الغارات الجوية وحدها لا تكفي… ولن يهزم الجهاديين إلا جيش بري… فهل أمريكا مستعدة؟ ولندن تكرر أخطاء غزو العراق وأفغانستان… وتتدخل في حرب أهلية شرسة

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: طرح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يوم الخميس أمام مجلس العموم رؤية حكومته حول المشاركة في الغارات الجوية ضد «تنظيم الدولة» في العراق والشام وقدم رؤية «مقنعة» وجدت زخمها من الهجمات الأخيرة التي أعلن تنظيم مسؤوليته عنها.
ومفاد الرؤية أن إرسال مقاتلات سلاح الجو البريطاني إلى الرقة، معقل الجهاديين مبرر قانونيا وهو فعل للدفاع عن النفس باعتبار تحول المدينة ومنذ سيطرة الجهاديين عليها إلى «مركز» تدريب وإصدار أوامر للانتحاريين في الخارج، كي ينفذوا هجماتهم على المصالح الغربية. فالتنظيم ليس عدوا لفرنسا ولكن لبريطانيا أيضا.
وترى صحيفة «التايمز» أن حقيقة قيام الأجهزة الأمنية بإحباط سبع هجمات كان يخطط لها متعاطفون مع التنظيم في بريطانيا تقدم مبررا كافيا لإرسال مقاتلات «تورنيدو» إلى سماء سوريا.

غياب التفاصيل

ومثل أي خطاب صادر من عاصمة غربية فالإقناع شيء والواقع أمر آخر. فقد خلا خطاب كاميرون الساعي لتجنب هزيمة جديدة في البرلمان، بعد هزيمته عام 2013، من أي حديث عن اليوم التالي للحرب.
وكما تقول الصحيفة فكلام كاميرون حول الخطة لما بعد تدمير مركز «تنظيم الدولة» في الرقة»كان أقل إقناعا».
فقد طلبت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم من رئيس الوزراء تقديم إجابات واضحة حول من سيدخل المدينة ومن سيحكم المناطق المستعادة من الجهاديين. معلقة أن الردود التي جاءت من كاميرون هي مجموعة من «التمنيات والأحلام المعسولة». وهذا واضح من رؤيته للقوات التي ستشارك على الأرض.
ويرى كاميرون إن ما مجموعه 70.000 من مقاتلي المعارضة السورية من غير المتطرفين أثبتوا قدرة على استعادة المناطق وإدارة المجالس المحلية، حتى في ظل الهجمات المستمرة التي تعرضوا لها من نظام بشار الأسد.
وعليه فيمكن اعتبار هذه القوات هي القوات المطلوب حضورها على الأرض. ويعتقد الخبراء أن هذا الرقم يعبر عن إفراط في التفاؤل، فهو يضع الجماعات التابعة للجيش السوري الحر والمقاتلين المعادين لـ»تنظيم الدولة» الذين يفترض أنهم معتدلون وبعضهم معاد للأكراد وكلهم يريد الملجأ والحماية من طيران الأسد والطيران الروسي.
ومع هذا فنحن لسنا أمام جيش موحد يستطيع أخذ زمام المبادرة. ولا يمكن والحالة هذه تحقيق وقف لإطلاق النار الذي يأمل كاميرون بتحققه بين المعارضة والنظام.
وتقوم خطة الغرب، في هذا الإطار على تحقيق وقف إطلاق النار وقيام تحالف محلي يوجه نيرانه ضد «تنظيم الدولة» في الوقت الذي يتوفر فيه الغطاء الجوي الروسي للقوات التابعة للنظام. ويفترض هذا التفكير استعداد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدفع وكيله السوري والقبول بهذا الترتيب.
ويقتضي أن الغرب يمتلك النفوذ كي يقنع فصائل الجيش الحر كي تدفن خلافاتها وتركز على «تنظيم الدولة».
وتعلق الصحيفة على المحادثات الدبلوماسية التي بدأت في فيينا واتفق المشاركون فيها مبدئيا على عقد انتخابات وفي حالة فشلت المبادرة هذه فلن يكون للغرب استراتيجية.
ويمكن للغرب أن يعتمد على الحلفاء العرب وإرسال قوات من الأردن والسعودية وربما مصر لكن هذا لن يؤدي لتحقيق الغرض الرئيسي للحرب، بل وقد يؤدي في المستقبل لتعقيد العلاقات بين التحالف الدولي ضد الجهاديين.
وتؤمن الصحيفة أن تدمير «الدولة» لن يتم من دون قوات على الأرض يمكن إمدادها بالمعلومات الإستخباراتية والأسلحة النوعية ويرافقها المستشارون العسكريون والقوات الخاصة.
وحتى يصل الجنود إلى الميدان فلا بد من إرادة سياسية تكون مستعدة لوضع أعداد كبيرة من القوات الغربية على الأرض ولتظل هناك، أي في سوريا لسنوات طويلة، فهذه حرب لا يمكن الفوز بها بسهولة، ولن تحسمها مجموعة من الغارات الجوية.
ورغم حديث كاميرون عن ضرورة بناء «قوة ثالثة» في سوريا تقدم للسوريين خيارا غير الخيار المر: إما الأسد أو «تنظيم الدولة» إلا أن واقع الأمر يقول أن لا دولة لديها «العضلات» العسكرية لتدمير «تنظيم الدولة» من دون أن يستفيد النظام الإجرامي لبشار الأسد هي الولايات المتحدة. وهذه الأخيرة مترددة للتدخل في ضوء تجربتها في العراق وأفغانستان. ولهذا تعلق «التايمز» «علينا أن نكون واقعيين حول ما يمكن لمقاتلاتنا التورنيدو عمله في الأشهر المقبلة».

الحاجة للنقاش

ولا تعارض صحيفة «الغارديان» التدخل العسكري بل تراه ضروريا، نظرا للخطر الذي يمثله على الدول التي مزقها ـ العراق وسوريا والمنطقة والعالم «لا أحد يناقش في الطريقة التي صور فيها كاميرون المخاطر التي يمثلها تنظيم الدولة».
وقالت إن «تنظيم الدولة هو عدو ضخم، فقد هاجمنا وحلفاءنا وسيقوم بمهاجمتنا حتى يوقف عند حده، والرد يجب ان يكون عسكريا».
وتضيف أن بريطانيا تشارك في العراق وتوسيع الحرب إلى سوريا يظل على مستوى تفصيلا يتعلق بمشاركة ثانوية في الحرب. ولهذا فهناك حاجة كما تقول لتحديد موقعنا في قتال التنظيم وما هو الأثر الذي ستتركه المشاركة من ناحية توسيع مجالات النجاح في ظل الجهود التي تقوم بها الولايات المتحدة والدول الأخرى.
وتتحدث الصحيفة هنا إن كانت هناك «خطة تستحق الاسم». ففي غياب الخطة الواضحة سيقول النقاد إن المشاركة البريطانية ستزيد من تدهور الأوضاع، بل ستعيد تكرار دروس حربي أفغانستان والعراق التي لم يخطط لهما أو طبقت فيهما خططا سيئة.
وترى الصحيفة أن سوريا لا تشبه هذان البلدان بل هي أسوأ. ففي العراق وأفغانستان كان يعرف البعض ما يجب عمله ولكنهم ترددوا.
وبالمقارنة فسوريا فقد تم التخلي عن التأثير الدبلوماسي بسبب الطريقة التي تصرفت فيها الولايات المتحدة ولم تنتهز الفرصة التي كان يمكن من خلالها إقناع الرئيس بشار الأسد لتسوية من نوع ما مع أعدائه. لكن هذه الفرصة وإن وجدت الآن فقد أصبحت في الماضي. ولو وجد هناك من يرى بالضبط ما يمكن عمله فهم ليسوا معروفين. وتمضي الصحيفة بالمقارنة حيث ترى أن نتائج الغزو في كل من العراق وأفغانستان كانت الاحتلال الذي لم يواجه إلا عددا قليلا من المنافسين الخارجيين. أما في سوريا فالاحتلال ليس ممكنا وليس مرغوبا فيه أيضا.
ولم تعد الدول الغربية وحدها من يقرر الحال في سوريا فهناك لاعبون كثر. ومن هنا فقد تنشأ خطة للحل من خلال القوى التي تننافس على سوريا، وكل لها أجندتها الخاصة وليس من دولة واحدة مهما كانت قوية.
ومع ذلك فالدور الأمريكي مهم ويجب أن تدفع واشنطن بقوة أكبر من الماضي. وفي الوقت الذي تقوم فيه فرنسا بالدفع نحو تحالف وتعاون ضد «تنظيم الدولة» إلا أن واشنطن لها وزنها. وانتقدت الصحيفة بعض نقاشات كاميرون أمام البرلمان بأنها ضعيفة وغير صحيحة، خاصة في حديثه عن قوى المعارضة.
وانتقدت مزاعمه أن مشاركة بريطانيا في القتال ستحمي البريطانيين. وقد يكون هذا صحيحا على المدى البعيد بعد نهاية «تنظيم الدولة» ولكن على المدى القريب فبريطانيا ليست آمنة. فالتزام بريطاني بهذا المعنى سيدفع بريطانيا للغارات الجوية بالطريقة نفسها التي اندفعت فيها فرنسا وروسيا في الأسابيع الماضية.
لكل هذا ترى الصحيفة أهمية لنقاش الخطوة الجديدة التي اقترحها كاميرون. مع أن الأخير ليس بحاجة لتصويت برلماني وبإمكانه إصدار أمر للطيران البريطاني كي يضرب مواقع «تنظيم الدولة» في سوريا، إلا أنه وبحسب صحيفة «دايلي تلغراف» يبحث عن «إجماع» في البرلمان حول خطة توسيع الحرب وضرب مواقع «تنظيم الدولة» في الرقة وليس مجرد الحصول على إجماع.

عدم تكرار الأخطاء

ومن هنا يفهم وقوف كاميرون أمام البرلمان لساعات طويلة كي يجيب على الأسئلة. وتعتقد أن رئيس الوزراء حريص على أن لا يكرر تجربة عام 2013 عندما رفض البرلمان وبالإجماع خطته للمشاركة في ضرب الأسد بعد استخدام السلاح الكيماوي ضد أهل الغوطة الشرقية قرب دمشق.
وتركت الهزيمة في البرلمان أثرها على العلاقات «الخاصة» مع الولايات المتحدة. وتعتقد الصحيفة أن حصول كاميرون على إجماع صعب خاصة أن زعيم العمال جيرمي كوربين لا يزال غير مقتنع بحكمة العمل العسكري، رغم قرار الأمم المتحدة الداعي لضرب الجهاديين في معاقلهم.
وعليه فليست هناك فرصة لتوصل المعارضة إلى قرار جمعي بهذا الصدد. وتقترح الصحيفة تنظيم تصويت حر حول الموضوع، خاصة في ظل وجود أصوات قليلة تعارض القرار داخل المحافظين فمن المتوقع حصول كاميرون على تفويض مقنع يبحث عنه.
ولكن المشكلة في قرار كهذا هي مخاوف عدد من المتشككين الذين يخشون من تورط طويل الأمد في مسرح الشرق الأوسط بعد فوضى غزو العراق. ورغم تعهد كاميرون بعدم حصول هذا، لكن ماذا سيكون رده حالة طلبت فرنسا دعم تدخل بري؟
وتحذر قائلة إن قوات الجيش السوري الحر ليست في وضع يؤهلها لتحرير المناطق من «تنظيم الدولة»، ففي سوريا اليوم فقط القوات التابعة للنظام المدعومة من روسيا هي القادرة على السيطرة على المناطق بحسب الصحيفة.
ومع ذلك يصر كاميرون والقادة الغربيون على استبعاد أي دور سياسي للأسد في المستقبل. وتقول إن الغرب قام بزعزعة استقرار المنطقة عندما أطاح بالحكومات العلمانية وسمح بالقوى الدينية لملأ الفراغ.
ورغم اعتراف كاميرون بان غزو العراق «سمم البئر»إلا أنه عبر عن أمله أن لا يتأثر تصويت النواب بتجربة الماضي.
وأكد كاميرون على أهمية إعادة إعمار سوريا بعد طرد «تنظيم الدولة» وتنصيب حكومة جديدة. وكل هذا يحتاج إلى قرار سياسي، وهو من الصعب تحقيقه. وتتفق «تلغراف» مع البقية أن ما سيحدث بعد يظل من دون إجابة.

مهمة زاحفة

وفي الوقت الحالي أكد كاميرون على «استراتيجية داعش أولا» وهو يعني مرحلة ثانية لكن غير محددة. وهذا هو جوهر ما يحذر منه بعض المعلقين. ففي تحليل كتبه روجر بويز في «التايمز» حذر فيه من المهمة الزاحفة في سوريا.
ويقول بويز إن المشككين بالتدخل العسكري قد يؤدي إلى انتقام «تنظيم الدولة» ويزيد من تعاطف الشباب معه.
ويرى الكاتب أن مخاوف اللجنة البرلمانية مفهومة «والخطر الحقيقي هو أن يختفي مقاتلو «تنظيم الدولة» في مخابئهم عندما يبدأ القصف ويخرجون سالمين بعد توقفه».
ومن هنا فقد تضطر واشنطن لتشكيل قوة متعددة الجنسيات لاستعادة الرقة، وهو ما سيجر بريطانيا للحرب.
وفي السياق يقول باتريك كوكبيرن في تحليل نشرته «إندبندنت» «خطة ديفيد كاميرون للمشاركة في الحرب هي وثيقة مثيرة للقلق وملآى بالأماني حول الوضع السياسي والعسكري على الأرض.
وهي وصفة لتكرار الفشل السابق في العراق وأفغانستان وليبيا من خلال إساءة تقدير قوة الأعداء والحلفاء على حد سواء».
ويرى كوكبيرن أن كاميرون قدم صورة عما يجري في سوريا والعراق بالطريقة التي تحلم الحكومة بأن تكون عليها «لو كان هو والمسؤولون عن تنفيذ السياسة البريطانية يؤمنون حقا بها فسنواجه مفأجآت شريرة».
ويقول إنه من المهم تقدير وضع «تنظيم الدولة» وفيما إن كان يزداد قوة أو ضعفا في العراق بعد تعرضه لـ5.432 غارة شنت بريطانيا منها 360 غارة. وقام الطيران الملكي البريطاني بـ 1.600 طلعة وهو ما يظهر صعوبة تحديد الأهداف في العراق وسيواجه نفس المشكلة في سوريا.
وفي الوقت الذي يقول فيه كاميرون أن بلاده، وبتعاون مع الدول الحليفة، ساهمت بدحر تنظيم «الدولة» وخسر نسبة 30٪ من أراضيه.
ويناقض كوكبيرن هذا الرأي بالقول «في الواقع إن الوضع أصبح أكثر سوءا. فقد سيطر التنظيم في أيار/مايو على الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار وهزم الجيش العراقي رغم الدعم الجوي القوي من الطيران الأمريكي.
وما خسره التنظيم من مناطق تقع على هامش المناطق المهمة الواقعة تحت سيطرته في الموصل وعلى طول نهر الفرات». ويكرر كوكبيرن ما قاله في الماضي وهو أن الميليشيات الشيعية التي تدعمها إيران هي الجهة القوية القادرة على التصدي للتنظيم ومع ذلك لا تحظى بغطاء جوي.
وفي سوريا يرى أن القوى التي يريد الغرب تسليحها هي تلك التي يسيطر عليها الإسلاميون من مثل «جبهة النصرة» و»أحرار الشام».
والمكان الوحيد الذي تتمتع به المعارضة المعتدلة هو في الجنوب، والتي شنت هذا الصيف حملة عسكرية تحت اسم «عاصفة الجنوب» ولكنها لم تحقق الكثير من المكاسب.
ويعتقد أن تكرار كاميرون استخدام كلمة «معتدلون» تشير إلى أنه لا يعرف هويتهم وحتى وإن وجدوا فهم في الظل و»بالتأكيد فوجود جماعات كهذه سيكون مقنعا، ولكنها للأسف ليست موجودة».
ويذكر كوكبيرن أن كاميرون على ما يبدو لم يأخذ بعين الإعتبار أنه يتدخل في حرب أهلية معقدة ومتوحشة بشكل متطرف. ويشير إلى افتراض القوى الغربية والذي يقوم على مرحلة انتقالية سهلة وظهور حكومة يتقبلها كل السوريين بعد رحيل الأسد.
ولكن السيناريو البديل عن رحيل هذا الأخير هو انهيار مؤسسات الدولة وانتصار «تنظيم الدولة» و»الخلافة» المزعومة التي أعلنت عنها.
ويقول إن مشاركة بريطانيا في حرب «تنظيم الدولة» لا تزال في الحد الأدنى، ولكن من الواجب أن يكون لديها معرفة جيدة لهذه الحرب الخطيرة.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية