البابا تواضروس في القدس المحتلة… دين أم تطبيع؟

حجم الخط
11

في حدث نادر فرض نفسه على خارطة تغلي بأحداث وتطورات متلاحقة، يقوم البابا تواضروس، بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية بزيارة تاريخية إلى القدس المحتلة، هي الأولى من نوعها التي يقوم بها جالس على كرسي البابوية منذ عشرات السنين، ويترأس خلالها الصلاة على جثمان الأنبا إبراهام مطران القدس. وبالنظر إلى ما شكلته الزيارة من مفاجأة، وما أثارته من جدال واسع حول مدى اتساقها مع الموقف الرسمي للكنيسة القبطية الذي يمنع زيارة المدينة إلى حين تحررها من الاحتلال الصهيوني، حاول البابا احتواء الموقف بالتأكيد على أنه «جاء في عزاء وليس في زيارة». وأضاف لدى وصوله «أن هناك أسبابا خاصة وجانبا شخصيا وراء حضوره لوداع الأنبا إبراهام».
إلا أن ذلك لم يمنع انتقادات تركزت على أنه خالف قرار الكنيسة ما قد يفتح الباب إلى قيام المزيد من الأقباط بزيارة القدس المحتلة. واستمر الجدال حتى بعد أن أعلنت السلطة الفلسطينية أن البابا لم يدخل بتأشيرة إسرائيلية، بسبب ترتيب مسبق قامت به.
ومن المهم هنا الوقوف على الأبعاد الحقيقية لهذه الزيارة بعيدا عن التهويل أو التهوين أو محاولات تسجيل نقاط سياسية معينة، في ظل أهميتها حتى إذا كانت مجرد «مبادرة شخصية بهدف العزاء»، كما قال البابا.
أولا: إن تبوؤ المقام الرفيع للبابوية على رأس إحدى أعرق الكنائس التاريخية في العالم، كزعيم لأكبر طائفة مسيحية في الشرق الأوسط، لا يترك «مجالا شخصيا» لمن يتم اختياره بـ «رغبة إلهية» حسبما يؤمن اتباعه. وبالتالي فإن أي تصرف أو سلوك لا يمكن إلا أن يحسب عليه بصفته الكنسية.
ثانيا : إن وفاة مطران القدس الذي تولى منصبه قبل ربع قرن، عاصر خلالها كفاح الفلسطينيين وانتفاضاتهم بصحبة الزعيم الراحل أبو عمار، كان يجب أن يكون مناسبة وطنية وليست دينية فقط، تظهر تعنت السلطات الإسرائيلية، وحقيقة أن قمعها لحرية العبادة لم يقتصر على المسلمين، بل تعداه إلى المسيحيين منذ استولت على دير السلطان في القدس بعد احتلالها، وهو دير أثري للأقباط الأرثوذكس يقع داخل أسوار البلدة القديمة، في حارة النصارى بجوار كنيسة القديسة هيلانة و كنيسة الملاك. وكانت هذه الجريمة سببا مباشرا في فتوى التحريم التي أصدرها البابا شنودة قبل خمسة وأربعين عاما بمنع الأقباط من زيارة المدينة «إلا بصحبة إخوتهم المسلمين بعد تحريرها».
ثالثا : كان البابا تواضروس مطالبا، في حال إصراره على القيام بالزيارة، أن يضعها في إطار يكرس الثوابت الوطنية التي يستند إليها الموقف التاريخي للكنيسة، خاصة أن الزيارة تتزامن مع انتفاضة فلسطينية شهدت سقوط أكثر من مئة شهيد فلسطيني، بعضهم قتل بدم بارد غير بعيد عن الكنيسة القبطية. ومازال هذا ممكنا قبل أن ينهي البابا الزيارة، حيث أن الكنيسة المصرية ليست أقل وطنية من كنائس أخرى في القدس لا تتوانى عن إعلان دعمها للمقاومة وحق الفلسطينيين في كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وليس القدس فقط، في استعادة حريتهم وحقوقهم كاملة.
رابعا : إن خطورة هذه الزيارة تبقى في «سوء الفهم» الذي قد تنتجه، وآثاره على رصيد تاريخي مشرف من المقاطعة الشعبية المصرية لإسرائيل ورفض أي من أشكال التطبيع معها. ومن الإنصاف القول إن تلك المقاطعة نجحت في الصمود حتى في أوقات حالكة السواد، حاولت خلالها بعض الأبواق الإعلامية في مصر شيطنة فلسطين والفلسطينيين. ومن هنا فإن البابا، وهو الذي يتمتع بسلطة أخلاقية واحترام واسع عند المصريين جميعا بغض النظر عن ديانتهم، مطالب بإنهاء هذا الجدل بالتشديد على استمرار تحريم الزيارة، واتخاذ إجراءات ضد من يخالفون هذا الموقف.
وأخيرا، لم يكن مستغربا أن تلقى زيارة البابا ترحيبا من السلطة الفلسطينية التي تدعو العرب جميعا لزيارة القدس المحتلة كوسيلة لمقاومة الاحتلال، أو «ارتياحا صامتا» من النظام المصري الذي يعول على مواصلة التعاون الأمني مع تل ابيب في حربه ضد الإرهاب، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أنه أصبح يرغب في «تطبيع شعبي» مع إسرائيل، يعرف جيدا أنه غير قابل للتحقق لأسباب ثقافية وتاريخية واستراتيجية، ناهيك عن أنه لن يتحمل عواقبه الأمنية والسياسية.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية