كوربن الضحية المقبلة للحرب على تنظيم «الدولة»

التاريخ يعيد نفسه وفي أدق التفاصيل. قبل أكثر من اثنتي عشرة سنة بقليل عاشت بريطانيا جدلا سياسيا وشعبيا وبرلمانيا حاميا حول المشاركة في الحرب الأمريكية على العراق أم لا. كان آنذاك يقود حملة الحرب رئيس حكومة يساري (خان اليسار وكل شيء) اسمه توني بلير، التزم مع الرئيس الأمريكي جورج بوش وقرر أن يخوض الحرب مهما كان الوضع والثمن في بلاده التي لم ينتظر رأيها.
تظاهر الملايين في شوارع لندن، وخاض البرلمان نقاشات وصلت الليل بالنهار، وانقسم على نفسه بين مؤيد ومعارض. انقسمت الحكومة على ذاتها واستقال وزراء، وظن الناس أن أمر بلير انتهى. لكن كل ذلك لم يغيّر شيئا في قرار الحرب، فجرت في موعدها وكما أرادها من قرروها وخططوا لها.
بلغت الديمقراطية البريطانية مداها آنذاك.. عبِّر الناس عن آرائهم، مارسوا حقهم في أن يقولوا لا في التظاهر ورفع يافطات الاحتجاج واحتلال الشوارع المحيطة بالبرلمان ورئاسة الحكومة، فعاملتهم الشرطة بلطف وأدب. لكن بلا قدرة على تغيير القرارات السيادية، وقرار الحرب في 2003 كان من نوع القرارات السيادية، لا قوة في الأرض كانت ستحول دونه.
بريطانيا تعيش هذه الأيام نقاشا مماثلا شبيها في أدق التفاصيل. الفرق البسيط أن الجدل يجري داخل حزب العمال المعارض الذي يرفض قائده جيريمي كوربن تأييد تصميم رئيس الوزراء ديفيد كاميرون على قصف تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا والعراق.
كوربن يرفض الحرب، مثلما قاد حملات رفض حرب العراق في 2003، منطلقا من قناعاته السياسية والعقائدية كيساري مخضرم أقرب إلى الشعوب إن في بلاده أو في الخارج. وكاميرون يريد الحرب لأنه أقرب إلى المؤسسات والجهات التي تحكم العالم وتريد حروبا تشغل الدنيا وتحرك الاقتصادات وتعيد رسم الأولويات.
في الحالتين، لا يبدو تنظيم «الدولة» وخطره وضرورة القضاء عليه أولوية حاسمة. حتى لو لم تحدث هجمات باريس، وحتى لو منح التنظيم بريطانيا عهداً بالأمان وصلحا للخمسين سنة المقبلة، كان كاميرون سيجد مبرراً ـ أو مبررات ـ لخوض الحرب بالحماس ذاته والاندفاع نفسه. لا لشيء إلا لأن الحرب أصبحت إحدى الضرورات الأساسية لهذا الزمن وإحدى أدوات قيادة العالم. لا بد من حروب لتستمر الحياة. ومنطقة الشرق الأوسط جاهزة وأرضيتها خصبة على الدوام لكل أنواع الحروب.
وكوربن كان سيعارض الحرب حتى لو قصف تنظيم «الدولة» ساعة بيغ بِن بالمنجنيق ودمر كاتدرائية وستمنستر بالصواريخ! لا لشيء إلا لأن الرجل لا يؤمن بالحرب ولا يحبذها، ليس من منطلق تبريرها قياساً بالتهديد الذي قد يترتب عن عدم خوضها، إنما من رفضه لها عقائديا ومن كفره بالجهات التي تقرر هذه الحروب وتخوضها. تلك الجهات نفسها التي يؤمن بها، وربما يخدمها بحماس، رئيس الوزراء كاميرون.
كاميرون وجد في هجمات الثالث عشر من الشهر الماضي بباريس هدية من السماء، منحته مبررات أقوى وعززت موقفه وجعلت الذهاب إلى الحرب أمراً أسهل له، بغض النظر عن القرار النهائي الذي سيتخذه حزب العمال في هذا الشأن.
أما كوربن فوجد نفسه في مواجهة آلة إعلامية دعائية جهنمية مناوئة له تقليديا وعقائديا، لكن موقفه من الحرب منحها ذخيرة لا تنفد لانتقاده وهي التي لم تستفق بعد من صدمة فوزه بزعامة الحزب. لكن الأسوأ لكوربن أن وجد نفسه في مواجهة قيادات في حزبه، بدءا من نائبة توم واتسون، تنذره بوضوح وصراحة: إلى الحرب، أو تنازل عن رئاسة الحزب.
ومبررات أصحاب هذه الدعوات لا تختلف عن مبررات كاميرون وصقور المحافظين. منطق الحرب وضرورتها أذابا الفروق بين عمال ومحافظين، حتى لو قالوا إنها المصلحة والأمن القوميين للمملكة المتحدة.
هنا عقدة الموضوع كله: لا مكان لسياسي أو قيادي في الغرب يرفض حرباً يريدها أقوياء العالم ويريدونها، بغض النظر عن كلفتها (كلفة ما بعد احتلال العراق نموذجاً) ونتائجها، إذ لا أحد يؤمن، بما في ذلك كاميرون وفرانسوا هولاند وأشد المتحمسين، بأن الحرب بالطريقة التي يُخطَّط لخوضها في سماء سوريا ستقضي على تنظيم «الدولة» أو حتى تضعفه.
بوضوح أكثر، لا مكان لكوربن وسط هذا المهرجان الغربي الذي تُقرع فيه طبول الحرب بقوة أكثر. ولا مستقبل له في المؤسسة السياسية البريطانية والغربية على الرغم من أنه يلقى دعم الآلاف من منتسبي الحزب ومن أن عدد خصومه، دعاة الحرب، محدود ومنحصر في قادة وبرلمانيين.
ستبلغ الديمقراطية البريطانية (مرة أخرى) مداها فيتظاهر الناس بالملايين رفضا للحرب، ويستقيل قياديون سياسيون هنا وهناك، وتدور نقاشات طويلة وصريحة وساخنة، لكن النتيجة ـ المنطقية ـ التي يجب أن يستعد لها دعاة «اللاحرب» أولاً والمؤمنون بكوربن ثانيا ستكون مضاعفة: ستقع هذه الحرب كما يراد لها وتكون أقرب إلى العبثية، وسينسحب كوربن أو يُسحب من تحته البساط، لا تهم الطريقة والشكل، فنكتب عنه بعد شهور معدودة «زعيم حزب العمال البريطاني المعارض».
كوربن خطأ سياسي في مسيرة بريطانيا سيتوجب تصحيحه، والحرب على «تنظيم الدولة» هي البوابة من أجل التصحيح والعودة إلى الوضع الطبيعي والمقبول.. مجتمع سياسي بريطاني بكوربن كظاهرة صوتية (لا أكثر) وبلا قدرة على التأثير في القرارات.

٭ كاتب صحافي جزائري

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية