخراط في تبني عقيدة التناوب على ممارسة السلطة بين الفرقاء السياسيين لمرحلة ما بعد المصالحة الوطنية السورية.
العربي بجيجة
باحث في جامعة محمد الخامس