في معجمات اللّغة نقرأ: يقال: تمّ الشّيء إذا كمَلَ، وأتممته أنا. وأما عن كمَل، فنقرأ أنّه يدلّ على تمام الشّيء، يقال: كمَل الشّيء وكمُل فهو كامل، أي: تامّ. ونقرأ، أيضا: والكمال: التّمام الذي يُجَزَّأ منه أجزاؤه.. وأكملتُ الشّيءَ: أجْمَلْته وأتْمَمْته.
وهذا شرح قاصر، لأنّ تفسير التّامّ بالكامل وتفسير الكامل بالتّامّ لن يوضّح شيئا. فالذي يريد أن يعرف معني (التّامّ) ويقال له إنّه (الكامل) وهو لا يعرف معني (الكامل) فلن يعرف معني التّامّ. فإن فتّش في المعجمات عن معنى (الكامل) فسيجد أنّه يعنِي التّامّ، فأنّى له أن يعرف معنى هذا أو معنى ذاك؟!
وقد وردت اللفظتان في التنزيل العزيز، ولكننا حين نعود إلى كتب التفسير نراها لم تُعْنَ العناية اللازمة بالفرق بين (الإتمام) و(الإكمال)، بل اختلف أصحابها في المراد بكلّ منهما. ومن عجَب أن نقرأ لدى بعضهم أنّ تمام الشّيء: انتهاؤه إلى حدّ لا يحتاج إلى شيء خارج عنه، وأنّ كمال الشّيء حصولُ ما فيه الغرض منه، فاذا قيل كمُل ذلك فمعناه حصَل ما هو الغرض منه.
الذي نراه أن كّل تامّ في وقتٍ ما بحاجة إلى مزيد من الإتمام في وقت لاحق، بينما الكامل لا يحتاج إلى إتمام. فلننظر في الآية «اليوم أكملتُ لكم دِيْنَكم وأتْمَمْتُ عليكم نِعْمَتي ورَضِيْتُ لكمُ الإسلامَ دينا) (المائدة 3). فالدّين قد كمل ولا يحتاج إلى إتمام. أمّا نعمة اللّه، تعالى، فهي تامّة في كلّ لحظة من الزّمن، ولكنها تحتاج إلى إتمام في اللحظة اللاحقة. فهي تتواصل، ويتواصل إتمامها دائما، حتّى إلى ما بعد يوم القيامة، الجنّة كمالُ النّعيم، والجحيم كمال العذاب.
قوله تعالى: «ثمّ أتِمّوا الصّيامَ إلى اللَّيل» (البقرة 187) يعني أن الصّيام يبدأ منذ الفجر، ويتمّ في بدء الليل. ولكنّه لن يكتمل بذاك، لأنّ اللّيل موصولٌ بالصّيام، ولأنّ أخلاق الصّيام يجب أن تستمرّ وتتواصل. فهو لا يكمُلُ بانتهاء النّهار، بل يتمّ.
فمعنى الإكمال، هو الحدّ الأقصى الذي يصل اليه الشّيء، مما لا يحتاج إلى زيادة من بعد ذلك. وهذا المعنى المعبّر عنه، قرآنيّا، بالإكمال اعتبره جمهور المفسّرين معني (الإتمام) لا (الإكمال) وهذا الاعتبار يخالف لغة التّنزيل العزيز. والكامل قد يكون كاملا بحد ذاته، من غير إتمام وتتامّ.
ونقرأ (وأتِمّوا الحجّ والعُمرة للّه) (البقرة 196) فالحجّ، عبادة أيضا، لها طقوس واحدة، تتكرّر عاما بعد عام، وينتقل فيها الحاجّ من مرحلة إلى أخرى، وصولا إلى الهَدْي، أو نحر الذّبائح، والحلق، ورمي الجمرات وغير ذلك من مراسم الحجّ.
إنّ كلَّ انتقال من مرحلة إلى أخرى، كالانتقال من الإحرام إلى الطّواف، ومن الطّواف إلى السَّعْي بين الصّفا والمروة، إتمامٌ للعبادة السّابقة، وتمهيدٌ لعبادة لاحقة. وبإنجاز كلّ العبادات المطلوبة، يتمّ الحجّ. وهذا لا يعنِي أنّه قد (اكتمل) فاكتماله يتمثّل في تأثيره اللاحق في سلوك المرء مع نفسه ومع النّاس. ولذلك نقول إنّ الحجّ قد تمّ، حين تُؤَدَّى مراحلُه ولا نقول إنّ الحجّ قد اكتمل. فمن أجرى طقوس الحج كلها فقد أتمّ حجه. ولكنه لم يكمله إلا إذا صحب أهدافه معه في سلوكه إلى آخر أيام حياته.
واستعمالات القرآن الكريم لكل من الإتمام والإكمال في جميع آياته دليل على ما نقول، ومن ذلك الآية: «وإذ ابتلى إبراهيمَ ربّه بكلماتٍ فأتَمَّهنّ» (البقرة 124) فإبراهيم، قد (أتمّ) الكلمات التي ابتُليَ بها. وابتلاؤه بها لم يحصل دُفعة واحدة، فكلّما أتمّ كلمة منها، ابتُليَ بأخرى، وهكذا حتّى (أتـمّهنّ). وظلّ ذلك التّتامُّ متواصلا لديه ولدى الأنبياء من بعده حتّى اكتماله بنبوّة محمّد عليه الصلاة والسلام حيث: «اليوم أكملتُ لكم دينَكُمْ»(المائدة 3). وبسورة المائدة هذه اكتمل القرآن فاكتمل الدين. وقد يصف شاعرٌ نفسَه أو قومه أو ممدوحه بالكمال، ولكننا نراه مجازا متجاوزا للحدود اللغوية، وسبحان من له وحده الكمال.
باحث أكاديمي عراقي ـ لندن
هادي حسن حمودي