التراث المتحرر والحـداثـة الخـجولة

حجم الخط
0

التراث المتحرر والحـداثـة الخـجولة

بشير مفتيالتراث المتحرر والحـداثـة الخـجولةاستغل التراث في الثقافة العربية المعاصرة بمختلف تياراتها ليقوم بعدد من الأدوار المختلفة، وليساهم في بلورة ما يمكن أن نسميه بالخصوصية الفكرية والحضارية لهذه الأمة، وهو كما استعمل بصيغة البعد التحرري والثوري من طرف من حاولوا استخدامه في قضايا التقدم والحداثة والعصرنة، استخدم كذلك بصيغة الانغلاق والقداسة ممن لم يرو فيه إلا أصلا كاملا في ذاته، ومنتهيا فيها، وصالحا في المطلق لكل زمان ومكان، وهكذا تحولت /معضلة التراث/ إلي مأزق حقيقي، وإشكال مستعص علي القبض، وكلما تمادي النقاش الساخن، والجدل المشحون بصدده، ازدادت سلطته القدسية تلك، وغيبيته التي تريد فصله عن التاريخ، وسياق التفاعل البشري بين ما هو /دنيوي، وأخروي/ بلغة عمار بلحسن.ليست مهمة هذه الورقة الانتصار لهذا التيار أو ذاك، بالرغم من التنبيه إلي ضرورة قراءة تراثنا في ضوء المتغيرات الفكرية، والتحولات المعرفية، فتلك بديهة لا تحتاج إلي نقاش، ولكن أن نتساءل، خارج هذا النقاش المستفحل، والذي يعود في كل فترة، وعقد إلي واجهة الثقافة، بسبب سياق الأزمة، وما يسمي اليوم بالصراع مع الغرب، الذي يغذي نوعا من الانكفاء علي الذات، والبحث عن مسوغات تاريخية وتراثية، تعطي للأنا ضمانات الخصوصية، وشروط الاستثناء، وهي عوامل في غاية الأهمية ولكن ليست هنا موضوعنا المركزي.ما يجلب الانتباه بشكل خاص أثناء التحدث عن مسألة التراث، هو التعجب أحيانا من غناه وتعدديته، من كونه يفتح لكل أفق، ولكل تيار، أيا كان شكله، وتوجهه، وحتي تطرفه وراديكاليته، مكانا فسيحا له بين جنباته، حتي أننا بالفعل لنتساءل بدهشة كيف قدم لنا أسلافنا كل هذا الخزان المنفتح والمتعدد والثري، ونحن لم نعرف لحد الساعة كيف نستفيد منه، أو نتعامل معه، بل الأدهي والأمر، أننا لم نستطع حتي أن نكون في مستوي تطلعاته، وآفاقه الرحبة، التي ميزت الكثير من العلماء والفلاسفة والأدباء في فترة تبعد عنا اليوم بقرون بأكملها.سأحاول أن أتحدث عن حقل واحد، وليكن حرية الكتابة الأدبية، التي نعتبرها من قضايانا الجوهرية، ومعاركنا الكبري، والتي لا تفريط فيها ولا تنازل عنها، هذه القضية مثلا، والتي تثار الساعة في أكثر من بلد عربي، حيث تحرم الحرية علي المبدع، وتمارس عليه الوصاية بكل أشكالها، من دين إلي سياسة إلي مجتمع، فقط لأن هذا الكاتب العربي، أنتج رواية فيها بعض المشاهد الجنسية أو الكلام البذيء، فيها قليل من الجرأة، وتعرية النفاق السائد، والذي يمارس في واقع الناس بأشنع الصور، ثم إذا به فجأة يصبح تهمة من أخطر التهم التي تلصق بالكاتب لوحده، هذا المسكين، الذين مهما بلغت شهرته في العالم العربي لن يبيع من تلك الرواية أكثر من ألفي نسخة، كيف يمكن تصور شيء كهذا الآن، ونحن نعيش في قرن، دخلت فيه الصورة المتحررة من كل قيد أو شرط، سواء أكان أخلاقيا أو سياسيا بيوت العرب أجمعين؟ وهل حقا وصف مشهد جنسي، حتي لو تخيلناه خليعا لأبعد حد، يمكن أن يعادل صورة تلفزيونية من قناة غربية متخصصة في هذا النوع من الصور الخليعة، والتي لا يمكن مراقبتها بأي شكل؟ الجواب حتما سيكون بلا، ولكن مع ذلك هذا ما يحدث في يوميات الثقافة العربية، ففي كل مرة تثار قضية الحرية هذه، وحول المحظورات والممنوعات الكثيرة التي تحول دون تحقق أي إبداعية خالصة من التسلط والتحكم الرقابي.لقد صار الكاتب يكتب وفي ذهنه ألف عائق، وألف رقيب يحذره من البداية من عملية الكتابة بكل أمانة وصدق مع النفس، وهو يدرك ما سينجر من وراء أي خطوة متحررة في هذا الشأن، ومع ذلك فإن الإبداع لا يمكنه أن يعيش من دون حرية، ولهذا لا تتوقف تنديدات المنددين، ولا صيحات المتآمرين، والمراقبين، ولا يكل تحدي المبدعين، صحيح أن بعض الكتبة استغلوا هذه القضية، أي المنع والرقابة وحتي إهدار الروح، لاسترضاء عطف الغربيين، وحتي كطلب مساعدة للفرار واللجوء، وصحيح أننا أحيانا نتقزز بالفعل من كتابات لا نري لتوظيفها للمحرمات أي بعد إنساني أو جمالي، وصحيح كذلك، أن هناك قراء مختفين عن الأنظار، يتلهفون علي قراءة هذا النوع من الروايات، وكلها عوامل قد تدفع لتنشيط عمل غير إبداعي يقوم بعملية استغلال فاحشة، ولكن القضية تمس في مجملها من يعرف عنه الإبداع، والكتابة الحقيقية بالفعل، مثل نجيب محفوظ، وحيدر حيدر، والطاهر بن جلون، ورشيد بوجدرة..الخ.كل هذا يقودنا للعودة إلي التراث العربي، الإسلامي، كيف أنه بالرغم من كل ما يقال عنه، كان أكثر انفتاحا علي المبدعين، وأكثر تسامحا مع الكتابة، وتفهما لحريتهم، بل تمكن العرب من التأسيس لثقافة نقدية ترفض ربط الأدب بالأخلاق، وقراءة النصوص علي ضوء معيارية دينية. إن مقولات مثل /أجمل الشعر أكذبه/ و/ الشعر إذا دخل في الخير فسد/ وغيرها، مثل تلك النصوص التي بقيت خالدة وموروثة كـ ألف ليلة وليلة وأشعار أبي نواس وبشار بن برد.. وكتابات المتصوفة وما شابهها كانت تحمل معها ختم الحرية وشرف الكتابة الإبداعية التي لا تستجيب إلا لإكراهات الإبداع نفسه.هل وصلنا إلي تلك اللحظة التي سنقول فيها أن تراثنا كان أكثر تحررا من حداثتنا اليوم، وأن إبداع السلف بلغ آفاقا بعيدة المدي في القول الحر بينما نصنا الحداثي، أو ما يفترض فيه أنه كذلك، سياقيا علي الأقل، لا يزال عاجزا عن بلوغ نسبة صغيرة من جرأة هذا التراث الذي يعاد طبع الكثير من نصوصه في دور نشر عربية، ونكتشف من خلال ما كتبوه عن الجنس ببراعة وحذق وبلاغة جميلة أننا أقل جرأة، وأقل شأنا بكثير من عبقريتهم الإبداعية تلك، وببساطة، فإن سبب ذلك يعود، إلي أن مناخ الحرية والتسامح، كان يكفل الإقدام والمغامرة، بينما مناخ القهر والاستعباد والرقابة يحرم المبدع، وحتي القارئ كذلك، لأنه شرط أساسي في مثل هذه المعادلة من تقديم أي إبداع حر وصادق ونزيه.كاتب من الجزائر0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية