حادث إسقاط الطائرة: تصفية حسابات القيصر والسلطان على الأرض السورية

حجم الخط
0

لم تتوقف دعوات الإنتقام التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضد تركيا بعد إسقاط الأخيرة مقاتلة سوخوي 24 دخلت لمدة قصيرة الأجواء التركية. فبعد إعلانه حزمة من العقوبات الاقتصادية وتحذيره السياح الروس من السفر إلى تركيا ووقف معظم أشكال التعاون العلمي والتواصل الثقافي بين البلدين تكون مرحلة «ذهبية» وإن كانت قصيرة في العلاقات بين البلدين قد انتهت.
فقد اعتبر بوتين التصرف التركي «طعنة في الظهر» ورفض مقابلة الرئيس طيب رجب أردوغان في مؤتمر المناخ الذي عقد الأسبوع الماضي في العاصمة الفرنسية باريس. واتهم بوتين أردوغان وعائلته بحماية تجارة النفط التي يسيطر عليها تنظيم الدولة في العراق وسوريا وهي اتهامات قوبلت في أنقرة بالسخرية وعدم التصديق. وكما تقول مجلة «إيكونوميست» (5/12/2015) «ففي ثوان قليلة خرب صاروخ أطلقته طائرة تركية سنوات من الدبلوماسية، فحتى ذلك الحادث تعامل الكرملين مع تركيا كشريك استراتيجي». ورأى الروس العاديون في تركيا مكانا رخيصا للسياحة وانتعشت التجارة المشتركة بين البلدين خاصة في مجال الطاقة وساهمت شركات البناء التركية ببناء مدينة سوتشي التي استقبلت الألعاب الأولمبية الشتوية 2014. وفي العام الماضي مدح بوتين أردوغان ووصفه بالزعيم «القوي» لدعمه العلاقات مع روسيا في وقت أدار الغرب ظهره له بعد النزاع في أوكرانيا. ولكن تركيا اليوم أصبحت كما تقول المجلة العدو الرئيسي لروسيا. وبحسب الدعائي ومقدم برنامج تلفزيوني ينطق عن الكرملين ديمتري كيسليف «فتركيا اليوم خطيرة». ولم تقتصر الدعوة للمقاطعة التركية على التجارة والسياحة بل ودعا وزير الرياضة نوادي كرة القدم الروسية بعدم شراء اللاعبين الأتراك في موسم انتقال اللاعبين. وقررت عشرات الجامعات الروسية قطع علاقاتها مع نظيراتها التركية وتم استدعاء التلاميذ الروس من برامج التبادل التعليمي في المدارس التركية. ووجد سائقو الشاحنات التركية أنفسهم ينتظرون لساعات طويلة على الحدود الروسية فيما تقدم محامون في روسيا بشكاوى نيابة عن أتراك تعرضوا للتحرش في روسيا ونقلت المجلة عن مراد موساييف، المحامي المقيم في موسكو إن عمليات التحرش «تحدث في كل مكان من فلاديفستوك إلى كالينغراد».

خسائر

وستلقي الأزمة بظلالها على الدولتين اللتين ستخسران من المواجهة بطرق متباينة. ويقول بعض المحللين إن الآثار لن تتجاوز الوخزة بقدر ما هي طعنة. ففي الجانب التركي قد تتضرر بعض الشركات من قرار الحظر على الطعام والسياحة ولكن العائدات التركية السنوية من التبادل التجاري مع روسيا لا تتجاوز 1٪ بحسب فاطمة ميليك الاقتصادية في «أقبانك» بل ومن المتوقع أن تكون الخسائر أقل. أما بالنسبة لروسيا فستكون أكبر حيث ستزيد من نسبة التضخم بنسبة ما بين 1٪ ـ 1.5٪ حسب ناتاليا أورلوفا الاقتصادية في بنك «ألفا» الروسي. وتقول المجلة إن الحظر صمم ليبدو جيدا على التلفاز أفضل منه في الواقع. مثلا لم تشمل قائمة الحظر الليمون التركي الذي يشكل 90٪ من الذي يباع في متاجر روسيا. ولم تمس القائمة الغاز الطبيعي الذي يعتبر عماد العلاقات الروسية ـ التركية. إلا أن العقوبات صممت لكي يتم التراجع عنها ولكن هذا لا يعني تحسن العلاقات بين البلدين في أي وقت قريب.

سوريا

وكشف إسقاط الطائرة عن الخلافات المرة بين البلدين حول سوريا. وأجبر النزاع مع روسيا الأتراك إلى إعادة النظر في علاقاتهم مع الغرب وكما يقول سوات كينكلي أوغلو مدير معهد الإتصالات الاستراتيجية فقد فهم المسؤولون الأتراك أن «مصالح تركيا الأمنية مرتبطة بالغرب». ويرى بافيل شيلكوف في مقال نشره موقع مركز «كارنيغي» (25/11/2015) أن عودة سوريا كموضوع رئيسي للنزاع بين البلدين جاءت في وقت حاولت فيها كل من روسيا وتركيا عبر العلاقات التجارية والتبادل الاقتصادي تجاوز الخلافات بينهما المتعلقة بسوريا إلا أن التدخل العسكري الروسي في نهاية شهر إيلول/سبتمبر أثار مخاوف أنقرة التي شعرت بالإحباط ليس لأن التدخل عزز موقف الرئيس السوري بشار الأسد بل ولأنه ساعد الأكراد الذين ترى فيهم تركيا خطرا قوميا. كما أن الأجواء التي سادت في مرحلة ما بعد هجمات باريس زادت من فرص التعاون الغربي مع روسيا وهو ما أثار مخاوف تركيا على مصالحها في سوريا. ويرى شيلكوف الذي يعمل محللا في معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية في موسكو أن دعوة تركيا الناتو لمساعدتها هي محاولة لاستعادة تأثيرها في سوريا. وعليه صورت تركيا دخول الطائرة الروسية الأجواء التركية كتحد للناتو. ويعتقد شيلكوف أن كل العلاقات التجارية والسياسية التي بنتها أنقرة وموسكو خلال السنين لم تعن الكثير عندما تعلق الأمر بالصدام بينهما على الساحة السورية. ولكن الخلافات تؤشر لأزمة الرئيس بوتين نفسه الذي يبحث عن مخرج.
فتصعيد بوتين للهجته ضد تركيا خاصة في خطابه الذي ألقاه في 3 كانون الأول/ديسمبر بأنها استحضار للنبرة القومية ضد تركيا وبالتأكيد سيجد الرئيس ردا من قطاعات شعبية كما قالت «الغارديان» في افتتاحيتها (4/12/2015) حيث وصفت أداءه بالمثير للفضول، ومن رجل أدهش وأقلق العالم بسياساته الجريئة والمتعمدة من ضم القرم وحربه في شرق أوكرانيا وتدخله العسكري في سوريا. وترى أن بوتين في لهجته المتشددة حاول التغطية على ثمن تدخلاته العسكرية من خلال الهجوم على تركيا، فالقرم تعيش في الظلام منذ قيام التتار وحلفائهم الأوكرانيين بتدمير خطوط الكهرباء التي تزودها بالنور. كما أن وكلاء روسيا في أوكرانيا أصبحوا خارج السيطرة ويطالبون بأكثر مما تستطيع روسيا تقديمه. ولهذا تفكر موسكو بتسوية مع أوروبا التي رعت اتفاقية بين البلدين تقوم على التعاون مع أوروبا في الملف السوري مقابل تسوية مع أوكرانيا ورفع العقوبات الأوروبية. وفي سوريا نجح التدخل الروسي بدعم النظام السوري لكنه لم يحقق تقدما حيث صد مقاتلو المعارضة الهجمات الأولى بعد حصولهم على صواريخ مضادة للدبابات من دول الخليج. كما واكتشفت روسيا مثل أمريكا قبلها أن القصف الجوي ليس الجرعة السحرية. وبالسياق نفسه فالحل الدبلوماسي شائك خاصة أن التحالف الروسي ـ الإيراني ـ العراقي الضعيف في مجال تبادل المعلومات الأمنية يمكن أن يتداعى في أي لحظة بسبب الشكوك الإيرانية والخلافات حول مستقبل الأسد حيث تخشى طهران من تخلي موسكو عن الرئيس السوري. ولهذا فالتوتر التركي ـ الروسي يضيف من التعقيدات التي تواجهها موسكو في سوريا. إلا أن بوتين تعلم من المواجهة مع تركيا أن بناء صداقة يحتاج وقتا طويلا لكن يمكن خسارتها في يوم واحد. وترى الصحيفة أن قيام بوتين بقصف التركمان السوريين إخوة الأتراك لم يكن تحركا ذكيا مهما كان التفسير للفعل التركي تجاه الطائرة ولم يؤد التصرف هذا إلا زيادة كارثة على كارثة، وتأثر بالتالي هدفه لتغيير الوضع في سوريا نتيجة للمواجهة مع أنقرة.

ثقل التاريخ

ولا يمكن فصل التلاسن الكلامي والتهديدات الروسية والإتهامات التركية عن الإرث التاريخي بين البلدين وهو إرث حروب وهزائم. فروسيا هي عدوة الدولة العثمانية حيث خسرت كل الحروب التي خاضتها مع موسكو. ويرى أكين أونفير، الأستاذ بجامعة قادر خاص في اسطنبول في مقال نشرته الدورية الأمريكية «فورين أفيرز» (29/11/2015) أن مسار العلاقات الروسية ـ التركية تحدد في عام 1783 عندما احتلت قوات القيصر الروسي القرم التي كانت أول مرة يخسر فيها العثمانيون منطقة إسلامية تابعة لهم. وقد قادت صدمة الهزيمة العثمانيين للبحث عن مصادر القوة ومعالم الحداثة في أوروبا. وجاءت نتائج الحداثة في التحالف الفرنسي ـ البريطاني ـ العثماني في حرب القرم (1853 ـ 1856) حيث حاولت هذه القوى هزيمة روسيا في القرم. ولكن الروس عززوا من قوتهم في البحر الأسود وهو ما قاد لخسائر عثمانية على مدار أكثر من قرن ليس في القوقاز ولكن بمنطقة البلقان. ويعتقد الكاتب أن السياسة الخارجية التركية غالبا ما استندت على التجربة التاريخية. فاتفاق تجاري مع إيران مثلا يمكن أن يقوم بناء على معاهدة «زوهاب» عام 1639 والتي أنهت الحروب بين العثمانيين والصفويين. ولهذا السبب فقد اعتبرت أنقرة أن الملف النووي الإيراني لن يهددها نظرا للهدوء الذي ساد الحدود التركية ـ الإيرانية منذ تلك المعاهدة. وفي السياق نفسفه معاهدة مع فرنسا ربما تمت بناء على نظام الإمتيازات الذي منحه السلطان سليمان القانوني للتجار الفرنسيين. وليست تركيا وحدها هي التي تستند على التجربة التاريخية، فروسيا استعادت عام 1783 1856 عندما ضمت القرم عام 2014. ولهذا أعلن أردوغان أنه لن يعترف بهذا الضم أبدا. وبناء على هذا الإرث يمكن لنا أن نفهم ما جرى الشهر الماضي باعتباره نتاجا لخروقات روسية مستمرة. ويشير الكاتب هنا للخروق التي قامت بها الطائرات الروسية والتحركات العسكرية البحرية التي قامت بها حتى قبل أن تتدخل في سوريا هذا الخريف بحيث أصبحت تركيا محاصرة بالجيش الروسي. وهو ما قاد رئيس هيئة الأركان التركي خلوصي أكر للقول إن بلاده أصبحت «داخل دائرة من لهب». وكان الجنرال يعلق على حادث اختراق طائرة روسية للمجال الجوي في 3 تشرين الأول/أكتوبر حيث تصدت لها طائرتان تركيتان ورافقاتها حتى دخلت الأجواء السورية. ورغم مزاعم روسيا بأن الحادث كان بالخطأ إلا أن الطائرات الروسية استمرت في خروقاتها وهو ما دفع تركيا لدعوة الناتو لاجتماع طارئ. وحصلت على دعم من الأمين العام للناتو يانز ستولتنبرغ. واقترحت تركيا في مرحلة لاحقة لوقف الخروقات لجنة تركية ـ روسية للتنسيق إلا أن الروس لم يفهموا الرسالة على ما يبدو أو أنهم كانوا يخترقون المجال الجوي التركي عن قصد. وعليه فالحادث الأخير لم يكن مفاجئا ويجب أن لا يكون مفاجئا خاصة لباحثي الشؤون الدولية المهتمين بتحليل المفهوم والعملية التي أدت للصدام الحالي بين البلدين. ولكن كيف حدث هذا في ظل علاقة قوية بين بلدين يحكمهما رجلان قويان منذ وقت طويل؟ فمهما كانت رؤية كل طرف حول طريقة إسقاط الطائرة فالحرب السورية إن لم يتم وقفها أو إدارتها بشكل جيد فستتحول إلى حرب بالوكالة بين تركيا وروسيا وربما الناتو كما يقول أونفير. فالبنسبة لتركيا فالحصارالعسكري يعبر عن رؤية امبريالية وهو ما سيدفعها لاتخاذ موقف. وأكثر من هذا فاستمرار الخروقات الجوية لا تعتبر مشكلة تركية بل تعتبر تحديا للناتو. أما روسيا فنشاطها الجوي يعبر عن رد على النشاطات الأمريكية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ. ويعتقد أونفير أن تركيا وخلال القرون الماضية عانت هزائم بسبب الصعود الروسي، خلال حرب القرم والحرب العالمية الأولى والحرب الباردة حيث حاولت حماية نفسها عبر تحالفات مع الغرب. ولكن يجب أن لا يكون الرد عسكريا دائما بل من خلال تخفيف نشاطات الناتو في القطب الشمالي والمحيط الهادئ ونقل مظاهر القلق التركية لروسيا على مستوى الناتو وهو ما قد يحمي العلاقات الروسية ـ التركية من أشباح الماضي. وفي النهاية تظل سوريا هي الساحة التي يمكن من خلالها تجنب شرور العلاقات الماضية. لكن بوتين على ما يبدو مصمم على حرمان تركيا من القوى المؤيدة لها في سوريا ودعم تلك التي تخشاها أنقرة وهي الأكراد. وهو ما يجعلنا ننتظر في الأيام المقبلة تصعيدا جديدا.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية