التضامن مع فلسطين «بذبح شعبها»

حجم الخط
0

كما كل عام يحتفل العالم ومنظماته الدولية باليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي اتخذ له يوم التاسع والعشرين من نوفمبر يوما للتذكير بقرار التقسيم الشهير بالرقم 181 عام 1947، وجعلته الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1974 يوما للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
ويبدو يوم التضامن هزيلا أمام الانحدار المدوي للذكرى، بفعل تشابك الصراع وتراجع مكانة القضية الفلسطينية عربيا وإقليميا إلى مستويات صفرية، ونحن على أبواب تحولات جذرية ومصيرية لمفهوم التضامن وانعكاسه على التحولات التي تجري في الشارع العربي، من دون فهم الدروس الماضية ولا الحاضرة لاستثمار التضامن وتقديم خطوط ترسم مستقبلا أفضل من الماضي.
الحفاظ على تضامن دولي مختلف كلياً عن مشهد البيانات الموسمية التي دأبت على اجترارها، جل السياسات العربية والمحتفى بها فلسطينيا، لا يمكن تحقيقها في حالة الانقسام والتشظي التي تتصدر المشهد، مع سياسة رسمية فلسطينية متلبسة لحالة التعثر والإنكار لصوت الشارع، وتكبيله بجملة من السياسات العبثية، التي تنعكس ضمنا على حالة التضامن التي يطالب بها الفلسطينيون، لمواجهة العدوان الصهيوني المستمر على الأرض والإنسان والمقدسات، في حين تعمل بعض القوى والفصائل الفلسطينية على إشهار تضامنها مع قوى الاستبداد العربي، في وجه التحركات الشعبية المنادية بالديمقراطية والحرية.
وبات التضامن الرسمي الفلسطيني مع قوى الاستبداد يأخذ شكل التحالف في بعض وجوهه، كما في حالة التضامن مع النظام المصري، رغم خطواته العقابية والعدائية ضد سكان قطاع غزة، وحالة «التضامن والتحالف» مع نظام الاستبداد في دمشق ضد عدالة مطالب الشعب السوري، والصمت المدوي تجاه الجرائم التي لحقت بالفلسطينيين في كل مخيماتهم وداخل المعتقلات السورية، لا يمكنها ان تحافظ على عدالة التضامن مع الشعب الفلسطيني، إلا من زاوية الشعارات التي بقيت تلوح في الفراغ العربي منذ إشهار يوم التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني.
إعادة تعريف للتضامن: المقصود بالتضامن مع الشعب الفلسطيني، ليس المحصور بين الضفة والقطاع، بل كل الفلسطينيين على أرضهم التاريخية عام 48، وفي أماكن الشتات في جهات الأرض الاربع، أصبح القصد منه دعم سياسات فلسطينية رسمية، والتخلي عن جوهر التعريف بمن هو الفلسطيني الواجب دعم عدالة قضيته، على الأقل عربيا. شهدنا حالة فاشية وعنصرية غير مسبوقة مع قضيته في أربعة بلدان عربية، سوريا ومصر ولبنان والعراق، ولا نبلغ حد المبالغة إن قلنا إن بعض حالات انحدار التضامن، التي تتمثل في سلخ اجساد الفلسطينيين تحت التعذيب او اخفائهم قسراً قد «تفوقت» ببربريتها على سلوك وعدوان المحتل، وفي الجانب الآخر، إغراق غزة بمياه البحر وحصار اكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني تحت ذرائع تخدم مشروع المحتل، ولا تساهم بدعم الفلسطينيين بقدر ما تساهم في اذلالهم. قصة التضامن تطول فصولها في ذاكرة الفلسطينيين المؤلمة والنازفة بشعارات ظلت تطرق واقعهم المتردي، ما الذي تفعله سياسة فلسطينية من قضايا الداخل الفلسطيني عام 48، أو قضية اللاجئين المعذبين في سوريا ولبنان، بعد أن تمت تصفية وجودهم في العراق؟ وما المأمول من سياسة عربية خلفها تعمل على تقييد ولجم أحلام الفلسطينيين بممارسات تارة عقابية وأخرى قاتلة ومحاصرة لوجودهم المؤرق والمزعج، ليبقى شعار التضامن مع فلسطين مسروقا في ايدي الطغاة والمستبدين للمتاجرة بعدالة قضاياهم.
قل لي كيف تتضامن أقل لك من أنت: انتجت أيديولوجيا الاستبداد العربي مفهومها الخاص للتضامن مع الشعب الفلسطيني، أهّلها للتسلط على عدالة القضية وتمييعها، إلى الحد الذي جعل ذوبان التضامن الفعلي حد التماهي من بعض القوى مع سياسات الاستبداد، والصمت على جرائمه بحق الفلسطيني، فكيف سيكون التضامن البيني الفلسطيني مع عدالة المطالب الشعبية العربية المنتفضة واعطاء مسألة الحرية التي ينشدها المحتلون من المحتل، من دون تعزيز الدور والحجم اللذين يريد منهما الفلسطيني أن يكون التضامن معه، أولاَ في حفظ كرامته الانسانية والوطنية، لتعزز صموده أمام عدوان المحتل، لا أن يتصدى لازدواج المواجهة مع الاستبداد والاحتلال في وقت واحد، لقد اصبحت حالة «التضامن» الرسمي مع الفلسطينيين شذوذا عن مجرى الاخلاق والقيم والعدالة، وشكلت السنوات الخمس الاخيرة من محنة الفلسطينيين في سوريا ناظما اخلاقيا لمفهوم التضامن، بعد ان كان مفهوم التضامن مع قضيتهم الأم في مسائل لجم العدوان ووقف الاستيطان ودعم القدس، تشكل منحدرا كارثيا على مجمل القضية، كيف ستتضامن مع اللاجئين الذين هم «لب» الصراع وانت تقوم بثلاثة ارباع المهمة في مطاردة اللاجئ وقتله وسلخه في «فرع فلسطين»، وتدك مخيمه وتُهجره وتقتل زوجته وتغتصب اخته وابنته، ثم تقول للعالم إنك تريد تضامنا فعالا مع قضيته الأم، وتتركه يواجه مصيره بمزيد من الصمت والعقاب والتحالف مع القاتل، هكذا يكون التضامن الفعال مع القضية العادلة بتسهيل ومباركة قتل الفلسطيني وتدمير منجزاته لصالح الاستبداد لتصفية القضية، ومن شكل التضامن هذا خبر الفلسطيني قيمته في سجلات المؤسسة الرسمية العربية!
التضامن الحق في زمن الزور: التضامن الحقيقي ليس في اليافطات التي نشاهدها على محطات التلفزة الغربية، وفي أعلام فلسطين المرفوعة في كل العواصم الدولية فقط، فلسطين تحضر بقوة في وجدان الشعوب الحية، ليس في الشعارات المطالبة بالعدالة الحقة واحترام حقوق الإنسان الفلسطيني، بل في خطوات كثيرة أقدمت عليها تلك الحكومات والشعوب ليس آخرها الضغط لوسم بضائع المستوطنات الاسرائيلية بعلامات تدل على مصدرها، كمنتج يدل على السطو على أراضي الفلسطينيين والتظاهر الغاضب رفضا للعدوان والحصار، في ما يجري تزوير التضامن عربيا وفلسطينيا كما أسلفنا، التضامن مع اللاجئ الفلسطيني يتم باحتضانه ورعايته وحمايته من الموت غرقا أو سجنا أو تعذيبا، وليس في تزوير كل تاريخه وادعاء نسبه للاستبداد والطغيان، التضامن مع فلسطين يبدأ باحترام شعبها في كل أماكن وجوده وفضح التزوير والتآمر على قضيته العادلة بإسقاط كل الحجج والذرائع التي تسرق ليل نهار اسمه وتاريخه، ليلتحف بها المحتل والمستبد على سرير التعايش المشترك تحت غطاء «تحالف وتضامن لمحاربة الإرهاب».

٭ كاتب فلسطيني

نزار السهلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية