التوتر الروسي ـ التركي من منظور أمريكي يشكل تحديا لمستقبل حلف الناتو والتوازن الجغرافي السياسي في أوروبا والشرق الأوسط

حجم الخط
2

واشنطن ـ «القدس العربي»:ردد الرئيس الأمريكي باراك أوباما مرارا ان تركيا، شأنها شأن أي بلد آخر، لديها الحق في الدفاع عن أراضيها ومجالها الجوي، وذلك تعليقا على حادث اسقاط المقاتلة الروسية «سو 24 « من قبل طائرة «اف 16» التركية، ووفقا لآراء الخبراء فان أوباما محق تماما في هذا القول ولكن الأمور معقدة أكثر من هذا التصريح لان للروس حجج قانونية قوية قد تبرهن على الخطأ تحديدا في هذه الحالة.
المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تسمح باستخدام القوة في حال وقوع «هجوم مسلح» ولكن محكمة العدل الدولية خلصت في قضية عام 1986 ان مجرد عبور محدود للحدود قد يشكل انتهاكا لميثاق الهيئة الدولية وليس بالضرورة «الحق في استخدام القوة» خاصة في غياب هجوم واسع النطاق. المشكلة هنا، ان الأتراك لم يؤكدوا على تعرضهم لهجوم مسلح أو نية الروس بفعل بذلك بل قالوا في رسالة إلى الأمم المتحدة ان الروس انتهكوا المجال الجوي التركي على عمق لا يزيد طوله عن 17 ثانية رغم تحذيرات متكررة وان الطائرات التركية قصفت وفقا لقواعد الاشتباك وهي حجة غير رابحة وفقا لمتطلبات القانون الدولي لكنه يتطلب، أيضا، قوة في الدفاع متناسبة مع التهديد المحتمل.
الولايات المتحدة اتخذت حتى الآن موقفا مبهما حول مدى معرفتها بالموقع الدقيق للطائرة التي يصر الروس انها لم تدخل أبدا المجال الجوي التركي مع تأكيدات على عدم وجود نوايا عدائية مع حقيقة ان اختراق المجال الجوي لا يمنح بالضرورة الترخيص القانوني لاستخدام القوة، وإضافة إلى ذلك، من الممكن ان الطائرات الروسية اخترقت المجال التركي بسبب سوء فهم من الملاحين ناتج عن سوء نظام التوجيه بالأقمار الصناعية، وبطبيعة الحال، لا يمكن توظيف أخطاء التوجيه الالكتروني كسبب لاستخدام القوة المميتة.
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس شتولتنبيرغ أعلن صراحة بانه «يقف تضامنا مع تركيا» ولكنه كان أكثر حذرا في اطلاق الأحكام قبل معرفة كل الحقائق والتحليل القانوني الكامل بشكل محدد لان المادة 5 من معاهدة الناتو التي تنظم الدفاع عن النفس تتفق تماما مع مسار المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والانكى من ذلك كله، ان الجدل القانوني في الساحة الدولية والأمريكية لم يثر فقط بسبب اسقاط الطائرة بل بسبب الهجوم على الطيارين وهم يلوذون بالفرار من الطائرة المنكوبة من قبل عناصر الجيش السوري الحر ناهيك عن مقتل أحد جنود البحرية الروس في محاولة الانقاذ.
ماذا تعني هذه الحقائق بالنسبة للولايات المتحدة؟ تحتل تركيا قيمة عالية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وهي، أيضا، من أهم الأعضاء في التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». وعلى الرغم من ضرورة الالتزام بسيادة القانون في الحالات غير المستقرة مثل سوريا إلا انه تم استخدام تفسيرات فضفاضة للحادثة مما يثير تساؤلات قانونية حول حالات اضطراب أخرى للطيران في جميع أنحاء العالم بما في ذلك التحليق في بحر الصين الجنوبي.
بعيدا عن الجدل القانوني والأخلاقي في حادثة اسقاط الطائرة الروسية في ضوء انتهاج سياسة المصالح أولا في العلاقات الدولية وخاصة من المنظور الأمريكي خاصة وانه لا يمكن للغرب أو الولايات المتحدة ترك تركيا بدون حماية ردا على الغضب الروسي لان تقويض أي دور لأنقرة في الوقت الحاضر سيعني بلا محالة تقويضا لنفوذ الولايات المتحدة في المنطقة.
من المرجح ان تتعكر العلاقات التركية ـ الروسية وهناك احتمال واضح بحروب وكالة بين الطرفين في شمال سوريا بدلا من داخل تركيا نفسها ولكن الأمور ستتجه في نهاية المطاف إلى تسوية مؤقتة. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو المتضرر الأول من الفعل التركي وما زال ينظر إلى الغرب كعدو، ووفقا لأقوال العديد من المحللين فهو يشتبه بدور «في الظلام» للولايات المتحدة فيما حدث، وعلى الأغلب، سيواصل جهوده لتقويض الولايات المتحدة، وحسب المنظور الروسي، فان تركيا قد تكون هدفا سهلا لتقويض هذا النفوذ وسط تعقيدات الوضع الجيو سياسي، ولن يتوقف بوتين اللآن عن تحديد مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد رغما عن أنف الولايات المتحدة بل سيعمل على زيادة نفوذ الأكراد وتحديد مستقبل «كردستان» بهدف زيادة نفوذ روسيا في المنطقة. اسقاط الطائرة الروسية وفقا لآراء العديد من المحللين الأمريكيين مشكلة يمكن ان تتحول بسهولة إلى تحد كبير لمستقبل حلف شمال الأطلسي والتوازن الجغرافي في كل من أوروبا والشرق الأوسط. لا أحد يشعر بالارتياح من التوتر بين روسيا وتركيا، العضو في حلف الناتو، ولكن الرغبة في تخفيف حدة سخونة درجة الحرارة بين البلدين لم تتحقق بعد بل برزت خطابات تحريضة من طرف بوتين، ولسنوات، برز بوتين كقائد من القرن التاسع عشر يحترف التكتيك الجيوسياسي تماما، والمغامرة السورية كانت مثالا آخر على المرونة التكتيكية إلى جانب غرزة المقامر في اختيار موعد الضرب ولكن العديد من المراقبين يعتقدون الآن بانه لا يستطيع «المضغ» جيدا بشكل واقعي نظرا للعقوبات المفروضة على موسكو بسبب الأزمة الاوكرانية وانخفاض أسعار النفط.
الرئيس الأمريكي باراك أوباما دعا في وقت سابق تركيا لتخفيف التوتر مع موسكو بعد اسقاط الطائرة الحربية الروسية ولكن هذه الآمال تعرضت لنكسة بعد ان أعلنت موسكو قائمة من العقوبات ضد تركيا مع تهديدات بتجميد العمل في مشروع خط أنابيب للغاز. والتقى أوباما الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في باريس مؤكدا له، أيضا، دعم الولايات المتحدة لأمن حليفتها في حلف الناتو مضيفا انه ناقش كيف يمكن لتركيا وروسيا العمل معا لنزع فتيل التوترات وإيجاد الطريق الدبلوماسي لحل هذه المشكلة. في نهاية المطاف، ترغب إدارة أوباما بالفعل في انهاء التوتر بين تركيا وروسيا لان هذا التوتر يعقد جهود الولايات المتحدة بحث موسكو على توجيه القوة تجاه تنظيم «الدولة الإسلامية» بدلا من جماعات الغرب ناهيك عن مخاوف اللجوء إلى اختبار حقيقي لحلف شمال الأطلسي بسبب ردة الفعل الروسية أو استغلال المشكلة لتحقيق مكاسب سياسية تزيد من نفوذ موسكو في الشرق الأوسط عبر لعب الورقة الكردية.

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية