يقترح إدوار الخراط – بعد اطلاعه على منجزات سردية (قصصية وروائية) غيرية وذاتية – مصطلح «الكتابة عبر النوعية» أي التفاعل سيرشعري، حيث تنصهر أنواع الفنون القولية وغير القولية جميعا في نوع واحد، ولا يكون هاجس الدمج مجرد التجديد قصد التجديد، بل السعي إلى خلق نوع أدبي جديد يتمثل خصائص الفنون ويرصها جنبا إلى جنب ثم يتجاوزها، إلا أن هذا التجاوز لا يعني بحال إلغاء الأجناس الأدبية أو انتقادها، بل الاستفادة من تقنياتها وإثراءها والتجاوز لنسيج شكل أدبي مغاير في الشكل والمضمون.
إنها كتابة تهدف إلى مساءلة الجاهز وزحزحة المستقر فهي: «مغامرة روحية وأدبية، في الشكل والمضمون معا، فلا انفصال بينهما بطبيعة الحال، وهي كتابة (…) تشتمل على الأجناس الأدبية القديمة أو القائمة، تستوعبها وتتمثلها، ثم تتجاوزها وتتعداها، ليس ذلك نابعا عن هم التجديد من أجل التجديد، ببساطة بل ذلك هم الاكتشاف، هم اتصال حميم بجسد حقيقة ما، موضوعة دائما موضع السؤال».
ويرى إدوار الخراط في ما نعته بـ«الكتابة عبر النوعية» أو ما سماه بالقصة القصيدة، أو الرواية القصيدة، بأن أبرز خاصية فيها تكمن في التفاعل الحاصل ـ داخل هذا النوع الأدبي الهجين- بين السمة السردية والشعرية، ودمج أنماط لغوية مختلفة في النوع الأدبي المستحدث، وما درجة تمثيلية الخاصية الجوهرية لأحد النوعين الأدبيين المتداخلين في الثاني.
وتحيل عملية اندماج عدة مستويات لغوية داخل العمل الفني الواحد ظاهرة تعدد الأصوات أو الصيغ الحوارية، المبرزة لتعدد الموقف ورؤى الشخصيات. فالتراسل بين اللغة الشعرية واللغة السردية والوثائقية والرمزية والتخييلية والصوفية يكسب العمل الأدبي دلالة وقيمة أكبر مما لو جاءت كل لغة على حدة، وفي سياقات معزولة، فليس التفاعل هنا مجرد تجاوز، بل هو تراسل إيقاعي ودلالي يهدف إلى شمولية والرؤية الكلية التي تدفع إلى اقتناص الظواهر الخارجية والداخلية وإعادة تشكيلها للوصول إلى حقيقة الظواهر في سطحيتها وعمقها.
وبهذا، فإن «الصيغ الحوارية التي تدخل في صلب السرد تأتي أثرا ضروريا يحطم تلك الصرامة في صميمية التجربة، ويعدل من خصيصتها الحميمة، إنها تشير إلى الآخر وتؤكده، والآخر حقيقة أخرى، بدائية وجذرية لاشك فيها، حقيقة لا تحتاج المعرفة بها إلى برهان خارجي، ولكنها أيضا حقيقة تجري على مستويين: المستوى العميق الجذري، أي المستوى الليلي الجواني، وما إلى ذلك مما أعني بهذا الإيماء والمستوى الاجتماعي اليومي، مستوى حياة السوق والجري وراء أكل العيش».
غير أن تركيز إدوار الخراط في عملية صهر لغتين أو أكثر في لغة واحدة قام على مستويين من اللغة هما: اللغة الشعرية واللغة السردية، مادام النوع المشتغل عليه ـ القصة – القصيدة أو الرواية الشعرية – يحيل في شقيه إلى إحدى خاصياتها السرد والشعر، فمن خلال نسبة سيادة الواحدة على الأخرى يتم تصنيف العمل، هل هو شعري أم سردي؟ وإن لاحظ الخراط «أن نصيب السرد في العمل القصصي يتضاءل، وإن ظل هو المعيار، وظلت له سطوة، ويزداد في المقابل نصيب الشعر».
وقد قدم إدوار الخراط اسمه ليكون من الرواد الذين جربوا هذه التقنية في الكتابة في كثير من أعماله مثل رواياته: «رامة والتنين»، و«الزمن الآخر»، و«يقين العطش»، و«يا بنات إسكندرية»، و«ترابها زعفران»… إلى جانب أدباء آخرين أمثال، بدر الديب، محمد المخزنجي، والكاتبة اعتدال عثمان، ناهيك عن كتاب الجيل الجديد ومنهم ناصر الحلواني وغيره. وعموما، فإن إدوار الخراط سعى في هذا التنظير النقدي للرواية إلى تأسيس نمط إبداعي جديد للرواية، ينفتح على مختلف الأجناس الحوارية والرطانات المهنية، حتى تبقى الرواية على علاقة وطيدة مع المحكي اليومي والمحكي الأدبي نثرا أو شعرا، وكل هذا عبر الخصوصية الحوارية التي يمكن أن تكسبها الرواية من جراء أسلبتها لملفوظ الغير، سواء أكان أدبيا أم غير أدبي.
باحث مغربي
أحمد استيرو