فلسطين…لن تكون أندلس أخرى

حجم الخط
0

بمناسبة الذكرى الخامسة والستين على نكبة فلسطين التي تصادف اليوم الاربعاء 15/5/2013
احد وثلاثون عاما هي عمري وأنا لاجئ في الشتات، أعيش بين إخوتي اللاجئين أيضا، في كنف والدي الذي شرد من أرضه مشيا على الأقدام، وأمي التي كانت تبكي بين ذراعَي أمها وهي تهرول مسرعة خوفا من فتك عصابات اليهود.
أبي ودع الكرم والخيل والبيت منذ خمسة وستين عاما، وهو يسمع نداءات تصدح ‘اخرجوا الان حتى نستطيع إعادتكم لاحقا بسلام، هي مجرد أيام فلا تقلقوا وأسرعوا باطمئنان ‘، وما زلت أنا أيضا بعد خمسة وستين عاما أسمع تلك النداءات، مع قليل من التغييرات لتواكب عصر العولمة والحداثة وثورة التقنيات.
أذكر في مرحلة الطفولة كيف كنا نتحلق أمام من هم أصغر منا، نهلل لهم عند نطق حروفهم الأولى ومحاولاتهم البريئة لنطق كلمة بابا وماما، وكيف كنا نتسابق الى تعليمهم قسرا نطق أسمائنا، لكن أكثر ما كان يترك أثرا في نفسي أننا وبالتوازي مع حبنا لسماع الأحرف الأولى وأسمائنا كنا نتحد جميعا، وفي لحظة لا إرادية غير متفق عليها، نحاول جميعا تعليمهم اسم فلسطين، فلسطين بكامل حروفها وأجزائها، لم أرَ أبي يقول ضفة غربية أو أسمع أمي تقول قطاع غزة، لم يرسم لنا أحد خطا أخضر لا داخل ولا خارج، هي فلسطين وكفى.
عشر سنوات من عمري قضيتها على مقاعد الدراسة في مدارس وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين، السمة المشتركة بين كل من فيها أنهم لاجئون فلسطينيون يحملون بطاقة بيضاء بالية تثبت جنسيتهم الفلسطينية وحقهم في العودة إلى أراضيهم وقراهم، هناك عرفت معنى اللجوء بحق ومعنى أن تستيقظ دونما وطن، تنظر إلى رواد المدارس الأخرى كيف يرفعون العلم صباحا ويرددون بصوت وقلب واحد النشيد الوطني، وأنت تقف صباحا لترى علما أزرق اللون مهترئا لا يمثل لك أي شيء غير أنه يذكرك بلجوئك وعذاباتك وخذلان الأمم من حولك، حينها علمت معنى الوطن وأن تكون في الوطن، واحترفت البكاء صباحا من أجل الوطن، كبرت وكبرت معي أحلامي بتقبيل تراب فلسطين، بافتراش أرضها والتلحف بسمائها، تفجر العشق في داخلي وأصبحت فلسطين حوريتي وأدركت أن العشق لا يموت بل يقدس ترابك حين تموت.
خمسة وستون عاما ونحن ننتظر، ونرى فلسطين وحدة واحدة، تسلمت الراية من أبي وسأسلمها لولدي وأوصيه أن يسلمها من بعده لولده وهكذا، فمعركتنا معركة أجيال، سنبقى نقاوم ونقاوم حتى تعود فلسطين كاملة، لن نستكين وننسى كما نسينا الأندلس، ففلسطين لن تكون أندلس أخرى.
خمسة وستون عاما ونحن ننتظر، ونرى فلسطين من النهر إلى البحر، من رأس الناقورة إلى أم الرشراش، من الفاء إلى النون، وهم يرونها غير ذلك، لا أظن أنهم حتى يرونها فهي تتقلص يوما عن يوم في نظرهم، حتى أنهم اختلفوا على من يقلص أكثر ويبتكر ويبتدع مسميات أكثر، فتسمع تارة قدسا شرقية وتارة مقاطعة رام الله الأبية، ولا ننسى إمارة غزة الإسلامية، كأنهم امتلكوا فلسطين تركة ورثوها يتسابقون فيمن يفرط أكثر، أما الآن وقد وصلوا قمة الإبداع أصبحوا كبلفور وتفوقوا عليه، يعطون أرضا هي حقنا مقابل أرض هي أيضا حقنا لمن لا يستحقها أصلا ليشرعوا الاحتلال ونتفاوض على الفتات .
يا سادتي تعلمت شيئا حتى أنني رضعته مع حب فلسطين تعلمت وأيقنت انه لا حاجة لي بالقدس اذ ما عادت قريتي لأنه من يفرط بحبة رمل تهون عليه الأرض كلها.
اسماعيل سعدي العزة ـ لاجئ في الشتات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية