قرطاج تختتم مهرجانها السينمائي وتتحدى الإرهاب

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: تمكن التونسيون من تحدي الصعاب ومواصلة تنظيم مهرجان قرطاج السينمائي، وتوافدت الجماهير إلى قاعات السينما متحدية الإرهاب الذي ضرب غير بعيد عن شارع الحبيب بورقيبة ومحيطه حيث تقع أغلب قاعات سينما العاصمة والمركز الإعلامي ومكان إقامة ضيوف المهرجان العرب والأجانب. لقد كانت دورة ناجحة بكل المقاييس لهذا المهرجان السينمائي العريق وزادها نجاحا تضامن ضيوف تونس العرب على وجه الخصوص وعدم مغادرتهم البلاد إثر الحادثة الأليمة التي ذهب ضحيتها عناصر من الأمن الرئاسي بعد أن فجر انتحاري نفسه بحافلتهم التي تقلهم إلى مقر عملهم.

التانيت الذهبي

والتانيت الذهبي، أكبر جوائز المهرجان، ذهب إلى الفيلم المغربي «جوق العميان» للمخرج محمد مفتخر، لكن البعض شكك في استحقاق الفيلم المشار إليه للجائزة واعتبروا الأمر محاباة للمغرب وإرضاء لها. إذ سبق وأن قبلت لجنة مهرجان قرطاج فيلما مغربيا آخر ليشارك في المهرجان هو فيلم «الزين إلي فيك» لهشام عيوش، والذي نال جائزة لجنة التحكيم، وهو فيلم منع عرضه في المغرب الأمر الذي أغضب على ما يبدو الجانب المغربي ما حدا بالجهات المشرفة على مهرجان قرطاج إلى إرضاء المغاربة بمنح الجائزة الكبرى لفيلم «جوق العميان».
ولعل الفيلم الذي كان مرشحا لنيل التانيت الذهبي هو الجزائري «مدام كوراج» أو «السيدة شجاعة» للمخرج الجزائري العالمي مرزاق علواش الذي اكتفى بطله الرئيسي عدنان جيمي بنيل جائزة أحسن ممثل وحصل على ما يبدو توافق حول هذه الجائزة. فيما نالت الممثلة ميمونة نداي من بوركينا فاسو جائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم « L’œil du cyclone» ومثل فوزها تكريما للسينما الافريقية التي تتطور بشكل لافت من دورة إلى آخرى وتثير إعجاب الجمهور التونسي.

تتويج تونسي

وفاز فيلم «The Endless River» من جنوب افريقيا بالتانيت الفضي لمسابقة الأفلام الروائية الطويلة فيما آل التانيت البرونزي لفيلم «على حلة عيني» للمخرجة التونسية ليلى بوزيد ابنة المخرج النوري بوزيد التي نالت أيضا جائزتين أخريين من جوائز المهرجان عن الفيلم نفسه إحداهما جائزة الإتحاد العام التونسي للشغل للديكور التي عادت لرؤوف الحليوي الذي ينتمي إلى الفريق التقني للفيلم.
كما عادت لتونس أيضا جائزة التانيت الذهبي للأفلام القصيرة التي كانت من نصيب فيلم «دياسبورا» لعلاء الدين أبو طالب. هذا بالإضافة إلى الجمهور التونسي الذي منح جائزة خاصة بهذه الدورة وذلك لإصراره على الحضور ومشاهدة الأفلام رغم العملية الإرهابية فكانت التذاكر تنفد منذ الصباح الباكر وتغص قاعات السينما بالمتفرجين من مختلف الأعمار والشرائح، بل أن الجماهير تضاعفت بعد العملية الإرهابية في مساهمة منها لإنجاح أعرق المهرجانات العربية والافريقية.

حضور جزائري لافت

وبالإضافة إلى جائزة أحسن ممثل المشار إليها والتي كانت من نصيب الممثل الجزائري عدنان جيمي، فقد كان حضور الجزائر لافتا في الحفل الختامي وعند الإعلان عن الجوائز. حيث نال فيلم «لمجة» للمخرج الجزائري عمر بلقاسمي التانيت البرونزي للأفلام القصيرة، وعاد التانيت الذهبي للأفلام الوثائقية للفيلم الجزائري «في راسي رونبوان» لحسن فرحاني.
كما نال هذا الفيلم جائزة الطاهر شريعة لأول عمل سينمائي، والمرحوم الطاهر شريعة هو مؤسس مهرجان قرطاج السينمائي وهو أيضا مؤسس مهرجان واغادوغو السينمائي في بوركينا فاسو. فقد كان لديه ولع كبير بتطوير السينما في تونس وفي كامل ربوع القارة الافريقية ونجح في جعل مهرجان قرطاج واحدا من أهم المهرجانات العالمية التي لا تعرض فيها إلا الأفلام الهادفة وتغيب عنها الأفلام التجارية باعتبار أن الجهة المشرفة على تنظيمه هي وزارة الثقافة التونسية ولم يتم تسليمه إلى القطاع الخاص.

تتويجات عربية

يشار إلى أن جائزة التانيت البرونزي للفيلم القصير عادت إلى الفيلم السوري «ملكات سوريا» ونال هذا الفيلم أيضا جائزة الكريديف (مركز البحوث والتوثيق حول المرأة التونسي) باعتباره يعالج مشاكل المرأة السورية. أما جائزة أفضل سيناريو فقد عادت إلى فيلم «رسالة الملك» للعراقي هشام زمان.
أما عن باقي الجوائز، فقد آل التانيت الفضي للأفلام القصيرة إلى الفيلم السنغالي «Terremere « والتانيت الفضي للأفلام الوثائقية لفيلم «Homeland» وجائزة الجمهور إلى فيلم «علي زاوة» للمغربي نبيل عيوش، مخرج الفيلم الممنوع المشار إليه.

استقبال رئاسي

ونظم رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي حفل استقبال في القصر الرئاسي في قرطاج تكريما لضيوف المهرجان من ممثلين ومخرجين وتقنيين وكتاب سيناريو وإعلاميين وغيرهم وذلك قبل الإختتام. ونالت هذه المبادرة الكثير من الإستحسان من ضيوف تونس الذين أبوا إلا أن يواصلوا التواجد وإكمال المهرجان إلى النهاية غير عابئين بخطر الإرهاب وبالتهديدات التي يتم إطلاقها.
وكان حفل الإختتام رائعا فرش فيه السجاد الأحمر قرب المسرح البلدي وسط العاصمة والتقط نجوم السينما الصور مع الجمهور الذي حضر بكثافة لمشاهدتهم. وقدم الحفل وتوزيع الجوائز الإعلامي المصري باسم يوسف وهو ما أعطى الإنطباع أن تونس عربية إلى حد النخاع ولا تميز بين إعلامي تونسي أو مصري بينما انتقد آخرون هذا الخيار على اعتبار أن مصر لا تدعو إعلاميين تونسيين لتقديم حفل اختتام مهرجان سينمائي على أرضها.

وفاء للبرنامج

وما يشار إليه أن منظمي المهرجان التزموا بالبرنامج فتم عرض أفلام في السجون بحضور فريق الفيلم وممثلين عن منظمات حقوقية، وتم عرض أفلام في مدرجات الجامعات للطلبة. كما انتقل المهرجان إلى مدن أخرى داخل البلاد وذلك رغم العملية الإرهابية الجبانة ومنع التجوال الذي تم فرضه إثر هذه العملية من الساعة التاسعة ليلا إلى الساعة الخامسة صباحا.

مهرجان حضاري

وبذلك حافظ المهرجان رغم كل شيء على سمعته باعتباره وريثا لفنون واحدة من أعرق حضارات العالم القديم (قرطاج)، التي ازدهرت فيها شتى أنواع الفنون وكانت الإستثناء في حضارات الجنوب في حقبة ما قبل ميلاد المسيح التي مارست حق اختيار الحاكم عن طريق الانتخاب بعيدا عن التوريث وأعجب الفيلسوف أرسطو بنظامها السياسي الذي صنف على أنه ديمقراطية من ديمقراطيات العالم القديم.
كما حافظت الهة الخير والخصوبة لدى القرطاجيين «تانيت» على ألقها وأطلق إسمها على أهم جوائز هذا المهرجان الأسطوري المتجذر في تربته المغاربية، والمتطلع إلى انتمائه الافريقي منذ أسفار الرحالة القرطاجي الشهير حنون، والمرتبط روحيا ببلاد المشرق العربي منذ أن قدمت مؤسسة قرطاج الأميرة عليسة أو إليسا أو أليسار من سواحل صور اللبنانية تجر عذاباتها وهموم بلاد فينيقيا وكنعان.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية