وقعت رواية «بياض ساخن» للروائية والشاعرة المصرية سهير المصادفة فى عشرين فصلا، واستغرقت 278 صفحة، وقد نشرتها الدار المصرية اللبنانية هذا العام 2015. وهي رواية محمّلة بالسمات الروائية لرواية تيار الوعي، حيث ينثال السرد بطريقة تقوم على التداعي الحر للمعاني في ذهن الشخصية الرئيسية. وقد كان السرد المتوالي هو المهيمن، حيث تراوح السرد بين لولا وعبلة، فقد كانت لولا تأتي أولا ثم يأتي الفصل التالي مرقما بعنوان عبلة، وبعد ذلك تأتي لولا، وهكذا طوال تسعة عشر فصلا، في حين يأتي الفصل العشرون والأخير بلا اسم.
وقد بدت الهيمنة واضحة للسرد مقابل الحوار في هذه الرواية، بسبب انتمائها لرواية تيار الوعي.
وهذا يعني أن هناك ساردا أعلى منظما للعملية السردية في الرواية ويعطي سلطة الحكي لكل شخصية من الشخصيتين.
وعند التمعن في الرواية حتى النهاية تتضح أن شخصية لولا وشخصية عبلة، هما شخصية واحدة مصابة بانفصام حاد، حيث تراقب عبلة نفسها من خلال لولا. فلولا مراقبة وعبلة مُراقبة وهنا يظهر الانفصام بحدة واضحة.
ولا تخفي دلالة اسم عبلة ، ولولا التى تعد اسم الدلع لعبلة، حيث تستدعي عبلة تاريخا عريضا من الحب النبيل وتستدعى فارس العروبة الأول عنترة بن شداد، الذي يظهر كمنقذ لها ومدافع عنها.
وهنا يبدو التداخل الرمزي بين عنترة بن شداد من ناحية والشعب المصري من ناحية أخرى، الذي تحتاجه عبلة/ مصر بشدة في هذه الآونة.
وبالنظر إلى صورة المرأة في هذه الرواية «بياض ساخن» للروائية المصرية سهير المصادفة نجد أن معظم الشخصيات النسائية فيها تعاني أتعس معاناة، كما نجد في الشخصية الرئيسية التي تعانى من انفصام حاد، أو مقهورة ـ كما في شخصية فاطمة عمة لولا ـ تفقد أغلى ما لدى الإنسان، إحدى عينيها نتيجة اعتداء لا يعرف معنى الرحمة أو الرجولة من زوجها، الذي هو في الوقت نفسه ابن عمها. وتعيش بقية حياتها عوراء اعورارا قبيحا. وقد كان اسم سيد زوج فاطمة له دلالة خاصة تتراسل مع ما يستدعيه هذا الاسم من هيمنة ذكورية رسّخها الحس العام فى المجتمع المصري، وتجلى بوضوح في ثلاثية نجيب محفوظ.
أما الأم فائقة الجمال التي كان اسمها عبلة أيضا، والتي كانت تلاقي معاملة ودودة جدا من زوجها، فإنها تقع بين براثن مرض السرطان الخطير الذي يودي بحياتها، ولكنها تتجدد من خلال ابنتها عبلة التي أصيبت بانفصام حاد.
وإذا كانت عبلة ـ حسب قراءتي لها ـ ترمز لمصر فإن مصر مهما مرت بظروف طاحنة فإنها تتجدد ولا يمكن أن تموت، وهذا ما كرّسته الرواية في النهاية، حينما فتحت باب الأمل في تعافي الشخصية الرئيسية عبلة/ مصر. وهذا التأويل يتراسل مع الواقع السياسي والاجتماعي لمصر، التي دخلت في فترة مختلفة عن الفترة التي تلقي الضوء عليها رواية «بياض ساخن».
وتبدو الزوجة الأولى للجد شوكت في شيخوختها وحيدة طريحة الفراش لا تستطيع مغادرته أبدا، مفتوحة البطن تظهر الديدان في بطنها، وقد تخلى عنها زوجها شوكت ببساطة غريبة.
وإذا كانت المرأة تظهر معبودة في كثير من الثقافات القديمة، ومنها ثقافات منطقتنا العربية، لأنها رمز الخصوبة والتوالد، ومن ثم الحياة التي تقهر الموت من خلال التوالد، فإنها هنا تبدو في أسوأ حالاتها، مما يشير إلى الحالة السيئة التي مر بها الوطن في فترة حكم الإخوان. كما يظهر مجدي أخو لولا وهو في حالة صعبة، مما يشير إلى وضع المجد المصري على المحك في فترة حكم الإخوان لمصر التي تتناولها الرواية.
ومن هنا فإن البنية الكبرى تتشكل من خلال ذلك، حيث تحكي الرواية قصة هذه البطلة ذات الانفصام الحاد، وما تلاقيه من أحداث تراها من منظور ذاتها المنفصمة، وما يمر بذهنها من صور تقوم على التداعي الحر للمعاني. وكان من نتيجة هيمنة تيار الوعي على هذه الرواية أن بدت الرحلة إلى الداخل أكثر منها إلى الخارج، وبدا تقاطع الأزمنة ذا وضوح بارز، وتراجعت الخطية الزمنية بصورة كبيرة جدا، ما جعل الرواية ذات سراديب حكائية ما تنتهي من سرداب حتى تدخل في سرداب آخر. وقد نهضت عملية التداعى الحر للمعاني في ذهن الشخصية الرئيسية بالكشف عن مكنونها الداخلي وما يعتمل في ذاتها من مشاعر ضاغطة.
وكان للضمير الأول «أنا» كما ظهر في سرد عبلة /الصورة المنفصمة للولا بدوره التآزري مع عملية تيار الوعي في الكشف عن العالم الداخلي وأعماقه وتياره الهادر غير المستقر والمفاجئ في سيره. في حين وجدنا الضمير المهيمن في سرد لولا هو الضمير الثالث «هي»، ما يجعلها في موقف المراقبة لغيرها من الشخصيات. والمراقبة بالأساس للصورة المنفصمة عنها وهي صورة عبلة. كما تآزرت الجملة الفعلية ذات الفعل المضارع في حمل المتلقي على أجنحتها إلى قلب الحدث وجعله يعيش السرد وينفعل به ويفاجأ بنتوءاته وانحرافاته الكاشفة.
وعلى الرغم من أن بنية الضمير الأول «أنا» في السرد وارتباطه بالجملة الفعلية ذات الفعل المضارع والسير بالرحلة السردية إلى داخل الذات ودهاليزها الغامضة، فإن الواقع السياسي والاجتماعي قد ظهر كبنية عميقة داخل هذا السرد الخاص. فتجاوب الواقع المأزوم في الفترة الزمنية التي تتناولها الرواية ـ أي فترة حكم الإخوان ـ مع الواقع المأزوم للذات الساردة. وهنا تبدو الدوائر الزمنية والارتدادات الزمنية وقطع الزمن ووصله.
وكان من نتيجة انعدام الخطية في هذه الرواية «بياض ساخن» لسهير المصادفة أن تغيرت البنية المكانية وأصبحت متغيرة. وشغلت أماكن متعددة، ولكن معظم هذه الأماكن تنتمى لليابس وليس للماء أو الفضاء، وظهرت أماكن في القاهرة والصعيد والإسكندرية.
وقد ارتبط المكان في الصعيد محافظة المنيا بحادثة لها دلالتها الخاصة على ما تحمله هذه الرواية من سمات نسوية واضحة، حيث تعرضت العمة فاطمة لاعتداء صارخ من زوجها سيد الذي يتجاوب اسمه مع «سي السيد» في رائعة محفوظ الثلاثية.
فقد فقدت إحدى عينيها وتشوهت بصورة هائلة لأن زوجها ضربها بالمنقد المشتعل بالنار وسقطت الماشة في إحدى عينيها.
كما تداخل المكان/ اليابس بالمكان/الماء فى الإسكندرية حيث سافرت عبلة في السوبر جيت ونزلت في فندق في إسكندرية وسارت على الشاطئ وتداخلت الحقيقة/ الخيال في ذلك الشخص الذي رأته على الشاطئ وبدت لعبة التحولات التي تجعل الرواية تسبح في جو من الغموض الموحي. حيث بدا هذا الرجل مرة في صورة الوالد ومرة أخرى في صورة الزوج ومرة ثالثة في صورة حبيب.
كما لمست هذه الرواية في بعض صفحاتها ـ من خلال بنية تيار الوعى ـ جماليات القبح على نحو ما نرى في تعرى عبلة أمام الجموع، وعلى نحو ما نرى في الزوجة الأولى للجد شوكت وهي مفتوحة البطن تأكلها الديدان، وهي طريحة فراشها أثناء شيخوختها.
كما تبدو الخلفية المعرفية والثقافية بوضوح في هذه الرواية للروائية المصرية سهير المصادفة، حيث يبدو التراث الإنساني المتنوع مجدولا عبر تيار الوعي الذي ينثال في سرد لولا/ عبلة الشخصية الرئيسية المصابة بانفصام حاد، فتقوم بدور المراقِب والمراقب في الوقت نفسه. وتبدو الثقافة القديمة والحديثة والمعارف المختلفة من خلال سردها. ويبدو الدور الكبير للواقع السياسي والاجتماعي في عملية الإنتاج لهذه الرواية اللافتة.
وما أظن أن هذه الرواية كانت ستخرج بهذا الشكل لولا مرور مصر بتلك الأحداث الضخمة التي مرت بها في السنوات الأخيرة، التي جعلت مصر تنقسم على ذاتها في حالة انفصام واضح وحاد تماما مثل الشخصية الرئيسية لولا/ عبلة التي تعاني من انفصام حاد، ويصل الأمر بها في ذروة صادمة إلى حد التعري تماما، ووقوفها أمام الجميع عارية، ولا تجد ممن يتشدقون بالتحجب والتستر من يلقي عليها فضل حجابه أو ثوبه كي يسترها.
وهنا يبدو التجاوب بوضوح بين الشخصية الرئيسية وشخصية مصر، وعلى الرغم من انتماء فكرة تعري مصر في عهد الإخوان إلى الجانب الفكري، فإن الرواية استطاعت أن تمنح هذه الفكرة من شعلة الحياة الفنية ما جعلها تتخلص من برودة الفكرة العارية وتتكون أمامنا خلقا حيا يتحلى بقلب الحياة النابض. ومن هنا فإن تشويش الاتصال بين الراوي والمروى عليه سيحدث إذا كان المروى عليه لا يعرف الخلفية السياسية والاجتماعية التي شكلت الأحداث الكبرى التي مرت بها مصر في الفترة الأخيرة.
ولذا فإن النظر إلى عملية التلقي لهذا العمل أي رواية «بياض ساخن» من خلال السياق النفسى والاجتماعي يكون ذا أهمية بالغة. وعلى الرغم من القتامة الظاهرة على مدار الرواية، التي تقع عبلة الشخصية الرئيسية في براثنها فإنها تفتح باب الأمل في نهايتها.
وقد حققت الرواية معادلة صعبة حقا بين الالتزام بقضايا الواقع السياسي والاجتماعي وجمال الإبداع. فهي لم تسقط في ما يسقط فيه الأدب الملتزم في بعض نماذجه الفجة من مباشرة وصوت زاعق وسطحية التناول. وكانت لتقنية تيار الوعي دورها الكبير في الانحياز بالرواية إلى الجانب الجمالي والفني وتسرب عبر الواقع السياسي والاجتماعي فتحققت المعادلة الصعبة.
كما أن عملية تحميل السرد الروائي بثمار ناضجة وانحرافات سردية وقطع ووصل واختلاف الضمير السارد تجعل للمتلقي دورا كبيرا فى عملية التأويل واختلاف القراءة من قارئ لقارئ مما يمنح هذه الرواية الكثير من الثراء.
كاتب مصري
عايدي علي جمعة