ما وراء زيارة كيري لفلسطين المحتلة؟

حجم الخط
0

لا يعني الإدارة الأمريكية، كثيراً، تحقيق تقدم في المسار التفاوضيّ الفلسطيني- الإسرائيلي المأزّوم، خلال الفترة المتبقية من ولايتها الآيلة للانتهاء، استدلالاً من إقرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بنفسه، مأزق العجز عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في عهده، الذي شهد المزيد من الانحياز المفتوح للاحتلال، مقابل القليل من الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وسط ضعف دعمها عربياً وإسلامياً، أيضاً.
وليس أمراً مقلقاً بالنسبة للرئيس أوباما مغادرة البيت الأبيض بوفاض خالٍ من بصمة وازنة في ملف العملية السلمية، خلا الحرص، علناً، على الإمساك بتلابيبه، بعيداً عن المنابر الأممية والأوروبية، ضمن سياق إدارة الصراع العربي – الإسرائيلي، مع غياب رؤية استراتيجية واضحة للحل، إذ يكفيه ما يعتقده نصراً مؤزراً حققه في البرنامج النووي الإيراني، حتى في ظل الإخفاق في ملفات أخرى، مثل العراق وأفغانستان وغيرها، وتركة ثقيلة من أتون النزعات المذهبية والطائفية والجماعات المسلحة في المنطقة، غداة الانسحاب رويداً من ساحتها صوبّ فضاءات من العالم أكثر حيوية معتبرة للمصالح الأمريكية.
وبذلك؛ فإن جلّ ما يهمّ واشنطن، راهناً، السعي لوقف الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، بغية إرضاء الحليف الاستراتيجي الإسرائيلي، والحفاظ على أمنه القومي، إزاء ما أحدثه الحراك الشعبي العارمّ من قلق وإرباك كبيرين لدى المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، نظير مفارقة حسابات تقدير الاحتلال الأمنية للوقائع الميدانية المتفجرّة، مما يعكس نفسه في صور ارتفاع وتيرة التوتر والاحتقان في الداخل الإسرائيلي، واستدعاء الاحتياط من جنود الاحتلال، واتخاذ الإجراءات الأمنية المشددة في الشوارع وأماكن النقل والحافلات تحسباً لتنفيذ عمليات «طعن» جديدة باتت تشكل مصدر هلع وفزع عند الإسرائيليين، ما أسفر عن وقوع بضعة قتلى بين صفوفهم على يد قوات الاحتلال والمستوطنين أنفسهم الذين كانوا يعتقدونهم من الفلسطينيين.
ولاشك إن استمرارية الانتفاضة ستؤدي إلى آثار سياسية واقتصادية ونفسية وإعلامية سلبية على الجانب الإسرائيلي، بعيداً عن الرؤية الأحادية في التقييم التي تأخذ بحصيلة عدد الشهداء من الجانب الفلسطيني، وعدد القتلى من الجانب الإسرائيلي. وقد لاحت بوادر تلك التأثيرات السلبية، من خلال المعطيات الإسرائيلية التي تبين تراجع الحركة السياحية منذ مطلع الشهر الماضي، مع إيراد بواعث القلق من تراجع معدل النمو الاقتصادي عند استمرار الانتفاضة، فضلاً عن زعزعة صورة الجانب الإسرائيلي في الرأي العام الدولي، إزاء تراجع نسبة التأييد لدى أغلب شعوب العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وتزايد مطالبات مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وتزايد وتيرة المقاطعة الأكاديمية والثقافية الغربية لنظيرتها الإسرائيلية. وهذا ما لا تريده واشنطن، كما الكيان الإسرائيلي بطبيعة الحال، ومن هنا جاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى فلسطين المحتلة، مؤخراً، من أجل وقف ما يسميه «العنف»، الذي يتساوى في منظوره بين الشعب الفلسطيني الأعزل الرازح تحت وطأة الاحتلال، وبين القوات الإسرائيلية المدجّجة بأعتى وأعنف الأسلحة والذخيرة والعتاد، والمستمرة في نمط عدوانها الثابت ضدّ الفلسطينيين، عبر الاغتيالات الميدانية والتنكيل والاستيطان وانتهاك المقدسات الدينية، الإسلامية والمسيحية، ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والاعتقالات، ما دفع كيري إلى وسم الانتفاضة «بالإرهاب»، ضمن سياق المفاهيم المقلوبة والمعايير المزدوجة، في ظل اختلال موازين القوى الراهن.
لقد استهدف كيري، من خلال زيارته، الضغط على الجانب الفلسطيني، تحت وترّ تأثر المساعدات الأمريكية المقدمة للسلطة، من أجل القبول «بالتسهيلات» التي قدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو التي تتضمن «السماح بتصدير الأثاث مقابل منع دخول الأخشاب إلى قطاع غزة، وإزالة بعض الحواجز العسكرية عن الطرق ووضعها في أماكن أخرى، وتنفيذ بعض المشاريع الاستثمارية في المنطقة «ج»، مقابل «الهدوء»، شريطة إسقاط مطلب وقف الاستيطان، باعتباره شرطاً إسرائيلياً مقابل الاستحقاق الفلسطيني بضرورة وقف الاستيطان والإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى، ما قبل «أوسلو»، المعتقلين في سجون الاحتلال من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات.
ويزيد من ذلك؛ الضغط الأمريكي الحثيث على القيادة الفلسطينية من أجل وضع حدّ للحراك الشعبي العارمّ في الأراضي المحتلة، ولكن كيري لا يدرك حقيقة أن الشبان الفلسطينيين أخذوا زمام مبادرة التحرك ضدّ عدوان الاحتلال، من دون أن يقف خلفهم أي تنظيم أو فصيل معين، حيث يلاحظ أنهم من مختلف التوجهات والتيارات، معلنين انتفاضتهم الشبابية العفوية المقاومة ضدّ آلة الحرب الإسرائيلية العدوانية.
كما لا يدرك كيري أن هؤلاء الشبان، وهم من الجيل الذي ولد في غالبيته ما بعد اتفاق «أوسلو» (1993)، خرج لتذكير العالم بأن قضيته حيّة ونابضة لم تمت، ولإعلان غضبه من كل ما يجري في الأراضي المحتلة من العدوان الإسرائيلي المتصاعد، وفي ظل المشهد الإقليمي العربي الصعب، وانشغاله بقضاياه الداخلية، والتجاهل الدولي للقضية الفلسطينية، وتراكم الأزمات في الساحة المحتلة.
بيدّ أن كيري لم يكدّ يغادر المكان، بعد فشله في تحقيق مهمته، ومصحوباً بتظاهرة فلسطينية غاضبة في رام الله ضدّ تصريحاته، حتى سارعت الصحف الإسرائيلية، عبر مواقعها الإلكترونية، للكشف عن حيثيات لقاء كيري ونتنياهو، وسط تأكيد الأخير على استمرار الأنشطة الاستيطانية بدون توقف، والمطالبة باعتراف المجتمع الدولي بالحق الإسرائيلي في إقامة الكتل الاستيطانية مقابل رزمة «التسهيلات» الاقتصادية الإسرائيلية، وبالتالي رفض المطالب الفلسطينية المعلنة بوقف الاستيطان ووضع سقف زمني للمفاوضات، من أجل إحياء المفاوضات بين الجانبين، وتقويض المرجعيات الدولية لعملية السلام، وتفكيك قضايا الحل النهائي بالطريقة التي تتماشى وسياسات الحكومة الإسرائيلية.
والملاحظ أن المساعي الأمريكية الإسرائيلية لوقف الانتفاضة الفلسطينية، تأتي وسط محاولات متواترة من قِبل بعض الأطراف، تعمل بجهد على التقليل من قدرة المقاومة على إحداث تأثير ما في معادلة الصراع العربي – الإسرائيلي والتشكيك بجدواها، وطرح إشكالياتٍ «ضبابية» في أفق أهدافها، وإحاطتها بجملة تساؤلات تطال كنه مغزاها وماهية أغراضها، عما إذا كانت سبيلاً للتحرر ونيل الاستقلال وتقرير المصير، أم أداة ضاغطة لتحسين الموقف التفاوضيّ فقط.
ويُلاحظ تساوق بروز نمط التشكيك والتهوين من أهمية المقاومة مع كل تجدد انبعاثة للنضال الوطني ضد الاحتلال الإسرائيلي واقترابه من إحراز انتصار ما عليه، ولكن نمط الالتفاف لم ينجح في القضاء على المقاومة، فاستمرارية الأخيرة تأتي نتيجة لرفض الظلم والعدوان ولوجود أسباب على الأرض تتجسد بالاحتلال، وما دامت الأسباب قائمة فإن النتيجة ستظل شاخصة وقائمة.
مثلما تـُظهر خبرات التحرر الوطني والنماذج التاريخية السابقة أن الخلل في التوازن القائم بين قوى الاستعمار وبين الشعوب المناضلة ضدّها لصالح الأولى، لم يحلْ دون مآل المحصلة الإستراتيجية النهائية إلى صالح قوى الشعوب الساعية إلى التحرر وتقرير المصير. ولأنه ليس شرطاً أن تستمر المقاومة على الوتيرة ذاتها، فقد تخبو أحياناً وقد تنشط في أحايين كثيرة من دون أن يعني ذلك توقفها، فإن الحفاظ على مسارها المتوقدّ يتطلب وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، وإيجاد رؤية استراتيجية وطنية موحدة، وتشكيل قيادة سياسية للانتفاضة، تضمّ في صفوفها الفئة الشابة، ضمن برامج وأهداف محددة، تقوم بتوجيهها وتنظيمها، تزامناً مع إنهاء الانقسام، وتحقيق الوحدة الوطنية، في مواجهة عدوان الاحتلال الإسرائيلي.

٭ كاتبة صحافية من الأردن

د. نادية سعد الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية