القيصر بوتين والسلطان أردوغان

حجم الخط
0

علاقات تركيا ـ روسيا تتدهور بسرعة، ولكن لا تقلقوا ـ قبل لحظة من الهوة سيتوقف بوتين واردوغان كونهما لديهما ما يخسراه اكثر مما يربحاه من حرب عالمية، وحتى من مواجهة عسكرية محدودة بين الدولتين. المشكلة هي مثلما في حالة الازمة الاسرائيلية التركية في مسألة «مرمرة» نحو شواطيء غزة، هنا ايضا يدور الحديث أولا وقبل كل شيء في مسألة عاطفين وشخصية بالاساس. غير أنه خلافا للحالة الاسرائيلية، حيث اصطدم اردوغان بقيادة اسرائيلية ردت بتفكر وبلا عواطف وحماسات، هذه المرة اختار أن يصطدم ببوتين الذي يشبهه في سلوكه الشخصي مثل قطرتي ماء.
وبالفعل، في اساس الازمة الروسية ـ التركية توجد قبل كل شيء المسألة الشخصية. فهذان هما زعيمان ذوا تطلعات كبرى، وانطلاقا من الكياسة لن نسميهما زعيمين مغرورين. فالقيصر بوتين يريد أن يعيد روسيا إلى عهود عظمتها الامبريالية، حين سيطرت على قارات وعلى بحار ولكنها سعت دوما إلى الجنوب، إلى المياه الدافئة للبحر الاسود والبحر المتوسط والتي لا تتجمد في الشتاء، وذلك بالطبع على حساب الامبراطورية العثمانية. اما السلطات اردوغان، من جهته، فيسعى إلى اعادة تركيا إلى عهود الامبراطوية العثمانية، حيث سيطر السلاطين في ارجاء الشرق الاوسط بل وما بعده.
ولكن فضلا عن الموضوع الشخصي، يوجد هنا بالطبع موضوع سياسي ايضا. فروسيا تشق طريقها نحو العودة للسيطرة في الشرق الاوسط. وهي تثبت لنفسها حصنا منيعا في سوريا وربطت نفسها بالجنرال السياسي، الحاكم في مصر. السيسي، مثل كثيرين آخرين في المنطقة، وان كان متعلقا بالدعم الاقتصادي الأمريكي، إلا انه لا يخفي بانه يثق ببوتين اكثر مما يثق بالرئيس اوباما.
المشكلة هي انه لاردوغان ايضا كانت تطلعات لفرض نفوذه على مصر وعلى سوريا. فبعد كل شيء، مصر بسيطرة رجل الاخوان المسلمين محمد مرسي، كانت مرتبطة وراء اردوغان حتى وصول السيسي؛ اما في سوريا، فيد الثوار الإسلاميين المدعومة من تركيا كانت هي العليا، على الاقل في غربي الدولة، حتى تدخل الروس والإيرانيين في شهر ايلول الماضي.
وكالمعتاد يوجد هنا بعد ايديولوجي، إذ ان بوتين يسعى إلى خوض حرب التنور والعلمانية ضد الإسلام المتطرف الذي يهدد روسيا ايضا. بينما اردوغان الذي يتنكر، مثل ادارة اوباما، لمجرد وجود الإرهاب الإسلامي، يسعى إلى تقدم الإسلام السياسي في كل الشرق الاوسط (حماس في غزة، الاخوان المسلمين في مصر والحركات الإسلامية في سوريا).
لا شك أن بوتين يمتطي اليوم الحصان ـ حصان قصور الدول الغربية عن مواجهة هجمة الإرهاب عليها. ولما لم يكن لاي دولة اوروبية ولا للولايات المتحدة أي جواب حقيقي على تهديد داعش، كمريح لها الاعتماد على بوتين كمخلص، كمن يرسل قواته إلى سوريا كي تقتل وتتعرض للقتل. المشكلة هي بالطبع ان بوتين يقاتل بالذات ضد الثوار السوريين المعتدلين، الذين هم في هذه اللحظة التهديد الفوري على حكم الاسد. ولكن احدا في الغرب لا يهمه ذلك، ويبدو أيضا ان احدا لا يتأثر بمئات، وربما الاف المواطنين القتلى التي تخلفها اعمال القصف الروسية.
لقد اسقطت الطائرة الروسية لانها تسللت إلى الاراضي التركية. فبعد كل شيء فان الروسي يستخفون بكل العالم. فهم يبعثون بالمناسبة بطائراتهم إلى مقربة من الحدود الاسرائيلية ـ السورية ايضا، ولكن هنا احد لا يتصور اسقاط دائرة روسية. اما في تركيا فيعتبر الروس ليس فقط كمن يساعدون العدو، بل وكعدو هم انفسهم.
ولكن بعد الخطابات العلنية سيأتي دور الدبلوماسية. يمكن لتركيا أن تجعل حياة الروس في سوريا جحيما، إذا ما تجندت لمساعدة الثوار السوريين الذين يعملون ضدهم. أما روسيا، من جهتها، فيمكنها أن تصعب على الاتراك اقتصاديا. وفضلا عن ذلك، فان قدرة تركيا على الاعتماد على الدول الغربية وعلى الولايات المتحدة، رفيقاتها في حلف الناتو، هي كما هو معروف محدودة.
وصحيح حتى الان إلى جانب بشار الاسد، وطالما استمرت تركيا في مساعدة الثوار السوريين، الذين تعمل موسكو اليوم ضدهم.

اسرائيل اليوم 30/11/2015

ايال زيسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية