السرير

حجم الخط
0

كان دائما يحلم الحلم ذاته، منذ أن كان صغيرا، فيستيقظ لاجئا إلى حضن أمه مرتعبا، فتهدهده كي يعود إلى نومه، بقراءة آيات قرآنية واضعة الكتاب الكريم فوق رأسه، كي تطرد الشر عنه، كما تقول له في كل مرة، لكنه لم يكن ليروي ما رأى لأمه، لم يكن ليروي لها ماذا جرى له في الكابوس، وهو لم يكن يسميه كذلك. بالمقابل روى لها ذات مرة، كيف أن أباه المتوفى مر عليه في الحلم وأعطاه نقودا، تلك المرة الأولى والأخيرة، التي رآه فيها، فلم يره في حياته، لقد توفي أبوه قبل أن يولد.
حين دخل سن المراهقة ومن ثم الشباب، كان الكابوس يتكرر في منامه، بدأ يسميه كذلك، ولكنه لا يعيره اهتماما، بدأ ممارسة أحلام اليقظة كنوع من الـتأثير في الكوابيس، يمشي في أرصفة المدينة ساهيا عن الناس، يحلم بوعي بكل ما لم ينله على أرض الواقع.
في سن البلوغ قاتل الكابوس بالقلم، متذرعا بما قيل عن الكتابة بأنها أحلام مرسومة بالكلمات، بريشة خيال الكاتب، كما توصف بأنها نوع من البقاء الإنساني ضد المحو الفردي والجماعي، الممارس بفعاليات شتى، ومنها الموت. ولم يجد ذلك نفعا، ذهب إلى طبيب نفساني، ليسأله عن ذلك الكابوس فقط، فنصحه بالزواج «لعلك تسقط في أحضان زوجتك». وآخر قال له: تزوج وانجب طفلا، فتصبح أبا، وبذلك تفسد حجة الكابوس وقوامها الشعور الآثم بقتل الأب وأنت لما تأت بعد إلى الحياة.
عندما تزوج، لجأ هو إلى مبررات طريفة، يتداولها مع نفسه ويضحك، منها أن السرير الذي نام عليه في طفولته وشبابه وبلوغه كان واطئا، مما يسهل لهذا الكابوس أن يقطفه من دون جهد ـ كأنه ثمرة في شجرة غصونها دانية.
الآن بات السرير مرتفعا، سرير الزوجية المنجور وفق الموديلات الحديثة، سرير الضغط العالي المندوف لأجل راحة الزوجين، وفي ليلة دفن فيها رأسه بين أوراقه، تأمل أن الكابوس لم يعد يأتيه، لم تدفع هذه الأوراق غائلة الكابوس عنه، بل ما دفعته طاردة الوحدة والوحشة، زوجته، وغدا سيأتيهما الطفل الأول، وبذاك سيكونون ثلاثة.
في تلك الليلة صاحت زوجته: لا تدفن رأسك بين الأوراق، بذاك سندفن رؤوسنا في الحياة، كانت ليلة صراع بين الزوجة وضرتها الكتابة، لم تكن الأولى، بل تتكاثر الليالي، كلما اقترب موعد قدوم الطفل إلى عالمهما. حين نام في تلك الليلة المعكرة، جاءه كابوس جديد آخر، أقوى منه، استيقظ منه بهبوطه على أرضية الغرفة بقوة، فقد رأى نفسه تمشي على صراط مستقيم شاهق العلو فوق بحر عكر لامتناه.
مع آلام الهبوط التي عاناها في اليوم التالي، قال: فسد الكابوس القديم، الهبوط المزمن من السرير إلى الأرض، وعلي إفساد كابوس جديد، ليس له حدود.

شاعر وكاتب عراقي

باقر صاحب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية