التاريخ وتقدم الوعي بالحرية… أسئلة في التكوين والممارسة

حجم الخط
0

يقول الفيلسوف الألماني جورج فريدريش هيغل، إن تاريخ العالم ما هو إلا تقدم الوعي بالحرية، أو هو ربما تطور حتمي للوصول إلى الحرية المطلقة.
لا بد أن هيغل كان يؤمن بأفكار عليا تتأسس على ذلك الإعجاب بالثورة الفرنسية التي جسدت نموذجاً غير مسبوق، حيث قاده إعجابه إلى تطوير عدد من الأفكار التي أحدثت تأثيراً كبيراً على الفكر الألماني، ما أدى إلى استشعار الذات الألمانية خاصة، والأوروبية عامة لطاقاتها، عبر محاولة اكتناه خصائصها وآفاتها، وهذا من أجل التخلص من تبعات الضغط الممارس من قبل أنساق حالت دون انطلاق القوى الكامنة، ولا سيما أثر الكنيسة التي أقحمت نفسها بين الإنسان والعالم الروحي، فهذه الذات كان لا بد لها من تكوين مفهوم جديد للحرية، والمضي نحوها، ليتفاقم الأمر نحو المزيد من الاحتفاء بتثمين الذات التي أعلت من قيم الحرية بوصفها القوة والمحرك للتخلص من آفات العصور الوسطى.
ولكن هذا أدى فيما بعد إلى خروج الأمور عن جادة الصواب عبر بروز النموذج الاستعماري، علاوة على خوض حربين عالميتين قاسيتين، فضلاً عن بروز ذلك الوعي المركزي للقيم الغربية، التي حسمت صراعاتها في ما بعد عبر نموذج رأسمالي يثمن الفرد وحريته المطلقة، مع محاولة إحداث تطور آخر، إلى حرية أقل ألماً وتداعيات سلبية.
ولعل تطوير نظرة شمولية لمعاني الحرية المطلقة، لا بد أن يتأسس بشكل مبدئي على الذات، أو الفرد، هذا النسق من الرؤية لطابع تاريخي في الوعي الغربي، كان فعل تأسيس لحركة متقدمة في تطور الوعي الغربي بذاته، وحدوده، التي تتوجت بقيم غربية مثلى، أسهمت فيها كل من الثورتين الفرنسية والأمريكية، وتحديداً في رسم حدود المستقبل الغربي نحو قيم باتت جزءاً من الذات الغربية، بل أضحت مبدأ راسخاً، وهو ما جعلها في حالة تجانس على الرغم من تمايزاتها، واختلافاتها. ففي تحليل هيغل للتاريخ، نجد أنه أقام فروقاً لمفاهيم تتصل بالحرية حيث حلل عدداً من العوالم، وهي العالم الشرقي، والعالم اليوناني، والعالم الروماني، والعالم الجرماني، والأخير يحيل إلى أوروبا برمتها، ولكن ما يعنينا من ذلك التركيز على مراكز الديكتاتورية في كل من هذا العوالم، ولعل أهمها ما اتسم به الشرق من بروز الذات المفردة الحاكمة، في حين أن الذات الغربية تعرضت لتحولات تاريخية للحرية، بدءاً من العالم اليوناني، فالروماني، فالجرماني، فالتطور التاريخي للعالم الغربي قاده إلى الوقوع – أخيراً – على شكل الحرية المطلقة، عبر تلك المنظومة المتكاملة، التي تعني تجانساً جينالوجياً، وثقافياً، وجغرافياً من منطلق ذلك النظر إلى الجزء الغربي الشمالي الناهض على خلفية لاهوتية مسيحية، والذي بدا أكثر وعيا بفرديته، وخصوصيته، ودنيوية وجوده، وبذلك فقد خرج من قيم التكوينات المتعالية (الميتافيزيقية) إلى قيم عقلية عليا.
لا شك في أن التطور التقني الذي عرفه العالم اليوم، زاد من الأفكار الطوباوية التي ترى أنه يمكن تغيير العالم، والسيطرة عليه، إذ بدت الفلسفة الغربية مؤمنة بقدرتها على استثمار كل ما حولها بهدف إحكام السيطرة على الكون والأفكار، إذ صنعت رؤية تحتكم إلى هيمنة العقل، والحدود الكلية، مع برز أفكار دارون، بات الإيمان بفكرة التقدم الحتمي هاجساً لأوروبا، التي آمنت بخلاصها من الحدود الغيبية، وما وراء الطبيعة، فمع أعمال كانط، ومن بعده هيغل، وغيره من الفلاسفة الغربيين الذين شكلوا نسقاً، بدءا من أرسطو الذي وضع أولى لبنات التطور عبر النموذج الماورائي بوصفه نسقا لاهوتياً، ومن بعده توما الأكويني الذي انطلق من اللاهوت، ليأتي فيما بعد هيغل الذي أرسى لاهوت التاريخ، ليستمر في ما بعد النسق الغربي بتحطيم القيد تلو القيد نحو نتائج حتمية، أو إلى مرحلة يتفوق فيها العقل على ما دونه، وهو ما أفضى إلى خطوات نحو الحرية بتكوينها المطلق.
ومع بروز القوميات الأوروبية، وتطور النظم الصناعية، وبروز الصراع الطبقي، والحاجة لاستثمار الطبيعة التي بدت تستنفد نتيجة الثورة الصناعية… كان لا بد من الاستعمار الذي يعدّ نموذجاً، أو حلقة من حلقات حتمية التطور الغربي، وبذلك أضحى النسق الغربي فاعلاً في تحويل كل ما على هذه الأرض وقودا لتطوره الذاتي بمعزل عن العالم الذي بدا صامتاً منقاداً إلى جدليات الغرب ومخاضه، كما ديناميته الحيوية المتعالية. هذا الصمت للآخر خارج النطاق الغربي، أفضى إلى سلبية تمثلت بالتراجع الحضاري لكل ما هو خارج نطاق الطيف الغربي، الذي أخضع ما عداه إلى فراغ فكري عميق نتيجة غياب المشاريع الفكرية التي يمكن لها أن تتكئ على نموذج من الترابط العضوي بين موروث لاهوتي، ومصالحة لقيم العقل، وما يمكن أن نعده نتيجة حتمية للحركة التاريخية لفكرة التقدم تجاه الحرية، أو للمطلق الذي بات غير ناضج في أفكار الآخر غير الغربي، ومع تراكم خبرات من القمع، والتحييد لذاتية الفرد التي مورست بعد رحيل الاستعمار، وغياب معنى الحرية في ظل أنظمة قمعية بددت المفهوم الإنساني الذاتي، ما أحال الشعوب إلى فضاء فارغ من الدلالة، ومن هنا كان لا بد للشعوب من الارتجال كي تجد نموذجها الجديد، أو البحث عن قوتها التي استنفدت مع الاستعمار، في حين أجهزت عليها نخبويات الحكم المحلية، وبذلك أضحت قيم الكرامة والعدالة غائبة عن وعي تلك الشعوب.
ومع بدء عودة السفن الاستعمارية إلى بلدانها بدأت الأطراف، أو الهوامش في البحث عن حريتها، أو حياتها بتكوينها البسيط، فبدأت رحلاتها نحو المراكز الحواضرية باحثة عما تفتقده في أرضها، ولكن مع تفاقم هذا العنف الذي صبغ عقود الحقبة الاستعمارية، وما بعدها، وفي ظل تفجر قيمي لهذه الشعوب التي استعبدت مرتين،الأولى من قبل المستعمر، والثانية من قبل الأنظمة، لتتشكل في ما بعد ارتحالات وهجرات، ولتظهر تلك المناطق الواقعة في بينية الفراغ الأيديولوجي، أو الحيرة، مما استدعى اللجوء إلى المعقل الإنساني الجديد بعد أن أنهكت الذات، وهكذا بدأت عملية التحول الكامل للحرية بمفهومها الغامض في العالم غير الغربي، بيد أنها سقطت في غيبوبة فكرية عميقة، حيث استهلكت تلك الذات في محاولة البحث عن سبل الخلاص، واستجداء المنظورات التي تتعرض يوما بعد يوما لحتمية الانقياد للنموذج الغربي بعقلانيته المطلقة، ومع هذا الضياع في إنشاء مفهوم محلي للحرية، نتيجة غياب الاستناد إلى أسس فلسفية عميقة، ما جعلنا في حالة إرجاء مستمر لتشكل القيم الحضارية التي تقود إلى فعل حياتي مستمر، بوصف الحياة هبة قابلة لأن تعاش بكرامة وحرية وعدالة.
ما السبيل إذن لتخطي هذه العوائق المفاهيمية، ولاسيما في ظل غياب أسس فلسفية عميقة؟ هنا تكمن عمليات من الاجتهاد، وانبعاث مقاربات مختلفة، ربما تكون موروثة، أو ربما منبتة الصلة بالموروث، أو منسوخة عن مصادر خارجية، مع الإشارة إلى أن سائر الأمم والشعوب، التي تحسب في مجالات الدول المتقدمة، أو خارج المنظومة الشرقية العربية، كما الغربية، ومنها شرق آسيا، قد وقعت على مقاربة للحرية من دون وقوع ذلك الانشقاق بالذات، أو انفلات قيم التنازع، والكراهية والإقصاء والتحيز، كما الطائفية والقبلية والعصبية والطبقية والديكتاتورية، وسائر أوهام وعاهات الاستيهامات الذاتية، التي تعاني منها العوالم الشرق أوسطية تحديداً، والتي لا تفتأ تنبذ الآخر وتقصيه، ونعني الآخر المختلف عرقياً وطائفياً وطبقياً، أي الآخر الذي يكمن بين ظهرانينا، أو بعبارة أخرى الجزء المختلف في الذات الكبرى، فالآخر هو الأنا، ولكن من خلال منظور إقصائي.
وهنا لا بد من التأمل في ما يمكن أن تؤول إليه هذه الأحوال من نزعات تدميرية قادرة على إفناء المستقبل، واستكمال حلقة ضياعنا في التاريخ من قرون خلت إلى يومنا هذا. ولعل الإشكالية تكمن في تحديد أولوياتنا التي ربما تختلف، وتتعرض لتوجهات تبدو في بعض الأحيان غامضة. فمع بدء الثورات العربية وانحراف مساراتها، وما انبثق بعد ذلك من كراهيات وفعل تدمير ذاتي، إذ بتنا غير متيقنين من أن هذه الثورات هي مرحلة من مراحل التطور الحتمي للوصول إلى الحرية المطلقة، ولعل الناظر في التجارب ربما يجعلنا نصادق على ذلك، ولكن البشرية تقدمت خطوات كبيرة نحو النضج والرشد، وهذا من منطلق أن القرن المنصرم، والحالي يمثلان نسقاً مغايراً عما سبق من التاريخ البشري، فعصرنا يتميز بقدرته على استثمار المخاضات الفكرية، والوعي بها من أجل تجاوز عقبات كثيرة نحو فهم الذات، علاوة على أن هذا التسارع التقني لا يمكن له أن يتوقف، وهو يمضي سريعا إلى عوالم لا نعرف منتهاها، ما يعني المزيد من الهوة العميقة بيننا، وبين باقي العالم، الذي ربما يذهب بعيداً، في حين أننا ما زلنا في ممارسات قد تجاوزها الزمن، كما العقل البشري الكوني، وتحديداً في ما يتعلق بحرية الفرد وكرامته، وهذا ما نلتمسه في عالمنا، حيث ما زال أبناء الطبقة الوسطى، في سائر المجتمعات العربية، لا يمكن لهم أن يتقدموا في مجتمعاتهم، إذ لا يمكن أن تحصل على منصب بسيط كمدير مدرسة على سبيل المثال، من دون وجود مرجعية دينية، أو قبلية أو عشائرية، أو شخصية، أو عرقية، ولهذا كانت المؤسسة العسكرية خيارا لأبناء هذه الطبقات للوصول إلى الحكم، ما أفضى إلى بروزعدد من الإشكاليات التي حالت دون تقدم عقلاني، ومعقول، لأن مقاييس الحرية لدينا معطوبة، فمجتمعات الغرب، تسمح بوصول أي كان لقمة هرم الحكم، من دون النظر إلى لون بشرته، أو جذوره، أو عائلته، أو دينه، إذ يكفي أن تكون جزءاً من نظام الحرية، وأن تكون خريج أرقى جامعاتها، في حين أن عوالمنا لا تخضع لهذا التصور، ما يعني أن ثمة خللاً ما في قيم الحرية لدينا، ففي مجتمعاتنا لا نؤمن بأن للكل خياراً بأن يكون جزءا من النظام تبعاً لعقله، أو لتفوقه… أو لكفاءته… لا لدمه، أو لطائفته، أو حتى لعشيرته، فقيمنا تقوم على إقصاء الإنسان، وهذا ما يعني أننا لم نتوصل بعد، أو لم نقع على الخطوة الأولى من مراحل الحرية، فما زلنا عرضة للكثير من الإخفاقات التي تسببت بهذا القدر الكبير من القتل، والتدمير والجنون.

كاتب فلسطيني ـ أردني

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية