الدولة والنظام المصريان: احتضار ميت

■ ليس من خبرٍ يسر في أحوال مصر العامة.. خبر يتيم يوحد الله، بالطبع أتحدث عن خبر حقيقي ليس من عينة اكتشافات الغاز وما أشبه، التي لا يعلم إلا الله مقدار صحتها، ولا في جيب من ستصب إن حدثت.
كل الأخبار والمستجدات السياسية والاقتصادية بلا استثناء كئيبة، والأسوأ من ذلك أنها تنذر بالمزيد من التدهور والكآبة، تؤكد ما نشعر به جميعاً من أننا ننزلق، أو نهوي في سقطةٍ حرة. تراجع مؤشرات الأداء الاقتصادي وانخفاض احتياطي النقد الأجنبي. إسقاط الطائرة المصرية والحادث الإرهابي في سيناء الذي استهدف فندقاً، هذان الحدثان الأقرب في سلسلة من الإخفاقات الأمنية، ليس من شكٍ في أن مصر، بلداً وتجمعاً بشرياً، تواجه تحدياتٍ خطيرة تنتقص من أطراف سيادتها ووحدتها، وأن النظام ودولته يعيشان أزمةً وجوديةً خانقةً تحوم في مدار الكارثة وتنذر بأن تنضم الدولة المصرية إلى مصاف الدول الفاشلة، لذا من الطبيعي أن يكون السؤال التالي مباشرةً: هل يملك السيسي والقائمون على الأمر أي تصورٍ لكيفية مواجهة هذه الأزمات، ناهيك عن الخروج منها في ضوء ذلك السجل من الإخفاقات والتخبط إذا شئنا الصراحة؟
يعجبني في هذه الآونة متابعة بعض من تحمسوا للرئيس السيسي في بداية الأمر، خاصةً من المحسوبين على التيار الناصري، وقد أخذت أوهامهم في التبدد على خلفية الخطى المرتبكة وقراراتٍ على أرض الواقع، تؤكد الامتيازات والانحيازات الاقتصادية السابقة نفسها، وهم ليسوا وحدهم في ذلك، إذ على الرغم من ضجيج الإعلام وصخبه فإن توجساً وخوفاً تتسع دائرته لتلف الناس، ويوماً بعد آخر يتضخم تجمع المتشككين بمن ينضمون إليه من عامة الناس، من أشخاصٍ غير محسوبين على التيار الإسلامي، وربما لم يتعاطفوا مع الإسلاميين بأطيافهم يوماً، ضعف الإقبال على الانتخابات رسالة واضحة لا ينبغي أن تخطئها عين أي مراقبٍ أو متابع، ناهيك عن نوعية «النواب» الجدد وما تواتر عن مزادات للأصوات في تطور لا سابقة له في الفجاجة والانحطاط.
المتحمسون يوماً ما للسيسي، ممن لا يودون التفريط في حلم استنساخ عبد الناصر- الزعيم وإعادة بعث مشروع القومية العربية المندثر بدوره، يتحدثون عن «الرئيـــس الوحيد»، أي أن المشـــكلة في الطاقم المحيـــط به، ما يستدعي إلـــى الأذهان طروحات من نوعية «المجموعة الاشتراكية في السلطة « و»الرئيس وطني شـــريف ومن حوله فاسدون».. لكنهم الآن وسائر من ليسوا بـ«دراويش السيسي» والدولة وغير المستفيدين يواجهون بتحدياتٍ تفقدهم الثقة يوماً بعد الآخر بالسيسي ونظامه.. أولها أنهم إزاء نظامٍ صامت، لا يصارح شعبه بالحقائق ولا يبدو أنه يملك أي تفسيرات، سقطت طائرة روسية في سيناء أو أُسقطت فأوقفت روسيا وبريطانيا رحلاتهما الســـياحية، تصريحات جارحة وأخبار عن فرق تفتيش روسية للبحث والاستقصاء في سبب الحادث على الأراضي المصرية، ثم زيارة السيسي لبريطانيا وما انتشر عن فظاظة، أو لنقل برود بين الطرفين المصري والبريطاني لا يعلم أحد مدى صحتها تحديداً. في كل ذلك وحدها الحكومة المصرية صامتة تتركنا لنتسقط الأخبار من هنا وهناك، ولا مهرب في وضعٍ كهذا من أن تثور أسئلة مزعجة، بل مدمرة لأي ثقة أو تفاؤل بالمستقبل: هل لا يتكلمون لأنه ليس لديهم أي معلومات أو إجابات؟ أم لأنهم محرجون من انعدام الكفاءة وما تكشف من مظاهر التسيب والرشى في مطار شرم الشيخ، في سيناء مقصد الإرهابيين ومسرح أكبر عدد من العمليات الإرهابية؟ يقيناً أن إغراق الإعلام المصري للناس بوصلات الردح يكيلونها للغرب وروسيا التي خذلتهم وتأكيدات بأن السياحة ستعود كما كانت سريعاً لا تفيد ولا تغني… لا شك أن هناك ارتباكاً عميقاً على الرغم من التظاهر بعكس ذلك، ولعل ذلك ما يفسر التلعثم في حديث السيسي لدى زيارته لشرم الشيخ. السيسي لم يتســـم حديثه أبداً بالطلاقة، ناهيك عن العمـــــق، حتى حين باهى بأن الفلاسفة شهدت له.. الآن يزداد حديثه غموضاً ولا يزيد عن همهماتٍ لا رابط بينها وتستطيع أن تستنتج منها ما شئت.. على الأغلب لأن الأزمة أكبر منه، وهو إذ يحاول أن يخلق انطباعاً بالتماسك ليطمئن به الناس عبر المذيعة، لا يملك سوى إيصال رسالةٍ بائسة بالتخبط والحيرة والقلق.
وكل ذلك يعود إلى حقائق جوهرية لم تتغير: لقد كانت الدولة بجيشها عشية ثورة يناير 2011 أقوى التنظيمات السياسية، غير أن النظام كان مرهقاً مترهلاً مفلساً.. حينذاك واجهتها ثورة شعبية بامتياز فتراجعت تكتيكياً، وحين عادت إلى الصدارة بتبجح بعد 30 يــــونيو، لم تتغير، تصورت أن الدرس الوحيد أنه ربما لم يكن القمع كافياً وأن هامش الحرية السابق على ثورة يناير الذي تصوره النظـــــام حينها محصوراً في «التنفيس وطق الحنك»، جاء بنتــــائج لم يتوقعوها وجرأ الغوغاء، أي عامة المصريين عليهم.. عادت بوعودٍ بإعادة الأمن والاستقرار (وكانت المساهم الأكبر لزعزعتهما «تربيةً وعقاباً» للناس) ومنح الأمل بالمشـــروعات العملاقة، كانت هناك أيضاً تلك الجرعة الزائدة من الخوف عن طريق بث الرعب في الجمهور من مصائر التفتت الإقليمي المجاورة، لكن تحسناً إيجابياً لا يحدث على أرض الواقع.. فلم يتبق من الدولة سوى القلب الأمني بأدوات قمعه ورغبته في الانتقام.
يوماً بعد الآخر تنحسر مساحة الأمل والحلم مخلفةً مكانها ظلالاً من الشك القاتم والخوف من المستقبل، وذلك التوافق المبني على مزيجٍ من الوهم والأسطورة، الذي دعم السيسي، ينحسر هو الآخر حتى يوشك أن يتلاشى.. ومجرد التخويف من مصير سوريا والعراق لا يكفي.
يوماً بعد يوماً يتضح للعلن وجه هذا النظام، هو نظام مبارك المترهل المرهق المفلس نفسه، الانحيازات الاجتماعية نفسها مع غياب رؤية تتعامل مع مستجدات ومتغيرات ثورة… نظامٌ ميتٌ ميت… حاول إعادة تجديد شبابه بدعمٍ خليجي لكن كل عمليات شد الوجه لم تجدِ وأموال الخليج لن تدوم إلى الأبد.
بسببٍ من ضعف التنظيمات السياسية باستثناء الإخوان المسلمين ومجموعة من الأخطاء امتدت الأيام بهذا النظام، وهذه الدولة المرهقة ذات الجهاز البيروقراطي المترهل الفاشل، فالميت يقاوم الدفن، لقد صدر بحق ذلك النظام حكمٌ تاريخي يوم 25 يناير 2011 حكمٌ نهائي… هذا بلدٌ لا بد أن يغير انحيازاته وبوصلته، عدا ذلك فإن كل المحاولات، مع افتراض حسن النية، لن تجدي وأيٍ عملٍ مهما كان مرهقاً سيضحي جهداً ضائعاً.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية