ما يحصلُ اليوم بين تنظيم الدولة والعالم يذكّر بقصة الطفل الذي دخل المستشفی ورفض أخذ الأبرة فاجتمع طاقم المستشفى كله لإقناعه أو إجباره علی أخذ الإبرة، ولربما هناك مثل آخر أشد شبهاً ، كل الصغار يحبون اللعب مع الفئران فعندما يلوح لهم فأر في غرفة مغلقة يبدأ الأطفال الصغار بمطاردته ومناورته وضربه عشوائيا بقصد التسلية وإحداث فوضی في الدار إذْ كلما كادوا أن يمسكوه أفسحوا له مجال الهرب لتستمر المطاردة.
اليوم العالم كله يطارد تنظيم «الدولة» ويهوّل من قدراته ويبالغُ في أخطاره مستخدما كل الأسلحة ليدمر الدار ويترك الفأر إلی أن يمل من التسلية عندها يقتل الفأر ، لكن المضحك المبكي أن من دخلوا لعبة المطاردة العرب أنفسهم غير مبالين بما ينتج عن ذلك من آثار وفوق ذلك كله العرب هم أكثر من يبالغُ في خطر تنظيم الدولة فلا يكاد يقع تفجير أو حريق في أي مكان في العالم إلا وقد قوبل بآلاف الصواريخ علی سوريا والعراق.
تنظيم «الدولة» يسيطر فعليا علی ثلاث محافظات هي الرقة ودير الزور والموصل بالإضافة للمناطق الصحراوية في العراق أو سوريا في منطقة جغرافية مغلقة تماما من قبل من يعادونه، ولا يملك أي حدود برية مع الدول ذات الأهمية الاستراتيجية إلا المسافة التي تقل عن مائة كيلو متر مع تركيا شمالاً ومن الشرق يصطدم مع الميليشيات الشيعية التي تناوئه فكرا ومذهبا فكل له إرهاب لكن علی طريقته الخاصة ، ومن الغرب يصطدم مع المعارضة المسلحة التي تعتبر أكبر متضرر من التنظيم كما ان الجنوب وبعض الجيوب يحادد فيها التنظيم جيش النظام الذي لا يرى عداء حقيقياً إلا في المعارضة السورية.
في هذه السنة التنظيم تجتمع عليه فعليا ضعف الدول التي حاربته السنة الفائتة ، ففي السنة الفائتة كان التنظيم يسيطر علی ضعف ما يملك من أراضٍ ذات أهمية بغض النظر عن المناطق الصحراوية، ففي مثل هذه الأيام كانت التنظيم في وسط (كوباني ) ويسيطر علی الحدود السورية التركية بمسافة تزيد علی ثلاثمائة كيلو متر ، من رأس العين شرقا حتی مارع غربا ، بالإضافة إلى مساحات واسعة في العراق كتكريت وسنجار و كركوك وجلولاء التي خسرها اليوم.
ما حصل أنه في العام الفائت وفي فترة زمنية قصيرة خسر التنظيم كل هذه المساحات إذْ لم يتنه شهر تموز/يوليو الفائت إلا والتنظيم قد فقد كل ما سبق وذلك عندما جد الأمريكي في حربه علی التنظيم ، ثم جاءت فترة الهدوء التي يركّز علی قصف المناطق السكانية التي ليست لها علاقة بخطوط المواجهات.
اليوم دخل الروس وبدأت تركيا فعليا في قصف التنظيم وكثرت الدول التي سجلت طلب الانتساب لمقاتلة التنظيم دون أن تكسب المعارضة السورية ولو شبرا من أراضي التنظيم حيث لا ناصر لها والأمريكي يحدد ما يريد.
هذا الواقع البسيط لا يحتاج إلى تحليلٍ وغوصٍ في كواليسه ليتنبّه العرب إلی أنّهم يقارعون طواحين الهواء علی أرضهم وبدون فائدة ، أليس من العدل أن يتساءل العرب ما ذنبهم هم إن وقع تفجير في أي بقعة في العالم كتفجيرات باريس مثلاً فلو فُرِضَ أن التنظيم فعلاً هو المسؤول عن التفجير فهل هذه المسؤولية مسؤولية فكر التنظيم أم بنيته العسكرية؟
إنْ كانت المسؤولية فكر التنظيم فالفكر لا يمكن أن يحارب جغرافياً وانتشاره لا يمكن لكل أسلحة الأرض أن توقفه ووسائل التواصل حولت العالم إلی قرية صغيرة يسهل فيها التأثير والتأثر ثم هاهي أفغانستان شاهدة هل أدت الحرب فيها إلى اجتثاث الفكر التكفيري وهل سوريا هي المنبع الأول لهذا الفكر؟
وإنْ قيل أنّ مسؤولية التنظيم عن التفجير عسكرية فهذا أغرب المتناقضات. إذْ أنّ المنطق يقتضي أنْ تكون هناك صلة جغرافية بين التنظيم وباريس أو امتلاك التنظيم لجسر جوي أو أرضي يتمكن من خلاله الوصول إلى هدفه أو علی أبسط افتراض أن يكون التنظيم قد تمكن من إيصال مواد التفجير إلی أعوانه المنفذين للتفجير.
هل من العقلانية أنه كلما انتسبتْ جماعة لتنظيم «الدولة» أو «القاعدة» في بقعة تنفصل جغرافياً عن سوريا والعراق وقامت بعمل إرهابي تقصف العراق وسوريا؟
أليس من الأوجب أن تجري العدالة علی الجماعات الإرهابية من باب هويتها القطرية ومكانها الجغرافي بدلا من ملاحقة الفكر هنا وهناك، مرة باسم القاعدة ومرة باسم التنظيم ومرة باسم ملاحقة اللحی وفي كل مرة يدفع العرب والمسلمون نتاج قبولهم لكل ذلك.
الذاكرة القريبة تستحضر لنا عمليات القتل في لبنان بحق الفلسطينيين التي قامت بها جماعات مارونية علی أساس طائفيّ، لماذا لم يستهدف المسلمون مثلاً الجماعات المتطرفة الكنسية في أوروبا مثلاً ، أو يوجهوا تهمة للكنيسة ؟
لأن المسلمين يعملون بمقتضی الواقع والعدل مع الغير وهذا بمنتهی العدل ، بينما مع أنفسهم يتعاملون بمنتهی الإسفاف!!!
أمرٌ بسيط لا يكلف العرب قطيعة الآخرين ولا يخالفون به ما تقبله الإنسانية وترضاه، يسقطون أنظمتهم الفاشية في سوريا والعراق ومعها ستتهاوی تنظيم الدولة حكماً،فإن كانت علاقتهم بسوريا والعراق دينية فهم أولی من الغرب وروسيا بها ، وإن كانت العلاقة قومية، أيضاً هم أولی، وإن كانت علاقة جوار فهم أولی وإن كانت مصالح اقتصادية فهم أولی،وإن كان لا يربطهم بسوريا والعراق أي شيء علی الإطلاق سوی خوفهم علی بلادهم من خطر المجاورة فهم كذلك أولی فما أهون علی النفس قيام العرب بتدمير سوريا والعراق حفاظا علی المتبقي من عروبتنا من قيام الدول الغربية بتدمير سوريا والعراق ليتفرغوا بعدها لتدمير العرب واحدا واحدا، فالتكفير سهل الصناعة وسلعته مرغوبة وفوق ذلك هو صالح لكل زمان ومكان وتحت الطلب.
فاروق شريف – كاتب سوري