جاء توقيع مصر على اتفاق لإقامة محطات نووية في «الضبعة» استئنافا لجهود قديمة تعثرت كثيرا ثم أجهضت، وأخرجت مصر من عصر كانت قد اتخذت خطوات فعلية على طريق بدء الاستخدام السلمي للطاقة النووية منذ أكثر من نصف قرن، وأنشأت «مؤسسة الطاقة الذرية» سنة 1957 لهذا الغرض، وشاركت في تأسيس «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، وحصلت على مفاعل صغير للنظائر المشعة من الدنمارك. وفي 1961 وقعت اتفاقا مع «معهد الطاقة الذرية في النرويج»، وتم تشغيل «المفاعل النووي» الأول في «أنشاص»، الواقعة بين القاهرة ومحافظة الشرقية، وكان الغرض من ذلك المفاعل، الذي افتتحه الزعيم الراحل عبدالناصر بحثي صرف.
ومع استقرار العلاقات مع الاتحاد السوفييتي السابق زاد التعاون بين موسكو والقاهرة، ونمت التطلعات لسبر أغوار ذلك المجال الجديد بقوة.. والاستعداد للنمو المضطرد للترسانة النووية الصهيونية.. وبينما تراجعت مصر بسبب هزيمة 1967 ورحيل عبد الناصر بعدها بثلاث سنوات، تسببت توجهات السادات في فصم عرى العلاقة مع موسكو، بداية من سبعينات القرن الماضي، فلم تكن تعنيه المصالح العليا، ولا التوازن المطلوب في العلاقات الدولية، وتعامل بأساليب انفعالية ومزاجية، إما حب واستلطاف أو كراهية واستخفاف.. ورمى بالاستقلال والمصالح الوطنية جانبا.. وقد كان متيما بالنوم مع أعداء شعبه وأمته، ولم يخجل بالعمل المباشر لحساب واشنطن وتل أبيب، فأفقد مصر أصدقاءها ومكانتها ودورها البارز..
«استخف» السادات بالاتحاد السوفييتي السابق.. واختلق مبررات التوتر معه، وقطع حبل التواصل القوي بموسكو، ومع بدء عمل قناته السرية مع واشنطن قام بطرد الخبراء العسكريين السوفييت في 1972، وأشاع مقولته الخبيثة عن ملكية واشنطن لـ99٪ من الأوراق السياسية، والمثير أن قرار طرد الخبراء السوفييت كان محل استغراب «ثعلب» السياسة الأمريكية هنري كيسنجر (مستشار الأمن القومي في حكومة الرئيس ريتشارد نيكسون ووزيرا للخارجية بين عامي 1973 و1977).. وكان رأيه أن السادات أقدم على خطوة بهذا الحجم مجانا وبلا ثمن.. وهذا لا محل له في السياسة الدولية(!!).
اقترنت الاتفاقية المصرية الروسية بإعلان الرئيس السيسي التزام مصر بـ»معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية».. وأشار إلى أن سداد تكلفة إنشاء المحطة على 35 عاماً من خلال إنتاجها الكهرباء.. وبذلك أحيا بوتين تقليدا سوفييتيا سابقا في التعاون مع الدول الحليفة والصديقة، بشروط ميسرة، وقروض تُسدد على سنوات أطول وبفوائد إقل، والأهم أنها تسدد من عائد إنتاج هذه المشروعات، ومثل ذلك التقليد يثير حفيظة أباطرة المال، ويستفز ملوك التطبيع، ويقلق القوى المتربصة إقليميا، ويُغضب المنظومة الصهيو غربية، ذات التأثير البالغ على السياسات العربية والدولية!!.
تم الاتفاق تحت قصف داخلي وخارجي مركز.. وبدا القصف الداخلي سافرا، وازدادت معه الحملات الممولة من الطامعين في أرض المشروع وموقعه وصلاحيته لمنتجعاتهم أو «مستوطناتهم»، ولا أستبعد تحول هذه «المستوطنات» إلى مراكز تدريب على القتال، ومخيمات لإيواء مهجرين.. إذا ما نجحت الحكومات الغربية في الحصول على موافقة برلماناتهم بشن الحرب على المنطقة، ويستكملون إعداد مسارح العمليات لهذا الغرض، وهم الذين أزعجهم عجزهم عن إسقاط بشار الأسد، وصدمتهم العودة الروسية، ويعملون جاهدين على إبعاد موسكو عن القاهرة، فوجودها يصنع توازنا يحد من جموح دعاة الحرب في العواصم الغربية، وللعلم فإن المفاعلات النووية التي لم يكن للشركات الغربية يد في إنشائها صمدت أكثر من غيرها!
ولم يكن قرار اختيار منطقة «الضبعة» اعتباطا، فهي سهلة التأمين، وبعيدة عن التجمعات السكنية. وعليه يمكن تفادي ما حدث للمفاعل العراقي، وقد جاء على لسان الخبير النووي المصري «مدحت سابق» لقناة «العربية – الحدث» في فبراير/شباط الماضي، أن اختيار روسيا جاء لأنها دولة صديقة، وتعد الوحيدة التي تقوم بتصنيع مكونات المحطة النووية بنسبة مئة في المئة.. أي أنها لا تستورد أي مكونات من دول أخرى، ولها تاريخ طويل في دعم مصر، وهي دولة قوية لا يمكن اختراقها بسهولة. وينفي «مدحت سابق» قصف الطيران الصهيوني للمفاعل العراقي، ويؤكد أن نسفه تم بقنابل وُضِعت في جهاز التبريد الخاص بالمفاعل، فانشطر إلى كتل متناثرة، واختيار الضبعة يقلل من احتمال وصول أيادي عابثة إليه.. بجانب أنه يستوعب أربع محططات، طاقة كل منها بين 10 إلى 20 ألف ميغاوات، وبذلك يُقضَى على أزمة الكهرباء.
وكلما تصاعدت الحملات تكَشَّف الغرض من فائض المنتجعات «المستوطنات» عن حاجة السكن والسياحة، وبدت كأنها حوائط صد، وموانع معيقة لتنفيذ المشروعات الاستراتيجية.. ومن الممكن أن ينشأ عنها اختراقات، ويبدو أن قيادة «فريق» أباطرة المال والتطبيع عُقدت لصلاح دياب وسميح ساويرس (الضلع الثالث في «امبراطورية عائلة ساويرس» المالية والعقارية والمعلوماتية)، ويعاونهم من بعد حسين سالم، شريك عائلة مبارك، وكاتم أسرارها في صفقات الغاز لتل أبيب والسلاح والطيران، وإبراهيم كامل أبو العيون، رمز من رموز التطبيع، وهو مصمم وممول «موقعة الجمل» أثناء ثورة 25 يناير/كانون الثاني، ومالك قرية غزالة السياحية في الساحل الشمالي، وصاحب حق امتياز تشغيل مطار «العلمين»، ويملك حصة في فندق فور سيزونز الجيزة.. ومن أهم حلقات هذه السلسة محمود الجمال ومجدي راسخ، وهما عنصران فاعلان في «الحكومة الموازية». وتؤكد مصادر موثوقة أن رئاستها أسندت لجمال مبارك بمعاونة أحمد عز أمين العضوية بالحزب الوطني المنحل. وقد استمات للترشح في انتخابات البرلمان، ويُتوقع أن يكون لهؤلاء حضور قوي في مجلس النواب الجديد(!!).
ومن المنتجعات «المستوطنات» ما يتخذ مقرات «دوارة»، بعيدة عن أعين الناس، لعقد الاجتماعات.. وتتوقع المصادر نفسها قيام تحالف يجمع أباطرة المال والتطبيع وجماعات الإرهاب والعنف المسلح.. وجدير بالذكر أن نسبة أباطرة المال والتطبيع تقدر بأقل من 1٪ من عدد السكان، تسيطر على 50٪ من الثروة، ولا تتساهل مع ديون الحكومة لديها، ولجأت للمحاكم مطالبة بـ»مستحقاتها» مع الفوائد في ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.. وحرب صلاح دياب وسميح ساويرس وباقي الفريق على المشروع النووي، عبرت عنها رسالة بعث بها سميح ساويرس إلى «نيوتن»، «الاسم المستعار» الذي يكتب به دياب عموده في «المصري اليوم»، تقول الرسالة: «زقوا (ابعدوا) المحطة كام كيلو جوه (داخل) الصحراء الله يهديكم، واستفيدوا من أحلى وآخر قطعة أرض على الساحل يمكن أن تتحول إلى مدينة سياحية متكاملة» ويواصل: اللي خلاّنا (ما دعانا) أجّلنا المحطة تلاتين سنة نخليها أتنين وتلاتين! وبصراحة أكتر كمان متهيأ (يُهيأ) لي أن الميزانية متستحملش (لا تتحمل) حالياً خدمة قرض تاني بالمليارات»، والغريب أنه لا يتحمل تأجيل بناء «مستوطناته» لحين تحسن الأوضاع أيضا. ومن المعروف والمعلن والمنشور أن تمويل مشروع «الضبعة» بقرض مدته 35 سنة وبفائدة منخفضة (2.5٪). وعلق «نيوتن» قائلا: رسالة منعشة ومنشطة. باختصار: لو كان ممكن نقيم المشروع نفسه داخل الصحراء 20 كم. لن تتجاوز التكلفة نصف نفق واحد من الأنفاق الموصلة لسيناء تحت قناة السويس. بهذا نوفر 6 ملايين متر، ستعود على مصر (أي عليه وعلى الأباطرة من أمثاله، الذين يستحوذون على كل شيء).. ستعود بستة مليارات جنيه على الأقل»، وهل ما يدخل جيوبهم يحسب دخلا للدولة؟
وتثبت معركة «الضبعة» الحدة في استعراض القوة، بعد هزيمة الدولة في موقعة «منيل شيحة».. وجهد الأباطرة يركز على توجيه ضربة أخرى للدولة في «الضبعة».. وهكذا انقسمت مصر على نفسها، بين «شعب سوبر» أقل من 1٪ من السكان ويستأثر بـ50٪ من الثروة الوطنية، ويتعامل مع الفقر بمنطق ماري إنطوانيت زوجة لويس الرابع عشر.. ويشير تصنيف شركة «كريديه سويس» السويسرية إلى أن العشرة في المئة الأكثر ثراء امتلكوا 61٪ من الثروة عام 2000، وزادت ملكيتهم إلى 72.3٪ في عام 2014.. وباقي الشعب نزل إلى القاع، بنسبة فاقت التسعين في المئة من عدد السكان.. هل هذا الظلم البين يمكن أن يمر بسلام؟ سؤال نطرحه على أولي الأمر!.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب