تركيا لديها حلفاء وفصائل عسكرية في الداخل السوري: التداعيات الأقليمية لأزمة اسقاط «سو 24»

منذ ما يزيد على الأربع سنوات والصراع في سوريا يتخذ شكل صراع اقليمي متصاعد، إذ أصبح واضحا للقاصي والداني ان هنالك حرب إقليمية يخوضها محوران، محور النظام تدعمه إيران والحكومة العراقية وحزب الله مقابل فصائل مسلحة مدعومة من تركيا ودول الخليج والمعارضة العراقية، وقد ابتدأ اختلاط أوراق اللعبة عندما تدخل التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بضرب المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «الدولة» حيث رأى بعض المراقبين ان هذا الأمر سيمثل بطريقة غير مباشرة دعما للنظام السوري، الذي كان قد بدأ يترنح تحت ضربات الفصائل المسلحة وفقد العديد من المناطق لصالح المعارضة المسلحة حتى بات لا يسيطر فعليا على أكثر من نصف البلاد، لكن وبالرغم من مرور أكثر من عام على بدء غارات التحالف على مواقع التنظيم إلا ان المعطيات على الأرض لم تشهد تغيرا ملموسا حتى تحول الموقف الروسي في نهاية ايلول/سبتمبر الماضي من الدعم السياسي واللوجستي والمعنوي إلى الدخول الكاسح لساحة الصراع السوري.
في تصريح سابق لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعيد بدء الغارات الروسية، تساءل في مؤتمر صحافي قائلاً:»يتحدثون عن الجيش السوري الحر، لكنه هيكلية وهمية، وأنا طلبت من وزير الخارجية الأمريكي جون كيري تسليمنا معلومات عن مكان وماهية هذا الجيش ومن يقوده، ونحن مستعدون حتى للتعاون معه إذا كان من المعارضة السورية المعتدلة؟». ويتضح من صيغة السؤال الاستنكاري ان روسيا مصممة على ضرب كل من يرفع السلاح في وجه النظام معتبرة الجميع إرهابيين. من هذا التصريح تتضح المشكلة التي أوصلت الأزمة السورية إلى مديات كارثية تهدد المنطقة بأسرها بتوسع ساحات القتال، فبينما يرى الغرب ان هنالك فصائل معتدلة يجب دعمها وفي الوقت نفسه توجيه ضربات لتنظيم الدولة الإرهابي (فقط) وان الرئيس الأسد يجب ان لا يكون له مكان في المستقبل السوري لانه جزء من المشكلة، ترى روسيا والجهات الداعمة للنظام ان كل الفصائل المسلحة إرهابية (باستثناء الأكراد) ويجب ان يكون للأسد دور في مستقبل سوريا الذي يجب ان يبنى على أسس التفاهمات السياسية والحلول القائمة على الخيار الديمقراطي للشعب السوري وهو فقط صاحب الرأي في بقاء أو رحيل الأسد.
باتت الساحة الإقليمية أكثر توترا بعد أزمة اسقاط الطائرة الروسية سو 24 من قبل مقاتلات تركية، فالمحور الإيراني بدا فرحا بزخم الهجوم الروسي في الساحة السورية، أما العراق فان موقفه منقسم نتيجة الصراع الحاصل بين نخبه السياسية، كما انه يعاني من إحتلال تنظيم «الدولة» لمساحات واسعة من أراضيه، لكن حكومته لحد الآن لم تجرؤ على طلب الدعم الروسي حرصاً على الدعم الأمريكي والغربي المقدم الآن من عدد من الدول وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، أما حكومة إقليم كردستان فإن موقفها يتسم بالترقب، إذ ان روسيا تدعم وحدات حماية الشعب الكردي، وهي ميليشيا كردية تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني السوري القريب من حزب العمال الكردستاني التركي PKK العدو التاريخي للحكومة التركية، وبالتالي فان حكومة اقليم كردستان تحاول ان تصل إلى توازن تحافظ فيه على الدعم الروسي للأكراد دون ان تغضب الأتراك، خوفا من أعمال إنتقامية قد تقدم عليها تركيا بحجة ضرب قواعد الـ PKK في كردستان العراق. من جانبها التقت حكومة موسكو (صالح مسلم) القيادي الكردي السوري وفتحت معه حوارا وطرحت عليه امكانية فتح ممثلية في موسكو مما أزعج الأتراك ودق ناقوس الخطر، وما زاد الطين بلة، الضربات التي وجهها الطيران الروسي لمناطق جبل التركمان في ريف اللاذقية الشمالي القريب من الحدود التركية الذي تسيطر عليه ميليشيات إسلامية تركمانية راديكالية مدعومة من الحكومة التركية، حيث تشهد منطقة جبل التركمان حضورا لميليشيات تركمانية مطعمة بوجود عناصر من دول الاتحاد الروسي الحالي (كالشيشان والقوقاز وبعض جمهوريات آسيا الوسطى) وبوتين ونظامه لم ينسوا ما تعرضت له روسيا من هجمات انتقامية قبل عشر سنوات، على أيدى المقاتلين الشيشان الذين دمر الجيش الروسي مدينة غروزني عاصمة بلادهم، إذ طالت هجماتهم المدارس والطائرات وأحد المسارح وخطوط المترو في موسكو. هذه الخلفية تثير مخاوف سلطات موسكو من تداعيات استنفار هؤلاء المقاتلين في صفوف هذه الميليشيات وإمكانية عودتهم للعمل المسلح في الأراضي الروسية، وكانت صحيفة «حياة» التركية أكدت في تقرير نشرته في ايلول/سبتمبر الماضي (قبل بدء العمليات الروسية بأسبوع) مشاركة العديد من المقاتلين الإسلاميين الاتراك في المعارك ضد الدولة السورية، ضمن ميليشيا «السلطان عبد الحميد» وميليشيا «المنتصر بالله» وميليشيا «السلطان مراد» وهذا ما اعتبرته تركيا أحد أسباب اسقاط المقاتلة الروسية لأنها تركز ضرباتها على حلفاء تركيا في الداخل السوري، فقد وجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاتهامات لروسيا، الأربعاء 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 بعد يوم واحد من إسقاط الطائرة الروسية، قائلا في اجتماع اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في مدينة إسطنبول «تثار أقاويل عن أن تلك الطائرات كانت موجودة لقتال تنظيم «الدولة»، لكن لا وجود للتنظيم في اللاذقية وريفها الشمالي، الذي يسكنه التركمان، فلا داعي لأن يحاول البعض خداع الآخرين».
أما الموقف الأكثر توترا على الصعيد الإقليمي فهو الموقف الخليجي، فبعد ان كان هنالك تقارب واضح في وجهات النظر التركية الخليجية حول وجوب رحيل الأسد كمطلب أساسي لحل الأزمة السورية، بات اليوم موقف دول الخليج متشظيا وغير واضح المعالم، فالموقف الإماراتي يبدو متماهيا مع الموقف الروسي حيث أعلن وزير خارجية الإمارات عبدالله بن زايد آل نهيان في ختام اجتماعات اللجنة الإماراتية الروسية المشتركة في أبو ظبي «استنكار الإمارات للأعمال الإرهابية التي شهدتها كثير من الدول في الآونة الأخيرة وخاصة الطائرة الروسية التي سقطت فوق سيناء، وحادثة إسقاط المقاتلة العسكرية الروسية في سوريا، إلى ذلك، يسود التوتر في العلاقات بين الإمارات والحكومة التركية، حيث تتهم أبو ظبي الحزب الحاكم في تركيا بأنه فرع لجماعة الإخوان المسلمين، فيما تتهم أنقرة سلطات أبو ظبي بدعم مجموعات معارضة في تركيا تستهدف الإخلال بالأمن في البلاد، في المقابل، تشهد العلاقات الإماراتية الروسية تقاربا كبيرا، حيث قام ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان بزيارة موسكو الأحد 11 تشرين الاول/أكتوبر الماضي، والتقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب بدء الضربات الجوية الروسية على سوريا بـ10 أيام، كما قدمت الإمارات مجموعة مشروعات استثمارية في الأراضي الروسية بقيمة 7 مليارات دولار.
وفي محاولة من السعودية لايجاد حل للأزمة أو تعاط يتسم بالتعقل، فإنها دعت الطرفين الروسي والتركي إلى التهدئة، كما دعت إلى عقد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض بدعم من حلف الناتو حيث وجهت دعوة رسمية إلى 65 شخصية سورية معارضة لحضور المؤتمر المزمع عقده في الرياض في الفترة الممتدة بين 11 و13 كانون الاول/ديسمبر في محاولة لتشكيل وفد من 25 شخصية لمحاورة النظام وخلق قوة حقيقية للمعارضة على أرض الواقع، من جانب آخر يرى السعوديون ان التصعيد الروسي قد خدم الإيرانيين وحلفائهم وهم الأعداء التقليديين للسعودية، إذ مثل الزخم الروسي المتمثل في قاعدتيين جويتين ونشر منظومة دفاع جوي من صواريخ S400 تقوية للنظام واخراجا للإيرانيين من المستنقع السوري، بينما كان السعوديون يسعون من خلال دعم حلفائهم في المعارضة السورية إلى توجيه الضربة المناسبة للإيرانيين ردا على دعمهم لقوات الرئيس صالح والحوثيين في اليمن. بينما ما زال الموقف اللبناني على حاله من الإنقسام والشلل السياسي، حيث يعيش اللبنانيون جوا مشحونا بالتوتر والخوف نتيجة تدخل حزب الله وحلفائه في دعم النظام السوري بينما يقف تيار المستقبل وحلفائه مع المعارضة السورية ضد النظام والنتيجة توترات لبنانية داخلية تنفجر بين الحين والآخر على شكل أعمال إرهابية تطال الحدود اللبنانية وقد تتعداها إلى الداخل كما حصل في عدد من السيارات المفخخة التي ضربت بيروت وعددا من المدن، ويبدو ان الأزمة اللبنانية مرتبطة ارتباطا لا فكاك منه مع الأزمة السورية ولا يمكن الوصول إلى حلول لبنانية خالصة لعدم إمكانية فك الارتباط بين مواقف القوى السياسية اللبنانية من الأزمة السورية.
أما الموقف المصري الرسمي المعروف عنه عدم مطالبته بتنحي الأسد كشرط لحل النزاع السوري وإنما مطالبته كل الأطراف بالوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية، فهو يبدو متماهيا مع الموقف الروسي في أزمة اسقاط الطائرة سو 24، وذلك على خلفية الاتهامات المصرية لنظام اردوغان بدعم حركة الإخوان المسلمين وفتح أبواب تركيا وأثيرها لقنوات تلفزيونية تهاجم نظام السيسي الذي تعتبره حركة الإخوان المسلمين نظاما غير شرعي أطاح بانقلاب عسكري حكومة الإخوان الشرعية، في المقابل تسعى مصر للحصول على الدعم الذي وعدتها به روسيا للمساعدة في إنشاء محطة «الضبعة» النووية لتوليد الطاقة الكهربائية في مصر، كذلك تحاول الحكومة المصرية ان تتجاوز الحرج الذي شعرت به إبان حادثة اسقاط طائرة الركاب الروسية ومقتل أكثر من 200 سائح روسي فيها في سيناء الشهر الماضي، حيث أوقفت روسيا رحلات الطيران من وإلى مصر على خلفية الحادث، ووجهت لوما للحكومة المصرية مفاده عدم توفر معايير الأمن الكافية في المطارات المصرية، كما ان المراقبين يلاحظون تزايد الجفوة السعودية المصرية منذ امتناع مصر عن المشاركة في التحالف الذي تقوده السعودية في حربها في اليمن مقابل ازدياد عمق العلاقات المصرية الإمارتية على خلفية العداء المشترك لحركة الإخوان الذي يجمع البلدين.

صادق الطائي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية