في معرضها الاخير المقام قبل أيام على قاعة مدارات البغدادية تحت عنوان (خفايا) تطرح الفنانة العراقية منى مرعي مجموعة من التساؤلات عن خفايا النفس البشرية وهموم الانسان المعاصر وبأسلوبية جديدة، لقد عرفنا ابداعها بمعارض عدة ساهمت بها حيث كانت تعتمد على النهل من التراث البغدادي والاسلامي عبر الخطوط والنقوش لكنها الان تفاجىء الجميع وتنتقل خطوه اخرى نحو فضاء اوسع هو فضاء التجريد.
ففي معروضات (خفايا) يلعب الانفعال الذهني والابداعي المباشر الدور الرئيسي باختيار الألوان والخطوط واختراع التكوينات في صورتها العفوية الكاملة هذا ما يُقصد بـ ‘العفوية’ المختارة، حيث تستمد الفنانة انفعالاتها من الواقع الانساني المعاصر. فهي تدمج بوعي ربما يكون باطنيا بين الشكل التصويري والانفعال الذاتي الباحث في خفايا النفس، فهي اذن عفوية منظمة بشحنة عاطفية وخبرة بصرية وجمالية تتوالد أثناء لحظة الابداع وخلق العمل ومكابداته. فهي عفوية تستلهم انفعالات الطفولة وتحاول بقصدية واضحة نسيان او تناسي ما تعلمت من أساليب في اشتغالاتها السابقة والعبور نحو عوالم أكثر ارتباطا بثيمة الانسان وهمومه. في الفن وكما يقول الفيلسوف (جون ديوي) خبرة العلم تقرر المعاني والفن يعبر عنها.
ففي أعمالها نزوع نحو التجريب والحداثة، فهي لا تبالغ بالمغامرة الشكلية بل تطوع الشكل لخدمة المضمون ، فلا تبتعد عن الواقع التشخيصي بل تبرزه في أغلب الاحيان ليكون الانسان محور أعمالها. أن منى مرعي تجسد في هذا المعرض حالات انسانية متعدده ومن عدة زوايا وأشكال تصوغها بروية أحيانا وباستعجال في بعض الاحيان، فهي تحاول قول كل شيء دفعة واحده فنرى أنها تملا فضاء اللوحة بضجيج لوني حاد، اذ تتنافذ المشهدية بشكل منفتح على المطلق وبوابات هذا الانفتاح تتخذ منحى متعدد الأبعاد والمدلولات التي تتعامل مع معطيات الحواس بغية ايقاظ مشاعر التعاطف والتفهم مع قضيته،’أذ تعتمد على قوة اللون الصريح لجذب عين المتلقي والتعبير عن حدة المعاناة الانسانية التي تعبر عنها. فالثيمة الشكلية للاجساد المتراصة او المنتشرة في عموم لوحاتها تستند في تعبيريتها على ما حولها من ضربات لونية حادة وقاسية أحيانا، وكأن كائنات منى مرعي تصرخ لتبوح بالخفايا غير المعلن عنها المضمرة في متن وحاشية اللوحة التي يؤطرها السواد القاتم في جوانب عدة كتعبير عن حدة المشاعر. فيما تستخدم الفنانة أسلوب التسييل اللوني لاغناء وتوكيد حركية الفعل الانساني وترمز لمعاناة الواقع غير المستقر والقلق، فالطابع العام لرؤيتها هو تجسيد الحاضر والتعبير عنه، مثلما تجسد افكارها بنوع من الحكائية التي تعتمد على الافاضة النفسية بخلق نوع من التوازن بين خدمة الفكرة بشكل عام وبين اسلوبية تجريد الخطوط والكتل لموازنة الفكرة والغاية الجمالية.
وتبقى تجربة الفنانة منى مرعي الجديدة ورهط من جيلها مثار أمل بجيل جديد يرفد الفن التشكيلي العراقي برؤى حداثية تقف مع الانسان وتعبر عن همومه بشكل جمالي.
* ناقد تشكيلي عراقي